“العرق” لايكيل بالبتنجان… بقلم: أكمل صفوت

طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

أكمل-صفوت-2025-817x1024 "العرق" لايكيل بالبتنجان... بقلم: أكمل صفوت

رغم إني طبيب بشري، إلا إني قضيت حوالي 8 سنين من حياتي المهنية متفرغ للبحث العلمي في المعمل ومع فئران التجارب في الدنمارك. 4 منهم أثناء الدكتوراه (1990 – 1994)، و4 تانيين تفرغت فيهم لموضوع أثار فضولي العلمي وأنا بعمل في الدكتوراه، وظل السؤال يطاردني لحد ما كتبت مشروع بحثي لدراسته، وحصلت عليه دعم من مؤسسة بحثية أوروبية سنة 1999، ومن المجلس الدنماركي للبحث العلمي سنة 2000.

احتكاكي المهني بالنظام الطبي والبحثي في الدنمارك أول ما وصلت كشف لي عن حاجتين:

  • الأولى: إن مهاراتي وخبرتي الإكلينيكية كطبيب -بفضل أساتذتي المصريين- كانت مستواها عالي جدًا وكانت محل تقدير وإعجاب وإكبار من زملائي وأساتذتي في الدنمارك.
  • الثانية: إن قدرتي على التفكير العلمي ومهاراتي البحثية كانت منعدمة تقريبًا ومليانة عيوب. ده ماكانش عيب في شخصي، لكن في النظام التعليمي كله، حتى -للأسف- في الجامعة وحتى -لمزيد الأسف- على مستوى الماجستير والدكتوراه.

فهمت فوراً إن النقص ده -لو ماع رفتش أعالجه- حايأثر بالتأكيد مش بس على مستوايا كباحث، لكن كمان على مهارتي الإكلينيكية كطبيب، وحايحط لها سقف منخفض مش حاعرف أعديه، ومش حابقى في المستقبل مع العيانين بتوعي غير “صنايعي” شاطر، حافظ مش فاهم، ومقلد مش مبتكر. لأن جزء من نضجي المهني كطبيب مرتبط بفهمي للعلم وطريقتي في التعامل مع المعلومات والتطورات الجديدة، وفرزها وتقييمها بشكل نقدي.

وافتكرت إزاي وأنا بعمل رسالة الماجستير في مصر كنت بجمع المقالات العلمية اللي في موضوع البحث، وبعدين أصفهم جنب بعض في مقدمة الرسالة:
فلان وفلان قالوا نعالج بكذا، وفلان وفلان قالوا نعالج بكيت، فلان وفلان قالوا نستخدم الجرعة دي، وفلان وفلانة قالوا نستخدم جرعة تانية… وهكذا… نتائج مختلفة ومتضاربة لأبحاث كتير… كتير جدًا… من غير ما أعرف ولا أقدر أقيّم ولا حتى أحاول أعرف، أي بحث أفضل وأي دراسة لازم نهملها، وأي دراسة قدمت بالفعل دليل، وأي دراسة كانت من القوة لدرجة غيرت الممارسة وليه… لا أنا سألت، ولا حد علمني إني لازم أسأل.

لأني فاكر حالة عقليتي العلمية البائسة وأنا واخد بكالوريوس وماجستير من كلية علمية عملية في مصر في الثمانينات، وقت ما كان التعليم أفضل كتير، فأنا قادر أعذر كتير من أبناء الأجيال الأصغر وأنا شايفهم بيخلطوا بين المفاهيم العلمية، وغرقانين في بحر من المعلومات، لكن مش عارفين يطلعوا منها بأي معرفة.

ويمكن في الكلام المنتشر دلوقتي حول الأعراق والجينات ووجود عرق مصري مرتبط بجينات من أيام الفراعنة نموذج واضح للمشكلة دي. وحاحاول أوضح ده في شوية نقط.

1- فين أم السؤال؟

أي بحث علمي لازم يبدأ من سؤال، من مشكلة مالهاش حل، أو ظاهرة مش مفهومة، ولازم يبدأ بتحديد دقيق للسؤال اللي محتاج إجابة.

لما العلماء صنفوا الكائنات بناء على قواعدهم الصارمة، حطوا كل البشر المعاصرين في “المملكة الحيوانية”، شعبة “الحبليات”، طائفة “الثدييات”، رتبة “الرئيسيات”، فصيلة “القردة العليا”، جنس “الإنسان”، نوع “الإنسان العاقل”. وأظن ده حصل سنة 1758. التصنيف ده حل أسئلة كتير كانت مطروحة وقتها. ورغم إن الاختلاف الظاهري بين صفات مجموعات البشر وطريقة حياتهم كان معروف طول الوقت، إلا إن “علميًا” ما كانش فيه سؤال علمي محتاج تفسير، ولا ظاهرة مختلفة عن اللي بيتم رصدها في كائنات تانية، يعني ما كانش فيه حاجة مش مفهومة ومحتاجة حل علمي زي تقسيم البشر لأعراق أخرى أصغر.

سؤال الأعراق والكلام عن التراتبية البشرية تحت نوع “الإنسان العاقل” ماظهرش إلا مع الغزو الاستعماري الأوروبي. يعني تاريخيًا، سؤال الأعراق ما كانش سؤال علمي في الأساس، لكن كان سؤال سياسي. يمكن كان فيه فضول علمي لاستكشاف صفات البشر في المجتمعات غير الغربية، الغريبة المختلفة، لكنه ما تحولش لنظرية عن التراتبية المرتبطة بحتمية بيولوجية إلا بسلطة السياسة وفلوسها.

الكلام ده مهم عشان لما بعض المدافعين عن فكرة الأعراق يقولوا “والعلم ذنبه إيه إذا كانت السياسة أساءت استخدامه؟”، لازم نقول لهم إن لولا السياسة ما كانتش الفكرة دي ظهرت أساسًا. ببساطة… ما فيش سؤال.

2- هل العرق دساس؟

محاولة تقسيم البشر لأعراق، واللي بدأت في بدايات القرن الـ19 تقريبًا، كانت بتعتمد على قياسات ظاهرية لشكل الجمجمة والفك ولون البشرة، وبعدين إيجاد علاقة تربط الأرقام دي بأي صفات عقلية أو حتى ظواهر اجتماعية ممكن تكون مفيدة سياسيًا، زي العنف، معدلات الجريمة، الذكاء بالمفهوم الأوروبي، سرعة الغضب، الانحلال الجنسي، وغيرهم.

رغم إن دي أساليب بدائية وغير علمية، وأي نتائج منها مفيش طريقة نعتبرها “دليل” ممكن نعتد بيه، إلا إنها كانت ناجحة لخلق رأي عام وإيمان سائد بصحة النظرية. لأن المنطق البسيط بيشوف دايمًا علاقة سببية بين أي ارتباط بين ظاهرتين، وللأسف لحد النهاردة، لما الصحف الدنماركية مثلًا تنشر إن معدلات الجريمة وسط “الأجانب” أو وسط “العرب” أكبر من وسط الدنماركيين، الناس على طول بتشوف في الارتباط ده علاقة سببية وبتقول “لإنهم أجانب أو لإنهم عرب”.

ممكن نفهم إن وقتها كانت دي الوسائل “العلمية” المتاحة، بس بعد فك شفرة الحمض النووي (الدنا-DNA) ورسم خريطة الجينوم البشري بالكامل، بقى في أدوات علمية تقدر تفحص نظرية الأعراق البشرية.

سؤال البحث كان: هل يمكن تقسيم نوع Homo sapiens (الإنسان العاقل) إلى سلالات فرعية (“أعراق”) تكون متميزة جسدياً وجينياً بشكل ثابت؟
الأبحاث العلمية أثبتت الآتى:

  • أى أثنين على سطح الكوكب حايشتركوا فى ٩٩،٩% من جيناتهم (في المتوسط).
  • التنوع الجينى داخل المجموعات البشرية أكبر من التنوع الجينى بين المجموعات. والنقطة دى تحديدا مهمة جدا لهدم مفهوم العرق البيولوجي.
  • التباين الجيني البشري متدرج مش منفصل يعنى مفيش حدود جينية واضحة أو حادة تفصل “عرق” عن التانى.
  • الجينات المشتركة فى منطقة أو مجموعة سكانية معينة ممكن تساعد فى تحديد درجة التمازج الجينى لفرد او مجموعة واعطاء فكرة عن “النسب الجغرافى” للشخص أو المجموعة بس ده مالوش اى علاقة بالمفهوم البيولوجى للعرق.
  • كل الصفات الظاهرية المستخدمة تقليدياً لتعريف العرق (زى لون البشرة، نوع الشعر، وملامح الوجه) عبارة عن سمات سطحية. جيناتها حديثة نسبيا اتطورت مؤخراً، غالبا بسبب تغيرات مناخية (على سبيل المثال، التعرض للأشعة فوق البنفسجية للون البشرة) وغير مرتبطة. مما يعنى إن كل صفة بتتورث لوحدها وبالتالى ماينفعش نجمعهم سوا لتوصيف مجموعة بعينها.
  • مفيش اى علاقة جينية بتربط أى من الصفات دى بأى جينات مرتبطة بصفات زى الذكاء أو القدرات العقلية.
  • الخلاصة: لا يمكن تقسيم نوع Homo sapiens (الإنسان العاقل) إلى سلالات فرعية (“أعراق”) تكون متميزة جسدياً وجينياً بشكل ثابت. لإن ده محتاج وجود حدود جينية حادة، ودى ببساطة مش موجودة فى البشر.

ماسبق مجتمعا (وأكثر) يرقى لمستوى “الدليل” العلمي الأكيد.

طبعا العلم متغير وأي باحث علمي حقيقي لازم يبقى عنده موقفين يبانوا متناقضين؛ إيمان راسخ بحقائق العلم ومناهجه وفي نفس الوقت قدرة على الشك فيها والتمرد عليها. بس علشان نشك فى حقيقة علمية لازم يكون فيه سبب، زى مثلا ظهور نتايج جديدة معاكسة للحقيقة العلمية أو عجز النظرية عن تفسير ظاهرة أو التنبؤ بنتيجة. بس الواقع إن مفيش حاجة من دول حصلت. وبالتالى أى محاولة للوصول لإجابات بديلة عن اللى العلم بيقوله حاليا مش علمية بالأساس. الموقف العقلى ده هو اللى بيفرق العلم عن الفلسفة. الفلسفة أسئلتها ثابته وبيتعاد طرحها باستمرار والفيلسوف يقدر يبدأ بحث أى سؤال من الصفر وفى أى وقت، أما العلم فمابيعدش طرح الأسئلة اللى اتجاوب عليها لكن بيسأل أسئلة جديدة. العلم تراكمى ولازم يبنى على اللى قبله.

3- هل “الغباوة” هي السبب؟

بيقولوا إن الغباء هو تكرار نفس الشيء وتوقع نتيجة مختلفة. والشاويش عطية قال على إسماعيل ياسين: “هو يا ربي بغباوته”.

أما أنا فأقول إن إعادة مناقشة طرح سؤال الأعراق والجينات في غياب احتياج علمي أو وجود سؤال ماتمش الإجابة عليه مش بس سلوك غير علمي في الأساس، لكن كمان غباء مثير للشك لأنه بيحصل بالتزامن مع صعود سياسي لليمين الفاشي العنصري، ولنزعات قومية شوفونية لأنظمة سلطوية، سبق واستخدمت نفس الفكرة لاضطهاد وقمع وإبادة البشر.

وعندما تكون “الأدلة” اللي بيتم تقديمها هي إعادة إنتاج لوسائل قياس الجمجمة واختلاق علاقة سببية بين أي ارتباط إحصائي بين ظاهرتين، يبقى تكرار الكلام -ناهيك عن الاقتناع بيه- عيب في الحقيقة.

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات