في مطبخ نصر أبوزيد… النص.السلطة.الحقيقة (٢)
بقلم: عمرو عبد الرحمن

النص والتأويل (في اللغة والثقافة)
مفهوم النص (الدلالة اللغوية)
يهدف نصر أبوزيد من خلال بحثه المستمر عن مفهوم النص إلى الكشف عن بعض خصائص الثقافة العربية والإسلامية في جانبها التراثي، بهدف تحقيق المزيد من الفهم لواقعنا المعاصر. ولأن اللغة تمثل النظام المركزي المعبِّر في بنية الثقافة، كان البدء بتحليل الدلالة اللغوية لكلمة “نص”، خاصةً في ثقافة احتل فيها النص الديني مركز الدائرة. كانت الدلالة المركزية لكلمة “نص” هي الظهور والانكشاف، واصطلاحًا أصبح النص هو الواضح بذاته فلا يحتاج بيانًا أخر. وهو ما أكده الشافعي في كتابه الرسالة بأن النص هو المُستَغنى فيه بالتنزيل عن التأويل، مع تفاوت مستويات الوضوح. واستقر المفهوم عند ابن عربي ليفرِّق بين النصي والمحتمل في سياق الصراع حول فهم الشريعة، ليطرح مفهوم ندرة النصوص حيث “النصوص عزيزة”، ما يفتح الباب حول التأويل بل يجعله ضرورة لا غنى عنها. أما الآن فقد تحولت دلالة الكلمة لتدل على البناء اللغوي الذي يضم العديد من الجمل، وهو ما يستخدمه الخطاب الديني لترسيخ خدعته الكبرى بأن “لا اجتهاد فيما فيه نص” ليكون النص هنا هو كل النصوص الدينية من قرآن وسنة، والهدف هو غلق باب الاجتهاد تمامًا.
التأويل والمفهوم الثقافي للنص
يحضر “التأويل” في القرآن سبع عشرة مرة، بينما يغيب “النص” غيابًا تامًا. وأول ما يأتي في الذهن مرتبطًا بالتأويل هو الرؤيا. ويقدِّم أبوزيد لذلك ببيان العلاقة بين الرؤيا والحلم والحديث. الرؤيا هي ما يراه صاحبها أما الحلم فهو الرؤيا من منظور من لم يراها، والحديث هو التعبير عن الرؤيا ونقلها من علامات مرئية إلى علامات مسموعة. وهي عملية تمر بالعديد من الوسائط، فما يراه الرائي لا يطابق ما استقر في ذهنه ولا يطابق ما يحكيه عبر الحديث، وبالتالي لا يطابق الصورة المتكونة في ذهن من يسمع الحديث عن الرؤيا.
التاويل يحدث لما يرويه الناس من أحاديث عما يرونه في أحلامهم. وهو ما يظهر جليًا قصة يوسف وتأويله للأحلام. يرتبط تأويل الأحلام بمعرفة شخص الرائي، والترجمة التي يعبّر بها الرائي عن رؤياه. وهي ترجمة غير محايدة لأنها تعبير عن الرؤيا لا يطابقه. ويعتبر أبوزيد أن الفهم التراثي للأحلام يتوازى مع فهم المتكلمين للمعاني النفسية والكلام الذي يشير إلى ما في النفس. ولعل هذا ما مهَّد الطريق لابن عربي كي يبني تصوره عن العالم والربط بينه وبين الحلم، الذي يتم التعبير عنه في القرآن للربط بين النص القرآني وبنية الوجود. ويشير أبوزيد إلى قصة حلم ربيعة بن مضر الذي بحث عن تأويلها لكنه لم يكن يطمئن إلى صحة ذلك التأويل إلا إذا عرف الكاهن ما رآه دون أن يخبره به. أي أن التأويل الصحيح لا يمكن الوصول إليه إلا بتعبير مطابق لما رآه.
يعتبر الطبري أن التأويل هو “التفسير والمرجع والمصير”، وهو ما ذهب إليه في تفسير {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} لكن أبوزيد لا يرى بصحة ذلك التفسير لان إضافة التأويل للطعام تجعله يختلف عن الأحلام، وأن التأويل هنا بمعنى الكشف عن مصدر الطعام لا العاقبة. أما في التعريف المعاصر فإن النص هو مجموعة من العلامات المنتظمة في نسق من العلاقات لتنتج معنىً كلي يحمل رسالة. وليس من قبيل الصدفة أن يطلق القرآن على نفسه رسالة وأن تكون وحداته الأساسية آيات، والآيات علامات تدل على الشئ فيُستدَل عليه. والكون كله مجموعة من العلامات/الآيات التي تدل على وجود الله ووحدانيته. فلدينا هنا نصان: نص لغوي وهو القرآن ونص غير لغوي هو العالم يتجاوب مضمون رسالته مع مضمون الرسالة اللغوية. والتوجيه القرآني بقراءة آيات الله في الكون وفي نفسه ينسجم مع هذا التصور، وهو التصور الذي صاغه ابن عربي لقراءة القرآن في الكون والكون في القرآن.
إشكالية المجاز
النزاع حول الحقيقة
“الأمر محصور بين رب وبين عبد فللرب طريق وللعبد طريق، فالعبد طريق الرب فإليه غايته، والرب طريق العبد فإليه غايته”.
ابن عربي
يتصور ابن عربي هنا أنه يحل إشكالية الفكر الديني بالجمع بين طريقين يمثلان طرفا نقيض. إنهما طريقين افترقا إلى حد الصراع. ولا يمكن النظر إلى إشكالية المجاز في الفكر الإسلامي كإشكالية لغوية فقط بمعزل عن هذا الصراع. فالخلاف حول المجاز يمتد إلى الخلاف حول رؤية العالم، فإذا بدأنا من الله كان هو الحقيقة والعالم مجازًا، وإذا بدأنا من العالم كان هو الحقيقة وعالم ما وراء الطبيعة هو المجاز أو المعبَر للحقيقة.
كان جهم بن صفوان هو أول من طرح إشكالية المجاز من زاوية النظر لعالمنا كعالم المجاز في مقابل عالم الحقيقة الإلهي، لينتهي إلى نفي الإنسان وعالمه بحصره في دائرة المجاز. ثم ناقش عبدالقاهر الجرجاني المجاز بالتفرقة بين المجاز اللغوي والمجاز العقلي، أو بين المجاز في الاسم والمجاز في الفعل، وذلك في إطار نفي الأفعال الموجودة في العالم بكل من الطبيعة والإنسان وجعلها خالصة لله وحده. وإذا كان الأشاعرة قد حاولوا التوسط بين إثبات الجبرية ونفيها، فإن ذلك جعلهم يقرون بأهمية المجاز واعتباره آلية أساسية من آليات التأويل، لكنهم اختلفوا مع المعتزلة في مجالات توظيفها. ففي حين عمّمها المعتزلة لنفي التعارض بين النقل والعقل، قصرها الأشاعرة على مجال نفي صفات التشبيه.
ورغم إقرار نصر أبوزيد بإنجازات عبدالقاهر الجرجاني في مجال البلاغة، إلا أن تفرقته بين المجاز اللغوي والمجاز العقلي، واعتماده التأويل كأداة لرد المجاز المرتبط بالوهم والتخييل إلى الحقيقة والمعقول ينتهي إلى جعل المجاز سمة العالم الحسي المشهود، في حين تصبح الحقيقة سمة عالم ما وراء الطبيعة، ورغم صياغة الجرجاني المضمرة لذلك، إلا أن أشعري أخر هو أبوحامد الغزالي صاغ هذا المفهوم صياغة نهائية واضحة.
العراك حول اللغة: من يملكها؟
ترتبط قضية أصل الدلالة في اللغة بمسألة من يقود عربة المجاز وإلى أين: هل لتأكيد فعالية الإنسان؟ أم نفيها لحساب الفعالية الإلهية المطلقة؟ ومع اللغة يتحول السؤال إلى هل اللغة إبداع إنساني أم هبة إلهية؟
في مواجهة من يقولون بأن الدلالة اللغوية اصطلاح قال البعض بأنها توقيف أي من عند الله، ولحل مشكلة تعدد اللغات جعلوا التوقيف من نصيب اللغة العربية. وكان من نتائج هذا أن الدلالة اللغوية لا يمكن أن تكون اعتباطية، وهو ما يظهر في الخلاف بين المعتزلة وخصومهم حول الأسماء والصفات الإلهية هل هي الله أم غيره؟ الأمر الذي أدى إلى القول بذاتية العلاقة بين الدال والمدلول، وإعطاء الألفاظ نوعًا من الوجود الموضوعي بحيث تتحول اللغة من الدلالة إلى أنطولوچيا. ربط أهل الحديث بين الاسم والمسمى ووحدوا بينهما، أما الظاهرية فأنكروا وجود المجاز في اللغة كلها، ولم يصمد موقف الأشاعرة الوسطي طويلًا لأن قولهم بالكسب توسطًا بين الجبر وحرية الإرادة ينحاز للجبرية ويكرسها. فانتهى الأمر بأبي حامد الغزالي بنفي الإنسان في دائرة المجاز، ثم جاء ابن عربي لينفي الوجود كله بحبسه داخل دائرة الوجود الإلهي.
قام المشروع الفكري للإمام الغزالي على عملية تحريك دلالي انتهى إلى نقل الحقيقة إلى عالم الملكوت لترتبط بالعلو والارتفاع بينما نظل أسرى المجاز في عالمنا المحسوس عالم السفل والانحطاط. مع الغزالي تجاوزت دلالة ثنائية الحقيقة/المجاز حدود عالم التعبير اللغوي لتصبح مفاهيم أنطولوچية وابستمولوچية، لتصبح الحقيقة خارج حدود عالمنا وللوصول إليها يجب تجاوز هذا العالم وإهماله. وأدى ذلك إلى تصور انحطاط المجاز في مقابل علو شأن الحقيقة.
في مجال تأويل النصوص الدينية. لم يعد التأويل آلية لفهم النصوص، وحل محله القلب الذي تنكشف له الحقيقة عبر اتصال الخاصة من أهل الطريق الصوفي بعالم الحقائق. أدى ذلك إلى التعارض بين العقل والقلب، والخاصة والعامة، والتأويل والتفسير. وتحددت مهمة التأويل في نفي المجاز واستبعاده للوصول إلى الحقيقة عن طريق الخاصة، بينما يعيش الأكثرية في وهم المجاز لتتجلى ثنائية الظاهر والباطن في كل مستويات الوجود. وهو ما سيظهر بوضوح في نظرية ابن عربي لطبيعة اللغة المزدوجة ودلالتها.
تحريك الدلالة اللغوية
إذا كان المعتزلة رسخّوا مبدأ قياس الغائب على الشاهد فإن الغزالي يقلب هذا المبدأ إلى قياس الشاهد على الغائب. فالأصل عنده هو الروح والحقيقة هناك في عالم الملكوت، بينما المحاكاة في الصورة والمجاز هنا في عالمنا عالم الخيالات التي تشوش على الإنسان معرفة الحقيقة، وينتهي الأمر بوجود طريق واحد من الطريقين اللذين ذكرهما ابن عربي في الافتتاحية وهو طريق العبد إلى الرب. تحوَّل المجاز من أداة لغوية إلى تشويش للحقيقة وإخفاء لها، في نسق فكري يذكرنا بأسطورة أهل الكهف عند أفلاطون حيث يحتاج الإنسان إلى قوة خارجية توجهه إلى عالم الحقائق الأصلي، والغير موجود هنا عند الغزالي. يعتمد الغزالي في تحريك الدلالة على التوسيع والتضييق الدلالي لألفاظ اللغة إلى إنتاج مخادعة دلالية تنتهي إلى ترسيخ ثنائية النور/الظلمة حيث قام بنفي الإنسان والعالم في الظلمة بينما النور هو الله حيث عبارة الله نور السموات والأرض حقيقة لا مجاز.
لقد حاول الجميع قيادة مركبة المجاز في أحد الطريقين الذين أشار إليهما ابن عربي، لكن أيًا كان الطريق فلم تفلح أي محاولة في تجاوز الطبيعة المزدوجة للحقيقة الدينية، حتى ابن عربي الذي حاول جمع الطريقين واستيعاب الحقيقة الدينية كلها، لكنه اضطر للاحتفاظ بهذه الازدواجية وخصوصًا على مستوى الدلالة اللغوية. والسبب في ذلك كما يرى نصر أبوزيد هو ربط مركبة المجاز بقاطرة الدين والعقيدة، وعلى مستوى أشمل ربط الحياة بكل مستوياتها بعجلة الدين والعقيدة، وهو ربط حدث في لحظة تاريخية محددة من طرف قوى اجتماعية بعينها لاستغلاله في الصراع مع أطراف أخرى. وانتهى الأمر إلى تأبيد هذا الربط رغم أنه ليس من العقيدة في شئ. وفك هذا الارتباط هو الطريق لكسر هيمنة النصوص الدينية او من ينطقون عبرها.

القرآن، العالم بوصفه علامة
هنا يقدِّم نصر أبوزيد تحليلًا للنص القرآني بأدوات التحليل النصي، ويعتبر ذلك مغامرة في عالم الدراسات القرآنية من خلال علم السيميوطيقا -علم العلامات- لاستكشاف دلالات هذا النص في إطار سياقاته المتعددة.
يعتبر أبوزيد أن الشروح والتفسيرات التي تراكمت على النص القرآني حتى نهاية القرن الخامس الهجري أدت إلى تجميده، وصار في الوعي الإسلامي نصًا ثابتًا محاطًا بهذه الشروح من كل جانب حتى وإن كانت في معظمها لا تقدِّم جديدًا. أدى ذلك إلى رفض كل قراءة جديدة تحاول اختراق الطبقة المحيطة بالنص من الشروح والتفاسير للوصول إلى قراءة حديثة للنص، بل والهجوم على صاحبها.
لذا يحاول نصر أبوزيد هنا البداية مما بدأ منه السابقون من مقدمات واتفقوا عليه، ليضع منهجًا للتحليل ويصل إلى فرضيته الأساسية.
- تستمد لغة القرآن من اللسان العربي وخصوصّا في جزيرة العرب قبل الإسلام.
- النص القرآني أحدَّث تغييرًا في دلالات بعض الألفاظ من دلالتها الاصطلاحية إلى دلالتها الشرعية، كالصلاة والصوم.
- النتيجة: رغم أن لغة النص تستمد مرجعيتها من اللغة الأم، إلا أن لها نظام خاص يجب دراسته لاكتشاف ملامحه دون إهمال لعلاقتها بالأصل الذي تولدت منه.
- الفرضية: النظام الخاص للغة النص القرآني لا يقتصر على نقل الدلالات من المواضعة اللغوية إلى الاصطلاح الشرعي، بل يتجاوز ذلك لتأسيس نظام لغوي خاص حاول عبدالقاهر الجرجاني أن يكشف ملامحه تحت مسمى “النَظْم”، بحيث يربط بين اللغة وبنية النص، لكنه يفرق بينهما من حيث أنهما نمطين من أنماط الكلام.
من ناحية النص فإنه يقوم بعملية سمطقة للغة لتحولِها من وظيفة الإبلاغ إلى علامات تُحيل إلى معانٍ ودلالات معقولة. ودائمًا نجد النص يحفِّز المتلقي على التفكر والتدبر والتعقل ما يؤكد عملية التحويل من النظام اللغوي إلى النظام السيميوطيقي. وهي عملية فهمها الجرجاني عبر إنتاج الدلالة من خلال تحويل الدلالة الكلية الناتجة عن تفاعل الألفاظ والتراكيب إلى دلالة أخرى، أو العلاقة بين “المعنى” كناتج لغوي و”معنى المعنى” كصورة ذهنية أو علامة يُحيل إليها المعنى. أما من ناحية التلقي فإن القارئ للقرآن لا يتوقف عند العلامات ذاتها، بل ينتقل إلى ما تدل عليه من معقول، ويتجاوز مفهوم العلامة في القرآن حدود العالم والتاريخ إلى وحدات النص القرآني والأحكام التي جاء بها النص. فيصبح نظام العلامات في النص متعددًا ليستوعب نظام اللغة والقارئ في إطار النص القرآني، وتنمحي الفروق بين القراءة والتأمل، وبين النص والعالم، وبين النص والأحكام. ما أدى إلى سيطرة لغة النص على اللغة الأصل، وتحويل اللغة العربية إلى لغة دينية بامتياز عبر آليات يحوِّل النص بها العالم إلى مجموعة من العلامات الدالة، ويحاول أبوزيد هنا الكشف عن تلك الآليات.
يبدأ نصر أبوزيد من تتبع ثلاث مفردات لغوية هي “العلامة” و”العلم” و”العالم” لانتمائهم إلى جذر لغوي واحد هو “ع ل م”. حيث وردت كلمة “علامة” في القرآن مرة واحدة بصيغة الجمع، وفهمها المفسرون بمعنى الهداية المادية أثناء السير. أما الدال “عِلم” فورد متواترًا بمعنى المعرفة، بينما ورد مرة واحدة بمعنى العلامة في قوله “وَإِنَّهُ لَعلم لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ” واختلفت قراءة “لعلم” هنا بين فتح العين وكسرها، ليدل الفتح على العلامة والكسر على المعرفة، بينما الدال “عالم” فورد بصيغة الجمع دائمًا ومضاف إلى الدال “رب” ما يدل على محاولة تجاوز الجزئي إلى الكلي في الدلالة، وخضوعه للرب الذي أبدعه وخلقه.
يحاول نصر أبوزيد الربط بين عدة سور في القرآن الكريم ويبدأ بسورة “العلق“. ويرى أن هناك عملية تحريك دلالي داخلها بإضافة الدال “الرب” إلى ضمير المخاطب المفرد “الكاف”، وتكرار الفعل “خلق”، وحذف المفعول في “الذي خلق” هدفها تجاوز دلالة الخصوص إلى دلالة العموم، والانتقال من الدلالة في مستوى اللغة إلى الدلالة في مستوى النص لينقل الخطاب من مستوى المخاطب المفرد إلى مستوى المخاطب الإنسان عبر آليات خاصة بالنص. يبدأ أبوزيد من سورة العلق باعتبارها النص الافتتاحي في ترتيب النزول فتضمنت العلاقة بين العالم والعلامة من خلال الجمع بين الفعلين “خلق” و”علَّم” لينتقل إلى سور آخرى للتدليل على وجود هذه العلاقة المضمرة في بنية النص القرآني كله تقريبًا.
يتوازى ذلك مع افتتاحية سورة “الرحمن” حيث الله “علَّم القرآن” و”خلق الإنسان” و” علَّمه البيان”. وتكرار الآية “فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” ينقل الخطاب من الخصوص للعموم ومن الإضمار للإفصاح. ويرى أبوزيد أن استخدام ضمير المخاطب المثنى في “ربكما” يضبط البنية الإيقاعية للسورة مع اسمها وافتتاحيتها وهي بنية لا تختلف إلا في آيتين هما “خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ” وهو اختلاف غير مؤثر لأن صوت الألف الممدوة يسيطر على الراء خاصةً مع الوقوف. وفي حين حاول المفسرون تفسير استخدام ضمير المخاطب المثنى بالرجوع إلى لغة العرب، يستمر أبوزيد في منهجه في البحث عن التفسير داخل بنية النص ولغته فيرى أن الخطاب موجَّه إلى أهل مكة، لكنه يسمو عن سياقه التاريخي الراهن لمخاطبة متلقٍ كلي مطلق. ويعتبر أبوزيد أن تكرار السؤال “فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” بين كل نعمة وآخرى حتى الفناء هو توجيه للمتلقي بعدم الاستغراق والانشغال بالنعم ذاتها، بقدر الانشغال بكون هذه النعم علامات وآيات على وجود الخالق الذي لا يفنى.
ثم ينتقل إلى سورة “القمر” التي أدمجت التكذيب برسالة محمد في سياق تاريخي كلي هو تاريخ الصراع بين الإيمان والكفر، لتتحول الأحداث التاريخية إلى علامات دالة. وتتشابه سورة القمر مع سورة الرحمن في الإيقاع والاعتماد على العبارات القصيرة والتكرار وإن كان بشكل أقل ظهورًا حيث تتكرر آية “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” إلى جانب تكرار الفاصلة “فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ”. تقدِّم سورة القمر بيان لعاقبة التكذيب الذي تكررت الإشارة إليه على سبيل الاستنكار في سورة الرحمن بالإسهاب في إبراز صور العقاب الدنيوي والأخروي.
تبدأ سورة القمر بآية كونية هي انشقاق القمر وتربطها بقصص الأنبياء السابقة وتكذب أقوامهم للآيات لتدل على هذا الصراع المستمر بين الإيمان والكفر. وعقب كل قصة تنتهي بالتكذيب تأتي الآية “وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ” لتدل على وحدة العلامات/الأيات التي بالوصول إلى دلالتها يأتي الخلاص من مصير الأمم السابقة.
في سورة “النحل” تتصاعد لهجة الوعيد إلى درجة استخدام صيغة الماضي في افتتاحيتها “أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ” ما أدى إلى حالة من الارتباك والتوتر يُزيد من حدتها غموض دلالة كلمة “أمر” ومرجعية ضمير الهاء في “تستعجلوه”، هل هي على اسم الجلالة أم على “الأمر” خاصة في وجود السياق التركيبي “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ” الذي يجعل اسم الجلالة هو مركز الدلالة ما يجعل عودة الضمير عليه محتملة. ثم يتوالى ذكر الآيات/العلامات الكونية الدالة على الله الواحد، وهو ما يتكرر في كثير من سور القرآن وهو ما يحاول نصر أبوزيد تحليله عبر التركيز على ثلاثة مستويات من العلامات.
خلق السموات والأرض
في السورة نجد مقارنة بين خلق السموات والأرض “بالحق” وبين خلق الإنسان من “نطفة”، وتكون الفاصلة في خلق السموات والأرض “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ” والفاصلة في خلق الإنسان “فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ”. التعارض هنا أن الإنسان المخلوق من مادة بسيطة يخاصم ربه ويعانده ويجحد بآياته، بينما خلق السموات والأرض وما يحيط به من عظمة يدل على التنزيه والتوحيد. وهو ما نجده في سورة غافر في الأية “لخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”. لكن ما دلالة “الحق” الذي خُلقت به السموات والأرض وهو التعبير الذي جاء في العديد من آيات القرآن؟
دخول الباء والألف واللام يدل على أن الحق هنا ليست وصفًا للخلق -كما قال البعض- لكنها تحديد للمعنى الذي به تم الخلق. وهناك تأويل أخر بأن الحق هنا تعني الكلام الإلهي أي الأمر “كُن” وهو تأويل يفصل “الحق” عن “الخلق” بجعله عِلة له.
خلق الإنسان
إلى جانب هذه المقارنة بين خلق السموات والأرض وخلق الإنسان لإبراز جحود الإنسان المخلوق من نطفة، هناك سياقات أخرى يتم فيها الإعلاء من قيمة خلق الإنسان -وآدم بصورة خاصة- مقارنةً بباقي المخلوقات. يبدأ خلق الإنسان من الطين -وهو خلق آدم- ثم تتسلسل عملية الخلق كما ورد في سورة المؤمنون عن طريق المضغة فالعلقة فالعظام حتى يكسوها اللحم. كان لخلق آدم من الطين أثره في اعتبار الإنسان “العالَم الصغير” عند المتصوفة، وأدى تعدد وصف “الطين” في آيات القرآن إلى محاولة الطبري جمع تلك الأوصاف في نسيج دلالي واحد ليعتبر أن جسم آدم خُلق من المواد الطبيعية الأربعة: التراب والماء والهواء والنار ما أدى إلى الربط بين آدم والطبيعة على أساس من التماثل، وأسس لمفهوم “الإنسان الكبير” للدلالة على العالم في مواجهة “العالَم الصغير” وهو الإنسان. ويكتسب الإنسان في مواجهة باقي المخلوقات ميزة أن الله صنعه بيده، ورغم الخلاف حول “اليد” هنا بين الحرفية والمجاز، إلا أن ما شاع هو التأويل الحرفي، إلى جانب الكثير من الآيات حول تسخير كل شئ في العالم له. وفي تصور ابن عربي يكون الإنسان الكامل هو الحق الذي به خُلقت السماوات والأرض وكلا من الإنسان والعالم لهما أصل واحد وهو الكلمة لكنها ليست مجرد حدود الأمر الإلهي “كُن” بل هي الحقيقة المحمدية أو حقيقة الحقائق الكلية.
الكلمة: القرآن والوجود
يحوِّل القرآن كل ما يدركه الإنسان إلى كلمات غير ملفوظة أو علامات دالة، فالجبال والشمس والقمر والنجوم كلها علامات تدل على الخالق. ويظهر ذلك بوضوح في قصة إبراهيم الخليل حيث ينتقل من علامة إلى علامة ويهبط بها من مقام الألوهية إلى كونها علامة دالة على الإله الذي لا تدركه الأبصار. إنها رحلة معرفية لاستكشاف للعلامات، نجدها في الفكر الإسلامي في قصة “حي بن يقظان”. يعتبر نصر أبوزيد القرآن وكأنه وضع بذور فكرة الكون كنص وجودي إلى جانب القرآن كنص لغوي باستخدامه للفواصل “أفلا تسمعون” و”أفلا تبصرون” و”لعلكم تشكرون” وكأن هناك وحدة دلالة تجمعهما. وقد ظهر الوعي بذلك مع المعتزلة من خلال مفهوم القصد والمبادئ العقلية التي يمكن الوصول إليها بالعقل وحده من خلال تأمل العالم باعتباره منظومة من العلامات تشير إلى الخالق. والقصد عند المعتزلة لا يمكن الوصول إليه بالنص وحده دون معرفة مسبقة بأدلة العقل، فما الذي يمنع الكاذب من القول بأنه صادق؟
العقل عند المعتزلة قادر على الوصول وحده إلى الكليات -العدل والتوحيد على مستوى الفكر والمحكم على مستوى النص الديني- بدلالة العالم الذاتية، في حين دلالة الوحي على الكليات هي على سبيل اللطف، أما المتشابه في النص والذي يتم فهمه برده إلى المحكم فهو يهدف إلى إثارة الانتباه ودعوة العقل إلى تأمل العالم للوصول إلى النص، بينما يستقل النص بالدلالة في مجال العبادات، كيفيتها ومواقيتها، والأحكام الشرعية التي ركّز عليها علماء الأصول والفقه. يستخدم العقل دليلًا نظريًا ناتج عن النظر في الموجودات واستنباط دلالتها، فيتحول العالم إلى سلسلة من العلامات الدالة ليصوغ المعتزلة قواعدهم الضرورية التي اعتبروها من كمال العقل.
ثم يأتي ابن رشد ليربط بين العالم والبرهان، فالفلسفة عنده هي النظر في الموجودات كعلامات للاستدلال على الصانع، ومهمة الفلسفة هي فك شفرة هذه العلامات عبر الربط بين المعرفة الفلسفية وهي تأمل الآيات في العالم بالبرهان، والمعرفة الدينية وهي فهم الآيات اللغوية في القرآن. وهو ما مهّد الطريق أمام ابن عربي ليجعل العالم نصًا مسطورًا في الوجود والقرآن عالمًا مسطورًا بين دفتي المصحف. تلتقي منظومة ابن عربي مع منظومة ابن رشد فقط في جزئية دلالة القرآن على النظر في العالم. وبينما يؤوله ابن رشد على أنه النظر البرهاني لجعل المعرفة البرهانية جزء من وحدة النص، يؤوله ابن عربي في إطار نظريته عن وحدة الوجود. ويتفق ابن رشد مع المعتزلة في اعتبار المجاز أداة التأويل مع موقف أقل تشددًا فيما يتعلق بأسبقية المعرفة العقلية على المعرفة الدينية. التأويل عند ابن رشد ضرورة لأن الخطاب الشرعي مُوجَّه إلى الناس كافة باختلاف طبائعهم، فمنهم من يصدِّق بالبرهان ومنهم من يصدِّق بالأقاويل الجدالية ومنهم من يصدِّق بالأقاويل الخطابية، وهي ما يدل عليه قوله تعالى “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ”. فكان تعدد آفاق المخاطبين يستلزم التأويل لدرء التعارض مع البرهان الذي هو المعرفة اليقينية التي تتجاوز المتغير إلى الثابت وتتعلق بالجوهر لا بالأعراض. والواضح هنا أن ابن رشد يتعامل مع النص على أنه خطاب.
واجه ابن رشد في اعتماده على القياس العقلي نفس ما واجهه نصر حامد أبوزيد من معارضة في اعتماده على مناهج العلم المعاصر مثل الهرمنيوطيقا -علم التأويل- والسيميوطيقا -علم العلامات- وعلم تحليل الخطاب، حيث هي ليست من علوم العرب وتحمل بصمات معتقدات أخرى، وأن التعاطي بها يؤدي إلى التشكيك في العقيدة الواضحة التي لا تحتاج كل هذه التعقيدات. ويدافع ابن رشد عن “المعرفة الحقة” بأن لابد من متابعة المتأخر للمتقدم فيما أنجزه، وأن مناهج المعرفة وأدواتها لا ترتبط بدين أو عِرق طالما توفرت فيها شروط الصحة. ويعتبر ابن رشد أن الغواية يمكن أن توجد في كل المجالات المعرفية، ولا يمكن لذلك أن يلغي مجالاً معرفيًا ما من باب سد الذرائع. وهو هنا يكاد يقلب المبدأ الفقهي الشهير الذي يعتبر أن “درأ المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح” ليجعل “جلب المصالح مُقدَّم على درأ المفاسد العارضة”. وبهذا يصبح التعارض بين العلم/العالم والدين/النص محض وهم سببه قصور في فهم دلالة الخطاب أو عجز عن التأويل ناتج عند ابن رشد عن عدم تصفح كل جزئيات الخطاب الإلهي تصفحًا دقيقًا.
ويمتد الدال “آية” للدلالة على الحدود والأحكام التي شرعها الله في القرآن. يقول الله في سورة النور “سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” وهي سورة مليئة بالأحكام والتشريعات، كما يقول في سورة البقرة في سياق أحكام الصيام “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ”. وهو ما يدل على أن الأحكام والتشريعات تدخل في نطاق كون العالم علامة. إن النص يقوم بسمطقة اللغة أي تحويلها إلى علامات في محاولة لامتلاك وعي المُتلقي ولذلك نجد الإحالة الدائمة إلى التفكر والتعقل والتدبر والتذكر وصولًا إلى الشكر والتقوى، فتحولت اللغة إلى الهامش بالنسبة إلى اللغة الدينية التي حولت دلالتها إلى نسق فرعي في بنائها الدلالي. والأزمة هي أن الوعي الإسلامي توقف عند الدلالة التي أنتجها منذ عشرة قرون وأهمل النظر في العلامة التي يمكن منه إنتاج العلم والمعرفة والمشاركة في صنع الحضارة.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد