الخلطة السرية للسلطة.. الروابط الاجتماعية.. بقلم: أحمد خفاجي
الأستاذ أحمد خفاجي يكتب سلسلة مقالات بعنوان “علي عبد الرازق وسؤال السلطة”. وهذا هو المقال الثامن: “الخلطة السرية للسلطة.. الروابط الاجتماعية”.
بقلم: أحمد خفاجي

رابعًا: الروابط الاجتماعية
في ضوء مقالاتنا السابقة تبيّن لنا كيف بدأت مسيرة آل عبد الرازق إلى السلطة بـ “التعليم”، وكيف وفّر التعليم المؤهلات الكافية للعمل بـ”القضاء”، وكيف مكّنت هذه الوظيفة المتوارثة آل عبد الرازق من حيازة قدر هائل من “الثروة” تمثلت في الأراضي والعقارات وغيرها، والآن نُلقي الضوء على الأدوات والآليات التي مكّنتهم من الحفاظ على هذه “الثروة” من ناحية، وتوظيفها للوصول إلى أرقى المناصب في الدولة والمكانات في المجتمع، في شبكة معقدة من العلاقات تتحول فيه الغاية إلى وسيلة لغاية أبعد، وتتبادل فيها “الأطيان” و”الأفكار” التأثير والتأثر.
وقد كانت الروابط العائلية والعلاقات الاجتماعية ذات أثر كبير في هذه المسيرة الممتدة في العائلة إلى لحظتنا الراهنة.
1- المصاهرة:
لا توجد إشارة واحدة في الدراسات التي تناولت علي عبد الرازق وأخيه مصطفى إلى علاقات النسب والقربى التي جمعت بين آل عبد الرازق وغيرهم من العائلات في مصر، مع ما لهذه الروابط الاجتماعية من أثر على مناحي الفكر والتوجهات السياسية.
إذ لم يكن الجدل الذي أثاره كتاب الإسلام وأصول الحكم عام 1925 مجرّد سجال فكري حول مفهوم الخلافة والسلطة في الإسلام، بل كان أيضًا صدى لتقاطعات اجتماعية وسياسية عميقة عاشها المجتمع المصري في مرحلة ما بين الحربين.
فقد جاء هذا الطرح من رجل ينتمي إلى واحدة من أقوى الأسر الريفية ذات النفوذ العلمي والاجتماعي والسياسي في صعيد مصر: أسرة عبد الرازق المنحدرة من المنيا، والتي لعبت علاقاتها الاجتماعية دورًا مؤثرًا في تشكيل مكانة صاحب الكتاب وفي طريقة استقبال أفكاره.
كانت أسرة عبد الرازق من العائلات التي نسجت شبكة مصاهرات مع عائلات سياسية وإدارية بارزة في الوجه القبلي والوجه البحري على حد سواء. فمن خلال هذه المصاهرات، ارتبطت العائلة بعائلات من الطبقة المالكة للأراضي (كبار الملاك)، وهو ما منحها مكانة اجتماعية رفيعة مكّنت أفرادها من تولّي مناصب مهمة في الدولة والقضاء والتعليم. وقد زادت هذه المصاهرات من قدرة العائلة على التأثير، وسهّلت دخول علي وأشقائه إلى دوائر القرار والنخبة.
فلا يمكن فصل استقبال أفكاره عن مكانة أسرته، وقد وفّرت العائلة غطاءً اجتماعيًا وحماية معنوية له بعد الحكم عليه من محكمة العلماء. ففي حين تعرّض لعقوبة العزل من هيئة العلماء، لم يُقصَ اجتماعيًا أو سياسيًا بالقدر نفسه الذي كان سيحدث لو لم يكن من عائلة نافذة.
إنّ شبكة المصاهرة والصداقة والزمالة لعلي عبد الرازق لم تكن مجرد خلفية شخصية، بل كانت مكوّنًا أساسيًا في كيفية تَشكّل خطابه حول السلطة الدينية والسياسية، وفي الطريقة التي تلقّى بها المجتمع المصري أفكاره. فقد قدّم طرحًا جريئًا عن فصل الدين عن نظام الحكم، مستندًا إلى خلفية اجتماعية أتاحت له الجرأة الفكرية، لكنها في الوقت نفسه جعلت الهجوم عليه أكثر حدّة لأنه لم يكن “رجل هامش”، بل ابن طبقة النخبة.
لقد سبق أن أوردنا قول علي عبد الرازق في مقدمته لكتاب “من آثار مصطفى عبد الرازق”:
“وأم مصطفى وأخوته هي السيدة خدوجة بنت الحاج عبد السلام بن الحاج عثمان الشريعي بسمالوط، وهي شريفة من جهة أمها، على ما يُقال، وأمها من عائلة الدمرداش المشهورة ببلدة القيس التابعة لمركز بني مزار”.
وفي مقابل “حسن عبد الرازق” كان هناك أيضًا “حسن الشريعي” شقيق محمد الشريعي نائب الجمعية العمومية في 19071. وحسن الشريعي كان عمدة لبني مزار، وقام الخديوي سعيد عام 1856 م بتعيينه ناظرًا للقسم، وحين أعاد الخديوي سعيد مجلس الأحكام في نفس السنة كان حسن عبد الرازق ممن انضموا إليه، تم تعيين الشريعي مديرًا لمديرية الدقهلية، وكان منصب المديرين لا يرقى إليه أحد من المصريين، ثم عُين مديرًا لمديرية الجيزة عام 1858 م، وعمل عضواً بمحكمة الاستئناف، ثم تولى نظارة الأوقاف في عهد إسماعيل، وهي النظارة التي تولاها علي عبد الرازق أكثر من مرة حين تحولت إلى “وزارة”2.
وكما ذكرنا في حديثنا عن “الثروة” كانت عائلة الشريعي تمتلك 933 فدانا عام 1881 م ثم زادت حيازتها الزراعية من 1000 إلى 5000 فدان بين عامي (1941 و 1952) شأن عائلة عبدالرازق تمامًا.
إن رصد علاقات المصاهرة والنسب بين فروع آل عبد الرازق أو بينهم وبين غيرهم من العائلات يقتضي فحص الكثير من السجلات المحلية والوثائق الرسمية، وهو ما لا يُتاح لنا الآن، إلا إنه بالبحث المتاح في أرشيف الأهرام وقفنا على نعي لاثنين من كبار آل عبد الرازق المعاصرين، ففي 19 يناير 2014 نشر الأهرام نعيًا للسفير ومساعد الخارجية الأسبق “محمد علي عبد الرازق” ومنه يتبين أنّ:
– والده الشيخ علي عبد الرازق تزوج خديجة ابنة عبد الحميد “بك” عبد الرازق.
– محمد تزوج ليلى ابنة المستشار أحمد يحيى غيته، وأمها زينب بدوي سراج الدين.
– أنجب محمد (1) ياسمين محمد عبد الرازق مدير البنك العربي، وحرم الدكتور محمد رفعت أستاذ الجراحة بالمعهد القومي للأورام (2) وحبيبة محمد مديرة بشركة اتصالات.
– ومن أحفاد محمد من ابنته ياسمين: علي ومصطفى وأحمد رفعت (لاحظ توارد نفس الأسماء في كل جيل).
– ومحمد هـو شقيق (فاضل) زوج السيدة هدى دويدار، وشقيق (خالد) زوج السيدة زينب حسين عبد الرازق وشقيق (عادل) والدكتورة (سعاد) حرم المهندس محمد كمال حامد، وشقيق المرحومة ثريا حرم السفير ممدوح مصطفى عبد الرازق خريج السياسة والاقتصاد بالجامعة الأمريكية، وعضو مجلس الشعب في 2000م عن بني مزار3.
ومن النعي يتبين لنا علاقات النسب بين فروع آل عبد الرازق وبينهم وبين عائلات غيته ببني سويف وسراج الدين بكفر الجرايدة ورفعت وعاشور بالقاهرة والجمال بالفيوم وأبو الليل والقيسي وجلال والدمرداش ببني مزار.
وبتتبع البحث يظهر لنا بوضوح احتلال كثير من أبناء وأحفاد آل عبد الرازق لمناصب هامة في أجهزة الدولة، كثير منها يتعلق بالقضاء أو السياسة، نكتفي بذكر نموذج واحد منها، وهو:
المستشار عبد الوهاب عبد الرازق حسن عبد الوهاب، من مواليد 1948 م بالمنيا، حصل على ليسانس الحقوق عام مولدي 1969م من جامعة القاهرة، وعمل بالجهاز المركزي للمحاسبات، ثم معاونًا للنيابة، ثم نائبًا بمجلس الدولة، وفي 2001م عُيّن نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية العليا، وكان من مستشاري المحكمة الذين حاصرهم الإخوان، بعد أن شارك في إصدار حكم ببطلان مجلسي الشعب والشورى أيام حكم الإخوان، وشغل بعدها من 2016م إلى 2018م منصب رئيس المحكمة الدستورية العليا خلفًا للمستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية المؤقت عقب الإطاحة بحكم الإخوان في 30/ 7 / 2013م، ليتم اختياره رئيسًا لمجلس الشيوخ في أكتوبر 2020م إلى الآن 2025م، وفي السنة نفسها 2020م ترأس المستشار عبد الوهاب حزب “مستقبل وطن” أحد أبرز الأحزاب في مصر في العهد الحالي.
……………………
هوامش:
- مصر في عهدي عباس وسعيد، زين العابدين شمس الدين نجم، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2009م، ص 17 ↩︎
- مصر في عهدي عباس وسعيد، ص 60 ↩︎
- انظر: خبر إيفاد رئيس الجمهورية مندوبًا للتعزية في وفاته في 25 يناير 2019م ↩︎
إلى لقاء في المقال التاسع…
لقراءة المقال السابق، اضغط الرابط التالي:
الخلطة السرية للسلطة.. الثروة ج2.. بقلم: أحمد خفاجي
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد