فؤاد زكريا: المفكر التنويري.. بقلم: د. محمد السيد

أستاذ المنطق وفلسفة العلوم

د.-محمد-السيد فؤاد زكريا: المفكر التنويري.. بقلم: د. محمد السيد

لم يسعدني الحظ لأن أتعرف على الدكتور فؤاد زكريا (1927 – 2010) عن قرب أو بصورة مباشرة وإنما كنت أشاهده في قسم الفلسفة في جامعة عين شمس في بداية الثمانينيات، حين كان يتردد أحيانًا على قسم الفلسفة الذي ينتمي إليه حيث كنت أعد رسالتي للماجستير آنذاك، من هنا فكنت أغبط الزملاء والأحبة الذين اقتربوا منه، ومن بينهم الصديق المفكر الكبير الدكتور سعيد توفيق والصديقة الغالية فيلسوفة العلم المرموقة يمنى الخولي والعميدة العالمة الدكتورة وفاء إبراهيم وغيرهم.

د.-فؤاد-زكريا فؤاد زكريا: المفكر التنويري.. بقلم: د. محمد السيد

وفؤاد زكريا لمن لا يعرف من القراء والمتابعين هو أحد أهم أعلام التنوير في مصر والوطن العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بل هو في رأيي أكثرهم شجاعة وعقلانية. لقد وقعت مبكرًا في سنوات دراستي الجامعية المبكرة تحت تأثير شخصيته الطاغية من خلال ترجمته لكتاب بول موي عن المنطق وفلسفة العلوم، والأهم ترجمته لكتاب هانز ريشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، وأيضا من خلال ترجمته المبكرة لمحاورة الجمهورية لأفلاطون. لقد كنت مأخوذًا بالدقة والبساطة والوضوح في الترجمة، حتى إنني كنت أشعر وكأن الدكتور فؤاد هو مؤلف تلك الكتب.

وهنا أقول إن الدكتور فؤاد لم يكن يترجم من الأعمال إلا تلك التي كان يحبها ويقتنع أن لها قيمة أكاديمية وثقافية عميقة. لقد تعلمت كثيرًا من طريقته الفريدة في الترجمة؛ كنت أقارن الترجمة بالأصل الأجنبي لأرى كيف يُترجم. وقمت بعمل مثل هذه المقارنات مع مترجمين آخرين، من بينهم أساتذة كبار في مجالات تخصصية متعددة، لكن من خلال تجربتي الطويلة في الترجمة بعد ذلك في المركز القومي للترجمة في القاهرة وفي أماكن أخرى كثيرة في الإمارات والكويت والسعودية، أقول بكل اطمئنان أن ترجمات الدكتور فؤاد مع ترجمات الدكتور زكي نجيب محمود وعدد آخر قليل جدا من جيل الرواد في مجال الفلسفة هي من أفضل وأكثر الترجمات دقة وجمالاً.

كان الدكتور فؤاد ينحت ألفاظًا جديدة، كما كان يمتلك بصيرة نادرة في رؤية وترجمة المصطلحات الجديدة أو غير المألوفة؛ أمر آخر أود إضافته يتعلق ببراعة الدكتور فؤاد في الترجمة عن اللغتين الإنجليزية والفرنسية بنفس القدر من الجودة، فضلا عن معرفته الجيدة بمصطلحات اللغة اللاتينية.

كان الدكتور فؤاد مفكرا وفيلسوفًا ومثقفًا ملتزمًا بكل ما تعنيه هذه الكلمة، بل أود أن أضيف بأنه، وبدون مبالغة، كان يمثل صورة لما يتعين أن يكون عليه المثقف العضوي الذي تحدث عنه أنطونيو جرامشي (1891 – 1937) في كتابه “دفاتر السجن”. والمثقف الملتزم الذي تحدث عنه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905 – 1980) في العديد من أعماله.

جرامشي-655x1024 فؤاد زكريا: المفكر التنويري.. بقلم: د. محمد السيد

فقد كان الدكتور فؤاد، شأن سارتر، يؤمن بضرورة خروج المفكر، أو حتى الأستاذ الجامعي، من برجه العاجي (أو الإسمنتي) وألا يظل محايدًا أمام قضايا عصره (الحياد يكون أحيانًا خيانة)، والالتزام يعني مقاومة كل أشكال القمع. كان الدكتور فؤاد حريصًا على الاستقلال عن الأحزاب والتيارات السياسية، مع الاهتمام بقضايا الوطن العربي الملحة، بل وبالقضايا الإنسانية الكبرى التي تتجاوز اختصاصه الأكاديمي، فكان بمثابة المثقف الملتزم المدافع عن الحرية بعيدًا عن إغراءات السلطة السياسية، الأمر الذي كثيرًا ما يحدث بسبب تماهي أيديولوجية السلطة مع أيديولوجية الجماهير.

فكثيرا ما كان بعض المثقفين العرب، ولا يزال بعضهم كذلك، جزءًا من بنية الاستبداد السياسي، بل ومروجين لهذا الاستبداد أحيانًا، وهذا سوف يجرنا إلى الإشارة إلى المثقفين المزيفين الذين كان الدكتور فؤاد يمقتهم بل وكثيرا ما يفضحهم دون هوادة. والمثقف المزيف هو ذلك الذي تقتصر مهمته على تبرير الوضع القائم، أو الذي يُفضل عدم التدخل في ما لا يعنيه، وهو على النقيض من المثقف الملتزم الذي يعالج كل كبيرة وصغيرة طالما كانت مهمة؛ أي المفكر المشاغب بالمعنى الفكري والنقدي، المنشغل بالهموم الوطنية والإنسانية الذي يقف في طليعة المدافعين عن المظلومين والمقهورين.

انضم مع 82 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات