الخلطة السرية للسلطة.. الثروة ج2 .. بقلم: أحمد خفاجي
الأستاذ أحمد خفاجي يكتب سلسلة مقالات بعنوان “علي عبد الرازق وسؤال السلطة”. وهذا هو المقال السابع: “الخلطة السرية للسلطة.. الثروة ج2”.
بقلم: أحمد خفاجي

يقول د. رءوف عباس “قامت على الملكيات الزراعية الكبيرة مصالح اقتصادية لفئات اجتماعية متعددة، انحدرت من أصول متباينة، وشكلت في مجموعها “طبقة كبار الملاك الزراعيين” وقد تكونت ملكيات كل فئة من تلك الفئات في ظروف تختلف عن بعضها البعض وإن حكمتهم جميعا في النهاية الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ساعدت على تطور الملكيات الزراعية الكبيرة”1
فبين (1935 – 1952) باعت مصلحة الأملاك الأميرية 200 ألف فدان ذهب أكثر من 90% منها لكبار الملاك لنفوذهم في دوائر الحكومة وما نتج عنه من تسهيلات في الضريبة وسبل الري والصرف والإفادة من تسهيلات بنك التسليف الزراعي، بل تدخلت الحكومة خلال الأزمة الثلاثينية وتحملت جزء من ديون كبار الملاك التي عقدوها بضمانة أراضيهم، كما انحصرت التسهيلات الائتمانية -العقارية والزراعية- في كبار الملاك2
ولنتذكر هنا أن حسن باشا عبد الرازق الكبير كان قد أقام قصرًا قريبًا من قصر عابدين الذي بناه إسماعيل، ونستنتج من مقدمة طه حسين لكتاب علي عبد الرازق الذي جمع فيه مقالات أخيه مصطفى3 ومن مذكرات عبد العزيز فهمي4 أن إقامة حسن باشا الكبير وأنجاله كانت شبه دائمة في القاهرة، وقد تسببت ظاهرة إقامة كبار الملاك في العاصمة، حسب د. حسين خلاف، في تركز جزء هام من القوة الشرائية في البلاد داخل المدن الكبيرة على خلاف الريف، واعتبر ذلك سببًا آخر من أسباب تأخر الصناعة5
ثمة خلاف بين الدارسين بشأن ما عُرف بـ “طبقة كبار ملاك الأراضي”، ففي كتابها “فلاحو الباشا” تؤكد كينيث كونو أنها “حاولت الاقتصاد في استخدام مصطلح “طبقة”، بسبب ما يتضمنه من إيحاءات، رغم أنني أتناول فكرة التشكيل الطبقي في تاريخ وجهاء القرية (أعيان الريف)، وفي معظم الأحيان عندما أستخدمه، فإنني لا أعني أكثر من مجموعة تشترك في المهنة والهوية، وهذا يتضح من السياق”6
يذهب المؤرخ اليساري رءوف عباس إلى أن “كبار الملاك الزراعيين كانوا يكونون طبقة اجتماعية داخل المجتمع المصري، إلا أن ذلك لا يعني أنهم كانوا يكونون نظامًا إقطاعيًا بالمعنى الذي عرفته أوروبا في مراحل تطورها الاجتماعي”7
ويُقرر صلاح عيسى -اليساري أيضًا- أن البرجوازية التجارية وجدت “في الشرائح العليا من الأنتلجنسيا الأزهرية حليفًا طبقيًا ومعبرا سياسيا -وبدرجة ما- فكريا عنها، وذلك بحكم الانتماء إلى نفس الطبقة، فالإنتلجنسيا الأزهرية كانت تمثل مظهرا قريبا من طبقة متوسطة في مصر، فقد تعددت مظاهر النشاط الاقتصادي لكبار علماء الأزهر آنذاك، فأخذوا حق التنظر على الأوقاف الخيرية -وكانت تمثل أكثر من ربع المساحة الصالحة للزراعة- ومُنحوا بعض الالتزامات، ودخلوا في حلبة المنافسة لشراء حصصها، فضلا عن أنهم كانوا يمارسون الاستثمار التجاري بكل أشكاله من بيع وشراء ومشاركة، ومضاربة ومقايضة، وشراء وبيع الأملاك والعقارات والحمامات والدكاكين وتملك الوكائل”8
أما روبرت هنتر فيقول “إذا لم تكن الملكية المشتركة للأرض العامل الأكثر وضوحا في تكوين هذه الجماعة، فمن الممكن القول بأن الاستيلاء المتسارع على الحيازات الزراعية من قبل الموظفين من الأعيان المصريين والأتراك جعل من الممكن لأعضاء هاتين المجموعتين بداية إدراك ذاتهم باعتبارهم جزءًا من برجوازية زراعية”9
وربما يفسر مقولة هنتر ما قرره د. عبد العظيم رمضان من أنه لم تكن هناك في الحقيقة فروق جوهرية تفصل بين الطبقات التي تعيش على تملك الإقطاعات الكبيرة من الأرض، وبين الطبقات التي تعيش على استثمار المال في التجارة والصناعة، بل لقد لوحظ أن معظم ملاك الأراضي كانوا هم أنفسهم من الرأسماليين الذين رأوا استثمار جزء من أموالهم في مشروعات تجارية وصناعية رابحة، بل إن الطبقة الرأسمالية في مصر قد نبعت أصلا من ملاك الأراضي، ولم تنبع من الطبقات الدنيا، كما جرى في أوروبا اللهم إلا في عهود قريبة في مصر وخصوصا بعد عام 1936 م وبعد إلغاء الامتيازات الأجنبية عندما خفت سيطرة الأجانب قليلا على السوق المصرية، وبسبب ظروف الحرب العالمية الثانية التي أتاحت الفرصة للوطنيين للعمل في مجالات التجارة والصناعة بشكل لم يتوفر من قبل بتلك الصورة”10
أما د. أنور عبد الملك فيُقسّم ملاك الأراضي في الريف إلى 3 فئات (ملكية صغيرة – ملكية متوسطة – ملكية كبيرة) في الفترة بين الأعوام 1894 وعام 1952م، ثم يقول “كانت البرجوازية الزراعية الكبيرة (أكثر من خمسين فدانا)، والتي يُشار إليها عادة بشكل أدق باسم “الأرستقراطية الزراعية” أو يُطلق عليها بشكل غير دقيق تسمية “الإقطاعيين”، تنقسم بدورها إلى فريقين تبعا لطريقة استغلال الملكيات الكبيرة…الفريق الثاني كان من المزارعين الأغنياء، وكان يشكل الأقلية من كبار الملاك الذين يزرعون أرضهم بأنفسهم، إما لإنتاج مواد أولية لصناعات التحويل وخاصة القطن، وإما لإنتاج سلع استهلاكية لكل من السوق الداخلي والأسواق الخارجية”11
يقول د. جمال حمدان “القطن ولا سواه هو مؤسس مصر الحديثة وباني نهضتها دون جدال، به اشترت عناصر الحضارة الحديثة، وبمكاسبه وعائداته انتقلت من العصور الوسطى إلى العصر الحديث”12، وعبارة حمدان يُعززها ما ذكره هنتر في حديثه عن عوامل التغيير الذي حدث في مصر خلال فترة الدراسة، وكان أولها “ظهور القطن الطويل التيلة، الذي أصبح بحلول السبعينات من القرن الـ 18 المحصول الرئيسي في الاقتصاد الزراعي المصري، وقد فرض إنتاج القطن إقامة موانئ وأرصفة جديدة، وتطوير المجاري المائية الداخلية، وإقامة خطوط السكك الحديدية، وظهور مدن جديدة حول الموانئ، وهكذا أصبحت مصر المتلقي للبضائع المصنعة المصدر للمواد الخام إلى أوروبا، بسبب جهود محمد علي وخلفائه لجعل أنفسهم وحكوماتهم الوسطاء بين مصر والاقتصاد العالمي، وهكذا تضاءلت مكانة مصر لتتحول، مع حلول سبعينيات القرن الثامن عشر، إلى دولة تابعة، تمثل أقاليم دلتاها قطاعًا واحدًا فسيحًا للتصدير في إطار النظام التجاري العالمي”13
لقد عوّل محمد علي باشا، وخلفاؤه، على أن يُوجه أقصى اهتمامه إلى المزروعات الصيفية مثل القطن، وذلك لأغراض تجارية ومالية، وهذه السياسة الجديدة كانت سببًا في كثير من التغييرات التي شهدتها مصر في نظام الري وملكية الأرض، وحرية الفلاح الاقتصادية14.
أما عن المنيا فيُقرر جمال حمدان أن “جنوب الإقليم في المنيا وشمال أسيوط بوجه خاص، هو نطاق القطن متوسط التيلة الشهير في قلب الصعيد”15، وهنا نعود إلى سعيد باشا صديق عبد الرازق الجد الأول لعلي عبد الرازق، والذي “استجاب لرغبة مبعوث جمعية مانشستر للقطن للإكثار من زراعة القطن بعد الحرب الأهلية الأمريكية 1861م “حمى القطن”16
“وشهد عهد إسماعيل (1863 – 1879) إدخال وتوسيع زراعة القطن بسرعة من أجل تموين المصانع الإنجليزية التي قطعت عنها إمدادات المواد الخام بسبب الحرب الأهلية الأمريكية”17، وهكذا “ظلت إنجلترا أكبر عميل لمصر خصوصًا بعد أن زاد إنتاج الأخيرة من القطن، وبسبب التطور العظيم الذي لقيته الصناعة القطنية في الأولى”18
لكن بعد خضوع البلاد للاحتلال الإنجليزي، وبينما كان علي عبد الرازق يدرس الاقتصاد في إنجلترا، وأثناء الحرب العالمية الأولى “أدى تركيز إنتاج القطن للسوق البريطانية إلى ما يُشبه المجاعة مع تناقص مصادر الغذاء”19
وإذا كان تناقص مصادر الغذاء لا يُمثل مشكلة بالنسبة لآل عبد الرازق أو غيرهم من كبار الملاك، إلا أنهم -بالرغم من المكاسب الهائلة التي حققوها من زراعة القطن أو تأجير الأراضي في المنيا والمنوفية والقليوبية- قد عانوا من أزمة أخرى لا تقل خطورة، وهكذا صاروا من أشد الفئات سخطًا على الإنجليز، لأنه في الوقت الذي لم يكن للإنجليز فضل في ارتفاع أسعار القطن، وإنما هي ظروف الحرب، إلا أن الإنجليز، بتحكمهم في أسعار القطن واحتكاره، لم يتركوا لكبار الملاك فرصة التمتع بأقصى ما يُمكن تحقيقه من هذه الأرباح الاستثنائية التي جاءت بها الحرب، وكان لذلك حزازة شديدة في نفوسهم ظهر أثرها في موقفهم من ثورة الشعب عام 1919م واشتراكهم مع طبقات الأمة في الكفاح المجيد من أجل الاستقلال20 وهو ما تحقق جزئيًا بصدور تصريح 28 فبراير 1922م، ليصدر -بالتعاون مع الملك فؤاد- دستور 1923م، على يد نخبة من كبار الملاك، الذين أسسوا في نفس العام حزب الأحرار الدستوريين الذي ضم بين أبرز أعضائه حسن باشا عبد الرازق الصغير، وهو الحزب الذي ورث سلفه حزب الأمة الذي كان حسن باشا عبد الرازق الكبير أحد وكيليه، لتسقط ثمار ثورة الشعب في 1919م ناضجة بين أيدي كبار الملاك، ممن تولوا الحكم، بالتحالف مع حزب الملك “الاتحاد” حتى عام 1925م، ذلك العام الذي أصدر علي عبد الرازق في أوائل إبريله كتابه القنبلة “الإسلام وأصول الحكم”
ولابد من الإشارة هنا إلى ما ذكره مجيد خدوري من أن “المثقف من هذه الطبقة لا يُعاني منذ صغره هموم المادة التي كانت كثيرًا ما تُرغم مثقفين آخرين على اتخاذ مواقف تناقض معتقداتهم”21
وهكذا في 1944م قبل عامين من تولي مصطفى عبد الرازق مشيخة الأزهر، وقبل ثلاثة أعوام من تولي أخيه علي وزارة الأوقاف، في أكثر من وزارة، يعترف مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء أمام مجلس النواب بأن “الخلل الكبير والخطأ المسئول عن فقر أغلبية شعبنا هو العدد المرتفع للملكيات الكبيرة”22
…………………………
هوامش:
- كبار الملاك والفلاحين في مصر، 1837 – 1952، د. رءوف عباس ود. عاصم الدسوقي، بدون تاريخ، ص 70 ↩︎
- التجديد في الاقتصاد المصري الحديث، د. حسين خلاف، طبعة البابي، الأولى، 1962، ص 112 ↩︎
- من آثار مصطفى عبد الرازق، علي عبد الرازق، دار المعارف بمصر، 1957م، مقدمة د. طه حسين ↩︎
- هذه حياتي، عبد العزيز فهمي – تقديم: طاهر الطناحي، دار الهلال، 1963، ص 153 ↩︎
- التجديد في الاقتصاد المصري الحديث، د. حسين خلاف، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، 1962م، ص 112 ↩︎
- فلاحو الباشا: الأرض والمجتمع والاقتصاد في الوجه البحري من 1740 – 1858، كينيث كونو، ت/ سحر توفيق، المجلس الأعلى للثقافة، 2000، ص 36 ↩︎
- كبار الملاك والفلاحين في مصر، ص 241 ↩︎
- البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة، صلاح عيسى، بدون بيانات، ص 63 ↩︎
- مصر الخديوية 1805-1879 نشأة البيروقراطية الحديثة، ف. روبرت هنتر، ت: بدر الرفاعي، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى/ 2005م، ص 152 ↩︎
- تطور الحركة الوطنية في مصر من سنة 1918 م إلى سنة 1936 م – عبد العظيم محمد رمضان، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1983 م، ص 25 ↩︎
- المجتمع المصري والجيش 1952م – 1967، د. أنور عبد الملك، القاهرة، مركز المحروسة، الطبعة الأولى، 1998م، ص 107 ↩︎
- من خريطة الزراعة المصرية، جمال حمدان، الطبعة الأولى، دار الشروق، 1984، ص 9 ↩︎
- مصر الخديوية 1805-1879 نشأة البيروقراطية الحديثة، ص 51 ↩︎
- التطور الاقتصادي في مصر في العصر الحديث، راشد البراوي ومحمد عليش، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثالثة، 1948م، ص 51 ↩︎
- شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان، د. جمال حمدان، دار الهلال، بدون تاريخ، ص 1007 ↩︎
- مصر في عهدي عباس وسعيد، زين العابدين شمس الدين نجم، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2009م، ص 152 ↩︎
- المجتمع المصري والجيش 1952م – 1967، ص 102 ↩︎
- التطور الاقتصادي في مصر في العصر الحديث، ص 104 ↩︎
- مغامرة الإسلام: الضمير والتاريخ في حضارة عالمية، المجلد الثالث/ إمبراطوريات البارود والعصور الحديثة، مارشال هودجسون، ت: أسامة غاوجي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2021، ص 409 ↩︎
- تطور الحركة الوطنية في مصر من سنة 1918 م إلى سنة 1936 م، ص 70 ↩︎
- انظر: عرب معاصرون أدوار القادة في السياسة، مجيد خدوري، الدار المتحدة للنشر الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، 1973م، ص 315 ↩︎
- المجتمع المصري والجيش 1952م – 1967، ص 109 ↩︎
إلى لقاء في المقال الثامن…
لقراءة المقال السابق، اضغط الرابط التالي:
الخلطة السرية للسلطة.. الثروة ج1.. بقلم: أحمد خفاجي
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد