في مطبخ نصر أبوزيد… هكذا تكلم ابن عربي (٢)

280709377_5758375077522788_4038074696299373968_n2 في مطبخ نصر أبوزيد... هكذا تكلم ابن عربي (٢)

يشير نصر أبوزيد إلى أن أهم ما يميز فكر ابن عربي هو أنك إذا بدأت من أي نقطة فيه، ستجدها تحيلك إلى نظامه الفكري كله؛ لأنه أشبه بدائرة مماثلة لبنية الوجود عنده. وكل نقطة على محيط تلك الدائرة يمكن أن تكون البداية كما يمكن أن تكون النهاية. التصور الدائري للوجود يجعل صدور الكثرة عن الواحد أمر منطقي دون تعارض، وتكون بنية العالم روحية في حقيقتها وجوهرها من خلال التجلي، ويُسقِط مفهوم الزمن الخطي لصالح مفهوم الزمن الكوني أو الإلهي.

هناك ثلاثة عناصر هامة في تفسير ابن عربي لنشأة الوجود وهي:

  • مفهوم التجلي الأسمائي حيث تمثل الأسماء الإلهية وسيطًا بين الذات الإلهية والعالم، تبطن الذات فلا يلحق بها أي معرفة سوى وجودها، وتتجلى الأسماء في العالم مانحة إياه الوجود، ومظهرة فعالية الذات فيه. وهي نظرية أفادها ابن عربي من التراث الصوفي السابق عليه، وخصوصًا تراث أبي القاسم بن قسي الصوفي الأندلسي.
  • مفهوم التجلي في النفس الإلهي وهو الذي يمثل محور نظرية الكلمة عند ابن عربي.
  • مفهوم النكاح والتوالد.

وفق نظرية التجلي الأسمائي ينبني الوجود على نظرية الإظهار -وليس الإيجاد- من حالة العدم إلى حالة أخرى. العدم هنا هو حالة تكون فيها الأشياء مستعدة لتلقي الأمر الإلهي بالظهور، وهو ما يُعرف بالأعيان الثابتة في العدم. في تصور ابن عربي لنشأة الوجود -الذي يصفه نصر أبوزيد بأنه مغرِ لمن يبحث عن تكفير الشيخ- كان الوجود علاقة مشاركة بين الأسماء الإلهية والعالم، فبدون ظهور أعيان الممكنات من العدم، لا تتحقق للأسماء الإلهية فاعليتها. وبدون هذه الفاعلية لا يمكن أن تظهر الممكنات من حالة العدم إلى حالة الوجود. إنهما مرتبتان متلازمتان ويمثلان للذات الإلهية ممكنات وجودية. الجميل هنا أنها علاقة بين طرفين. لطالما كان السؤال المتكرر في المدرسة هو لماذا خلقنا الله؟ وتكون الإجابة المكررة هي عبادة الله وعمارة الأرض، لكن ما كان يأتي في ذهني هو “حسنًا، لكن لماذا خلقنا الله؟” فالإجابة الكلاسيكية ليست مرتبطة فقط بالصغار في المدرسة، لكنها الإجابة المعتمدة لكل الفئات العمرية، رغم أنها تجيب من جانب واحد فقط وهو جانب المخلوقات، لكن ماذا عن الخالق؟ يحاول ابن عربي الإجابة بأنه شوق الذات الإلهية لرؤية ذاتها في صورة غير ذاتها، أو أن تُعرَف خارج إطار ذاتيتها. يصوِّر ابن عربي القصة على أن الممكنات طلبت من الأسماء الظهور، فاجتمعت الأسماء وتشاورت ثم طلبت الإذن من الاسم الجامع “الله”، الذي طلب الإذن من الذات الإلهية، حتى ظهر الممكن الأول من الممكنات. يتحدث نصر أبوزيد عن مراتب التجليات الوجودية في النفس الإلهي كما يراها ابن عربي وكما ذكرها في كتابه فلسفة التأويل، لذلك سوف أختصر الحديث عنها هنا.

أحبت الذات أن تُعرف، فتنفست ونتج العماء، وتكوّنت حروف الوجود، ثم كلماته، ثم مراتبه الأساسية حتى أمكن ظهور الموجودات. ومن هنا نشأ الوجود عند ابن عربي على أساسين: الحب والرحمة، وهو ما يفسر أن مآل الوجود عند ابن عربي إلى الرحمة، التي منها بدأ. النَفس الإلهي هو البرزخ، وهو الذي يقسِّم الوجود إلى أربعة مستويات، يتفرع كل مستوى منها إلى أربعة مستويات فرعية متداخلة، بحيث يكون المستوى الفرعي الرابع في مستوى رئيسي هو المستوى الفرعي الأول في المستوى الرئيسي التالي، وكل مستوى يكون له وجهان: ظاهر يقابل المستوى الذي يسبقه، وباطن يقابل المستوى الذي يليه.

المستوى الأول هو البرزخ الأعلى أو برزخ البرازخ وهو تعبير معرفي عن الذات الإلهية في وحدتها المطلقة، ويتضمن أربعة مستويات:

  • الألوهة وهي مجموع الأسماء الإلهية الفاعلة في العالم.
  • العماء/الأعيان الثابتة في العدم وهو وسيط عالم الإمكان.
  • حقيقة الحقائق الكلية وهي الحقائق الكلية المعقولة.
  • الحقيقة المحمدية/الإنسان الكامل وهي الوسيط بين الذات الإلهية والإنسان.

المستوى الثاني هو عالم الأمر/العقول الكلية وابتداء منه نجد مفهوم النكاح والتوالد لإنتاج مستويات وجود جديدة. وهو يتضمن أربع مستويات:

  • العقل الأول/القلم الأعلى وهو همزة الوصل بين المستوى الأول/الخيال المطلق والمستوى الثاني/عالم الأمر.
  • النفس الكلية/اللوح المحفوظ أول منبعث من مرتبة العقل/القلم.
  • الطبيعة الكلية/الهباء ثمرة نكاح القلم والنفس الكلية.
  • الجوهر الهبائي/ الهيولي الكل.

المستوى الثالث هو عالم الخلق ويتكون من أربعة مراتب:

  • الجسم الكلي/العرش هو همزة الوصل بين المستوى الثاني والثالث، وأول عالم الوجود الروحي الذي يحيط بجميع الموجودات.
  • الكرسي وهو بداية عالم التعدد في عالم الروحانيات وهو تعدد بمعنى الانقسام من حيث الكرسي هو موضع القدمين.
  • الفلك الأطلس/فلك البروج فيه تتحول الثنائية إلى تعدد ممثل في البروج الاثنى عشر. وهو علة التغيرات التي تحدث في عالم الكون والاستحالة على المستويين الطبيعي والروحي.
  • فلك الكواكب الثابتة/كوكب المنازل فيه يتحول المُضمر إلى مُعلن في الأمر الإلهي، من حيث صلته بعالم الكون والاستحالة.

المستوى الرابع هو هو عالم الشهادة/الكون والاستحالة ويتكون من أربعة مراتب:

  • الأفلاك السبعة المتحركة ويتوسطها فلك الشمس، وتسبب حركتها التغير في العالم المشهود لنا. وتظهر أرواح بعض الأنبياء في كل فلك منها.
  • العناصر الطبيعية الأربعة من ماء وهواء ونار وتراب، ومنها تشكلت أجسام الكواكب.
  • مراتب الموجودات الأصلية: معدن ونبات وحيوان، وهي مرتبة الحياة.
  • مراتب كل الموجودات الحية من ملك وجن وإنسان ثم مرتبة المرتبة التي على أساسها ترتبت المراتب كلها.

يقابل كل مرتبة من مراتب الوجود حرف من حروف اللغة، والموجودات العينية تتكون من تآلف بعض هذه المراتب، لتتوازى مع كلمات اللغة. وبما أن الموجودات كلمات الله لأنها ناتجة عن الأمر الإلهي “كُن”، وكلام الله مُحدث وقديم معًا، فالموجودات/الكلمات لها وجه إلى القدم من حيث وجودها في العلم الإلهي الأزلي، ووجه إلى الحدوث من حيث الظهور في صور أعيان الموجودات.

1000040643-820x1024 في مطبخ نصر أبوزيد... هكذا تكلم ابن عربي (٢)

الإنسان كلمة الله

تعد مرتبة الإنسان هي المرتبة الأخيرة في مراتب الوجود -قبل مرتبة المرتبة- لكنه أول الموجودات من حيث القصد الإلهي. وهنا يمكن أن نقول أن الإنسان باعتباره كلمة الله له جانبان: ظاهر يجمع فيه كل مراتب الوجود من أرقاها -القلم- إلى أدناها -الحيوانية، وباطن هو حقيقته الروحية المستمدة من عالم الألوهة. إنه عالم صغير بينما العالم إنسان كبير، وكلاهما يمثل الألوهة في كثرة الأسماء والصفات وجمعيتها. العالم هو المرآة التي أرادت الذات الإلهية أن ترى فيها نفسها، لكنها مرآة غير مجلوة بدون وجود الإنسان. الإنسان هو روح العالم الذي بدونه لا يكون موازيًا لحقائق الألوهة. وهنا يتحدث ابن عربي عن تشابه وليس تطابق، فالعالم والإنسان صور ومرايا لحقيقة واحدة، تعكس الأصل بحسب طبيعتها، وليست هي الأصل. والإنسان هنا هو الإنسان الكامل الذي يُعد آدم أول مجلى له، والأنبياء والعارفين تجليات مختلفة لحقيقته الروحية. التجليات الإلهية هي علة ظهور أعيان الموجودات، فعن طريقها توجد المعرفة في قلب المؤمن بعد أن يُصفّي قلبه بالانصراف عن كل ما سوى الله. وتتحقق المعرفة الكاملة بعد رحلة قلب العارف التي ينفذ فيها من ظاهره/ظاهر الوجود إلى باطنه/باطن الوجود.

إذن التجليات الإلهية نوعان: وجودي بالظهور في أعيان صور الممكنات، ومعرفي على قلوب العباد بعد قيامهم برحلة في اتجاه معاكس لاتجاه التجلي الوجودي الذي يبدأ في برزخ البرازخ ليصل إلى عالم الكون والاستحالة، بينما التجلي المعرفي يبدأ من عالم الكون والاستحالة ليصل إلى برزخ البرازخ. التجلي المعرفي هو نهاية رحلة معراج يصعد فيها العارف للوصول إلى حالة الفناء، فيتيقظ من الغفلة التي يعيشها الإنسان العادي. يقظة من الحياة في عالم الصور، صور أشبه بالصور التي يراها النائم. الناس نيام، وإذا ماتوا انتبهوا، سواء بالموت الاختياري/الفناء أو الموت الأبدي. وما يراه الإنسان في نومه يصبح رؤيا رموزها تحتاج تأويل، أي أن الوجود يحتاج إلى تأويل معناه ودلالته من حيث هو صور وكلمات دالة على مدلول كامن وراءها. وهذا التأويل يختص الله به العارفين.

تأويل القرآن، كلام الله في الوجود

القرآن عند ابن عربي هو الوجود المتجلي من خلال اللغة، هو ترجمة للبيان الذي علمه الرحمن للإنسان حين خلقه. نزل به الروح الأمين على قلب محمد، الذي بلّغه للبشر فتحول إلى حروف وأصوات على أسماعهم، ويتجدد نزوله على قلوب العارفين الذين يقومون بإبلاغه للبشر. هذا التجدد في النزول مرتبط بتجدد المعنى والدلالة. وهو مثل الإنسان والعالم له جانب باطن هو نزوله على قلب النبي وتجدد نزوله على قلوب العارفين، وجانب ظاهر هو تلاوته باللسان. هذه التفرقة بين باطن وظاهر القرآن تمكِّن ابن عربي من حل معضلة قِدم القرآن وحدوثه، فالقرآن كالوجود والإنسان جامع للحدوث والقِدم والظاهر والباطن فاجتمعت فيه الحقائق الإلهية والكونية.

يقوم البناء الدلالي للقرآن على أربعة مستويات كما هو الوجود، فيتكون القرآن من ظاهر وباطن وحد ومطلع، وهو ما ينطبق على كل الموجودات. الظاهر هو ما ندركه بحواسنا، والباطن هو الروح المُمسكة بالصور الحسية، والحد هو ما يميز الموجود عن غيره من الموجودات، والمطلع هو غاية الموجود ونهايته. من هذا المنطلق لا يصبح القرآن مجرد نص لغوي تاريخي تتحدد دلالته وفقًا لقواعد اللغة العربية، فاللغة مجرد مظهر ومجلى للغة الإلهية. فلا يكون الأهم عند العارف فهم كلام الله من خلال ظاهر اللغة، بل فهمه من خلال فهم النفس وفهم الوجود من حيث هما كلمات الله أيضًا. التأويل عند ابن عربي ليس تأويلًا لغويًا، بل هو النفاذ عبر ألغاز ورموز النص التي تحجب دلالته المختفية خلف الظاهر اللغوي. وهنا يجب الإشارة إلى أن ابن عربي لم يستخدم مصطلح التأويل فيما يتعلق بالقرآن، ربما لما لحق به من سمعة سلبية نتيجة الصراع الفكري والسياسي، لكن توظيفه في فكر ابن عربي يستمد مشروعيته من حقيقة أن ابن عربي يرى الوجود كله خيالات ورؤى تشبه ما يراها النائم في نومه. فلا سبيل إلى النفاذ من الوجود الصوري الذي يحجب الأسماء الإلهية إلا بالتأويل، للوصول إلى الحقائق المحتجبة خلفه. وفي الفصل الأخير يتناول نصر أبوزيد قضية تأويلية لم يتناولها في بحثه “فلسفة التأويل” وهي قضية تأويل الشريعة.

1000041430-200x300 في مطبخ نصر أبوزيد... هكذا تكلم ابن عربي (٢)

تأويل الشريعة، جدلية الظاهر والباطن

الشريعة هنا هي القوانين والأحكام المشتقة من المصادر الأساسية لتنظيم حياة الفرد المسلم والجماعة المسلمة في مجال الشعائر والعبادات أو مجال المعاملات والعلاقات الاجتماعية، وليس مُجمل النظام الإسلامي الجامع بين العقيدة والقوانين. فقد حرص القرآن على إبراز وحدة العقيدة في الأديان من جهة، واختلاف شرائعها حسب خصوصية الزمان والمكان من جهة أخرى. اتسعت دائرة الخلاص الديني لتشمل أصحاب الأديان جميعًا، فالدين هو الإيمان بالله واليوم الآخر إلى جانب العمل الصالح. ومقابل وحدة الدين، كان لكل أمة شرعة ومنهاج. وعلى هذه المبادئ القرآنية أسس ابن عربي خطابه. يفصل ابن عربي بين التجربة الروحية والإيمان بالشرائع. فالمجاهدات الروحية يمكن أن تقوم على غير شريعة مُنزَلة، وتظل مجاهدات مشروعة قادرة على الوصول على درجة من العرفان ربما تكون أقل منها إذا بُنيت على شريعة منزلة، لكن هذا لا ينفي محاولة المتصوفة التمييز بين تجاربهم المبنية على أساس شرعي وتلك المؤسَسة على معرفة عقلية أو شرائع أخرى كالرهبنة، مع عدم إدانة أيًا منها.

الشريعة كالوجود لها ظاهر وباطن. ظاهرها بنية تعبيرية لغوية تاريخية متغيرة، لكنها ثابتة من حيث الباطن. والمتصوفة العارفون يجمعون بين الظاهر والباطن، في حين انشغل عامة الناس بمعرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها على ظواهرهم.

فالباطن يصحح الظاهر، والظاهر يجعل الوصول إلى الباطن أقل صعوبة. ما يميز أهل الله/المتصوفة عن علماء الرسوم/الفقهاء هو الحيرة المعرفية والعجز عن ادعاء اليقين، ما يجعلهم لا يجنحون إلى تكفير المخالف ومحاكمته. فالحقيقة تتغير وتتشكل باختلاف التجليات الإلهية، ولا يدرك ذلك الفقهاء الذين يقفون عند الظاهر، ويزعمون امتلاك الحقيقة، ما يُفضي إلى التعصب والإرهاب المعنوي والمادي، الذي تجلى في محاكمات الحلاج والسهروردي. لا يمكن تصور أن غاية الخطاب الإلهي هي أداء الشعائر والأحكام دون أن ينعكس ذلك على الباطن الروحي، فتكتمل الدائرة التي تصل الظاهر بالباطن.

تمثل الشريعة في فكر ابن عربي ميزان اعتدال الكون، فالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاد أعيان الممكنات تتضمن في طبيعتها عناصر الاختلاف التي انعكست في بنية الوجود الظاهر. وهو اختلاف قد يُفضي للنزاع ما يهدد باختلال نظام الكون. وهو ما يؤسس الحاجة إلى تشريع ينظم العلاقات ويضبط الأمور. هذا الميزان ككل مرتبة في نسق ابن عربي لديها جانبان: باطن وظاهر، ثابت ومتغير. الثابت هو الأصول التي اتفقت عليها كل الشرائع المُنزَّلة من عند الله، والمتغير هو ما اختلف من التفاصيل والأحكام بفعل متغيرات الزمان والمكان. بل يعتبر ابن عربي أن الشرائع الوضعية هي في حقيقتها إلهام من الله، فكل ما في الوجود يتعلق باسم إلهي. ويمكن تفسير اختلاف الشرائع باختلاف النسب الإلهية، التي أدت لاختلاف أحوال الخلق بسبب اختلاف الأزمان.

اختلاف الأزمان أدى لاختلاف الحركات الفلكية، واختلاف الحركات أدى لاختلاف التوجهات الإلهية عليها بسبب اختلاف مقاصد تلك الحركات. واختلاف المقاصد سببه اختلاف التجليات، فالناس “في لبس من خلق جديد”. اختلاف التجليات سببه اختلاف الشرائع، فإن كل شريعة طريق موصلة إليه. إنها دائرة الوجود حيث تقودنا كل نقطة إلى النقطة التي تليها، وتكون المقدمة نتيجة، والنتيجة مقدمة، بلا تعارض. لا ينفصل تأويل الشريعة عند ابن عربي عن تصوراته للوجود والإنسان والمعرفة.

وجوديًا يربط ابن عربي بين أصول الشريعة الأربعة من قرآن وسُنة وإجماع وقياس وبين الحقائق الإلهية من الحياة والعلم والقدرة والإرادة. ويناقش ابن عربي الأصول الأربعة مضيفًا إليها بُعدًا عرفانيًا. فالقرآن ليس مجرد كلام الله الذي نزل على الرسول باللغة العربية، بل يتضمن سر ما يمنحه الله للعبد بلا واسطة. وإلى جانب التشريعات النصية يتضمن تشريعات قلبية، وكأن قلب المؤمن له قدرة على التشريع، “استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون”. أما السُنة فهي في تعريف الأصوليين أقوال وأفعال النبي وتقريراته، أما عند ابن عربي فسِر السُنة يعود إلى الأصل اللغوي “الصراط” أو “الطريق”. للرب طريق وللعبد طريق، والسُنة هي طريق العبد للوصول إلى الله، بينما القرآن هو طريق نزول الله إلى العبد. ويلتقي الطريقان لأنهما في الحقيقة طريق واحد. الإجماع بالمعنى الصوفي هو الجمع بين العبد وربه، أو هو مجمع الطريقين السابق ذكرهما. أما ظاهر الإجماع فيحصره ابن عربي في إجماع الصحابة، ولا يقول بإجماع الفقهاء. وأخيرًا يأتي القياس الذي يرفض الظاهرية حجيته ومعهم ابن عربي، لكن الظاهرية يحرمونه تحريمًا تامًا، بينما يكتفي ابن عربي بعدم الأخذ به. ويقصر ابن عربي القياس على المتصوفة العارفين لأنهم يمكنهم اكتشاف علة الحكم الشرعي المنصوص عليه، وإسقاطه على وقائع لم يرد فيها نص، ما يستلزم اتصالًا مباشرًا بالمُشرِّع. وأما سر القياس عند مثبته كما يورده ابن عربي فهو ظهور الرب بصفة العبد، وظهور العبد بصفة الرب. ربما لغياب الأمر المباشر من الرب، ما أدى إلى اضطلاع العبد بعملية استدلال للوصول إلى أمر يربطه بالرب، رغم تقليل ذلك لمساحة المباح في حياة العباد.

يطرح ابن عربي تصورًا للإسلام على أنه بيت، بابه من مصراعين هما الشهادتين، وأركانه الصلاة والزكاة والصوم والحج. يميِّز ابن عربي بين العلم بالتوحيد وبين التلفظ به، فالعلم بالتوحيد تجربة روحية تخترق ظاهر الوجود إلى باطنه، لا تتوقف على إرسال الرسل والأنبياء. أما التلفظ بالتوحيد فهو أمر دنيوي يعصم من محاربة غير المؤمن. وفي يوم الحساب العِبرة تكون بتوحيد العلم لا توحيد التلفظ. الطهارة هي مدخل كل عبادة، ومن المتوقع أن يميز ابن عربي بين الطهارة الحسية -الاغتسال والوضوء- وبين دلالة الطهارة المعنوية من طهارة النفس من الأخلاق المذمومة، وطهارة العقل من الأفكار الدنِسة، وكل عضو من أعضاء الإنسان له طهارة، لأنها ستشهد عليه يوم القيامة. الصلاة هي مخ العبادة. وبالإضافة إلى المعنى الاصطلاحي للصلاة، يعدِد ابن عربي معاني أخرى للصلاة قرآنيًا، فحين تُضاف إلى الله، تعني الرحمة. وحين تُضاف إلى الملائكة، تعنى طلب الرحمة. وحين تُضاف إلى كل ما سوى الله، تعني التسبيح الكوني. وصلاة الله هي رحمته الكونية بنقل الممكنات من من حالة العدم إلى حالة الوجود. ومن شروط صحة الصلاة إلى جانب الطهارة ضرورة ستر العورة. وثمة اعتباران لستر العورة، الستر العام وهو ستر السر الإلهي كنوع من الاحترام، والستر الخاص هو ستر المناجاة بين العبد وربه. وعند المرأة يكون لستر العورة بعدًا أخر، فمع اختلاف الفقهاء في تحديد عورة المرأة، يرى ابن عربي أن عورة المرأة هي السوءتان فقط مثل الرجل، وإن كان يرى أن المرأة مأمورة بالستر، لكن ليس لكونها عورة، ولكن لوجود حكم شرعي بالستر. وهذا الحكم لا يشمل الوجه لأنه محل العلم، ولا اليدين لأنهما محل العطاء، ولا القدمين لأنهما يحملان الجسد ويحركانه. كما يقول ابن عربي بجواز إمامة المرأة في الصلاة على الإطلاق بالرجال والنساء، لان القول بالمنع لا دليل له. وهو موقف متقدم من ابن عربي مقارنة بالمواقف الموجودة في عصره، لكن ذلك لا يجب أن يوهمنا أن ابن عربي يقول بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة. فلا يمكن أن نتوقع من ابن عربي تخطي كل المحرمات الاجتماعية في عصره وثقافته.

الزكاة: العدل الاجتماعي والعدل الكوني

قضية الفقر هي من أهم القضايا التي تعامل معها القرآن. وقد تجاوز في تعامله معها مستوى الحض على الصدقة والإحسان إلى فرض نصيب من مال الأغنياء يُعطى للفقراء بوصفه عبادة واجبة كالصلاة. وكما أن الصلاة تطهير للروح، كانت الزكاة تطهيرًا للنفس. المال في القرآن عند ابن عربي هو مال الله، استخلف عليه الإنسان. ويمكن القول أن الإسلام ضد تداول المال بين الأغنياء فقط، بل يحض على توزيع الثروة توزيعًا عادلًا لا يبخس حق المجتهد ولا يكافئ الكسالى، لكنه يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة لكل إنسان، بصرف النظر عن الدين.

الصوم

الصيام هو تشبُّه بالله من حيث هو امتناع اختياري عن الشهوات. ويرى ابن عربي أن صوم يوم وإفطار يوم كصيام النبي داود، هو جمع لما هو لله وما هو للإنسان، وتأكيد على بشرية الأنبياء.

الحج

يوازي ابن عربي بين الكعبة وقلب المؤمن. وكما يطوف حول الكعبة الصالح والطالح، فيمكن أن تطوف حول قلب المؤمن الخواطر الخيّرة والشريرة، بينما يوازي بين عرش الرحمن الذي لا تطوف حوله سوى الملائكة، وقلب العارف الذي أصبح نقيًا من أي خواطر شريرة. وهو بذلك يعتبر قلب العارف أشرف من الكعبة وأعلى مقامًا. ويرى نصر أبوزيد أن هناك سؤال يحوم ابن عربي حوله دون طرحه بوضوح. وهو هل الحج وقف على المسلمين ففط؟ بما أن الدعوة كانت في الأصل لإبراهيم أن يؤذن بالحج في الناس، فلماذا لا تكون الدعوة للناس جميعًا؟

يقدِّم ابن عربي تحليله لمفهوم الإسلام العام والإسلام الخاص، إلى جانب نفيه وجود الكفر في العالم، فالمشرك لا يعبد في الحقيقة سوى الله. وأن الحج مطلوب من كل مسلِم، وما في الكون إلا مسلِم. إنها نفس الدائرة التي ندور فيها مع ابن عربي. الشريعة هي ميزان الوجود، لها مثله ظاهر وباطن. بالعمل بها تنكشف الحُجُب وتتجلى الحقيقة ويظهر المعنى، معنى الوجود والحياة، معنى الدين والإسلام الذي يشمل كل البشر.

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات