في مطبخ نصر حامد أبوزيد… ماذا وجدت بداخله في النهاية؟
بقلم: عمرو عبد الرحمن

احتفل صالون تفكير منذ وقت ليس ببعيد بذكرى رحيل المفكر والباحث والدكتور نصر حامد أبوزيد، الذي لم يكن في ذهني عنه حتى وقت قريب سوى ما يرتبط بقضيته الشهيرة في التسعينات، وأنه مفكر له إسهامات في مجال دراسة وتأويل القرآن والتصدي للخطاب الإسلامي السلفي بلغة أكاديمية معقدة، لكن الحقيقة أن الأمر أكبر من ذلك بكثير، وأن لغته كانت أيسر مما توقعت، لكنها تظل مرهِقة ولا أدَّعي أنني استوعبت كل ما قرأت منها. تزامن ذلك مع تنفيذي لرغبة قديمة في قراءة كتبه والتعرُّف على مشروعه الفكري، وتراءى لنا نشر هذه التلخيصات أو القراءات في كتبه عبر الشهور الماضية، عسى أن تفيد شخصًا في معرفة أي جديد عن نصر أبوزيد وإرثه. وأن أختمها بهذه الرؤية البسيطة لما وجدته بين صفحات كتبه وفي ندواته ولقاءاته العديدة.
لم يعتبر أبوزيد نفسه صاحب مشروع، بل رأى أن عقله هو مطبخ أفكار كما صرح في سلسلة ندواته التي عقدها في مكتبة الأسكندرية، وأنه باحث يبحث بشكل مستمر، يناقش أفكارًا وينتج نظريات تبدو غير مكتملة لأنه يفتح الأبواب لمن يأتون من بعده؛ فالبحث عنده عملية مستمرة.
في اعتقادي أن إرث نصر حامد أبوزيد الطويل والمستمر ينطلق من سؤال بسيط:
لماذا الأمة العربية والإسلامية متخلفة عن ركب الحضارة؟
الإجابة هي تخلف خطاب النهضة لدينا والذي يمكن تفكيكه إلى عدة عناصر أساسية:
- علاقة المثقف بالسلطة الحاكمة.
- علاقة المثقف بالخطاب السلفي النقيض.
- علاقة المثقف بالتراث.
- علاقة المثقف بالحضارة الغربية.
- علاقة المثقف بالجماهير.
ليس تيار النهضة أو التيار العلماني -سَمِه كما تشاء- هو المتسبب في هذا التخلف، إنما السبب هو نتاج تفاعل كل هذه العناصر مع بعضها: السلطة والخطاب السلفي والتراث والغرب الحضارة/الاستعمار والجماهير، لكن بما أن نصر أبوزيد لا يمكنه تغيير هذه العناصر أو طريقة تفاعلها مع بعضها، فهو يعتبر أن التغيير لا يمكن إلا أن يأتي من خارجها عبر المثقف المنتمي لتيار النهضة، الذي ينسب هو نفسه إليه في سلسلة بدأت مع رفاعة الطهطاوي مرورًا بمحمد عبده وعلي عبدالرازق وطه حسين وآخرين. حاولوا سعيًا في اتجاه التجديد والتغيير، لكن محاولاتهم لم تُنتج الأثر الذي يمكن أن ينقل التجديد من الهامش إلى المركز.

المثقف والسلطة الحاكمة
تستخدم السلطة الحاكمة في منطقتنا كل العناصر السابق ذكرها استخدامًا نفعيًا بهدف تأسيس مشروعيتها، والتي تفتقدها بغياب الديمقراطية وقمع الحريات. فالخطاب السلفي أو تيار الإسلام السياسي هو أداة مواجهة المعارضة التي تدعو للحرية والعدل أحيانًا، وهو العدو الذي يرهب ويكفّر المجتمع والمفكرين في أحيان أخرى، فلا يجد الناس بتنوعاتهم إلا السلطة ملجًا وملاذًا لحمايتهم من هذا العدو.
يصبح دور المثقف هنا هو تقديم خطاب للسلطة يساهم في تجميل وجهها، بحيث يبدو وكأنه وجه يدعم الحرية والعدل والإبداع، لكنه في الحقيقة لا يهدف إلا إلى تثبيت دعائم السلطة عبر القمع والسيطرة على كل خطاب لا ينطلق منها. ويتوهم المثقف أن بإمكانه الوصول إلى ما يطمح عبر بوابة السلطة، إلا أن ذلك يبدو مستحيلًا إذا كان ما يطمح إليه هو تشكيل الوعي وإنتاج المعرفة عبر أدوات التحليل العلمي والتفكير النقدي. فمن غير المحتمل أن تقوم حرية الفكر وإنتاج الوعي على أكتاف القمع والاستبداد.
المثقف والحضارة الغربية
لا يمكن اعتبار مصطلح الحضارة الغربية مصطلحًا دقيقًا، لأن تلك الحضارة هي نتاج حضارات وأفكار جاءت من شتى أنحاء العالم، لكنها في فترة زمنية معينة تركزت في بقعة بعينها من العالم وهو الغرب الأوروبي. ولا يمكن النظر إلى الغرب باعتباره الحضارة والتقدم العلمي فقط، لأنه كان يُطِل علينا بوجه آخر هو وجه الاستعمار الإمبريالي. استدعى هذا الوجه الحذر والريبة في التعامل مع الحضارة الغربية، وبينما لم يكن ممكنًا تجاهل ما وصلت إليه من منجزات علمية ومنتجات صناعية، اكتفى العقل العربي الإسلامي -بكل مكوناته- بهذه المنتجات النهائية وقرر فصلها عن جذورها التي أدت للوصول إليها من تفكير نقدي وتحليل للنصوص الدينية وسعي إلى حرية شعوبها واختيارهم السلطة التي تحكمهم.
كان من السهل اعتبار علوم مثل الفيزياء والكيمياء والبيولوچيا -بلا نظرية تطور- يمكنها أن تؤدي بنا إلى اللحاق بركب التقدم الغربي، وهو ما ثبت عدم صحته؛ فالتقدم الغربي قائم على الإبداع والابتكار، ولا إبداع بلا حرية، ولا ابتكار بلا تفكير نقدي يبدأ من القديم ليتجاوز إشكاليات تعامله مع الحاضر لإنتاج الجديد المناسب لحاضرنا في عملية مستمرة من التطوير.
المثقف والخطاب السلفي النقيض
أدى الاستعمار الغربي إلى بروز خطاب مناهض، يرفع شعار الهوية في وجه هذا العدو الطامع في التهام مواردنا وأراضينا. خطاب توقف بالزمن عند لحظة في الماضي، صنع حولها هالة نورانية أنتجت تصورًا مثاليًا عنها. وفي الوقت الذي تتطور العلوم لتواكب تغيرات الواقع والاستجابة للمتطلبات المستجَدة للناس، قدَّم هذا الخطاب بديلًا مناقضًا بالعودة بالواقع إلى تلك اللحظة المثالية في الماضي، لتصبح كل تفصيلة فيه أصيلة تنتمى إلينا وننتمي إليها.
وماذا عن العلوم والمنتجات وغيرها من منجزات الغرب؟
لا توجد مشكلة، فلنستهلك منتجاتهم، ونبحث عن أصول لتقدمهم في تراثنا، ونصبغ أنظمتهم بصبغة إسلامية تُرضي توقنا إلى هوية مستقلة، وفي الوقت نفسه نستمتع بأحدث ما وصل إليه الغرب من تقدم. يدرك المثقف فشل هذه الازدواجية، التي تجعلنا نقف في مكاننا لا نتحرك للأمام خطوة؛ لأننا اهملنا أسباب تقدمهم المتمثلة في حرية الإبداع والتفكير النقدي بلا حدود، لكنه من جهة أخرى يواجه الخطاب السلفي الذي يلعب على أوتار الهوية والتراث، ويُرهِب كل خطاب مخالف، فيجد المثقف نفسه بين مطرقة الرجعية والتكفير وسندان الاستعمار والاستعلاء فيلجأ لتقديم التنازلات والترضيات، التي عددها أبوزيد في كتبه عند تناوله رموز خطاب النهضة العربي والإسلامي.
المثقف والتراث
تم استخدام التراث كأداة في يد كل الأطراف المتفاعلة، فاعتمد الخطاب السلفي على أن ينتقي منه الخطابات التي ترسخ سرديته الرجعية مستفيدًا من وجودها في المركز لقرون مضت، متجاهلًا السياق الاجتماعي الذي أنتجها، والسياق التاريخي الذي انتهى بها إلى الوجود في مركز التراث مهيمنةً عليه. واختار منها القواعد التي لا يمكن مناقشتها أو مراجعتها. واعتبر أنها علوم لا يمكن إلا للمتخصصين – الذين ينطقون بخطابه- الحديث فيها، لكنه في المقابل رفض إخضاعها لأي منهج تحليل علمي أو نقدي -لأنها أصبحت من جوهر الدين الثابت- قادم من الغرب -لأننا لم نعد ننتج شيئًا له علاقة بالعلم أو النقد أو التحليل- ليصبح الحديث عن التراث حكرًا عليه فقط.
وإذا كان الخطاب السلفي قادر على إرهاب المثقف ومنعه من الحديث، فإنه لا يقدر بالكامل على منع السلطة الحاكمة من استغلال التراث لمصلحتها. تنتج السلطة السياسية خطابها وتنتقي ما يساعدها على ترسيخ شرعيتها، كما كان يحدث في الماضي طوال الوقت. ورغم تحولنا بين أنظمة سياسية مختلفة، ظلت الممارسة كما هي تستدعي من التراث ما يحث على الرضا والقناعة وبقاء الوضع على ما هو عليه، وأن المشكلة دائمًا في الناس أنفسهم، وليست في شئٍ آخر. وهو خطاب يشترك مع الخطاب السلفي بشكل لافت، رغم تقديمه لنفسه كخطاب مناهض له.
أما الغرب الاستعماري فوجد في التراث والدين -لتوحدهما في ذهن الجمهور العربي والإسلامي- المُشتبه به المعتاد لتبرير التخلف والرجعية، وتقديم نفسه كمخلِص لذلك الجمهور، جاء يحمل إليهم الحل لإخراجهم من الحفرة التي وقعوا بداخلها. وهو تبرير وقع في قليل من السُذَّج.
على الجانب الآخر يميل الجمهور للتراث نتيجة تأثره بالخطابات السابقة سلبًا وإيجابًا. فأدى خلط الدين بالتراث إلى تشبع الغالبية بالخطاب السلفي، والتسليم بالخطاب الرسمي للسلطة السياسية. في مقابل رفض لمزاعم الغرب ربط التخلف بالدين/التراث.
وقف المثقف بين هؤلاء مترددًا، يحسب الخطى كلما اقترب من التراث، وإن حاول البعض الغوص إلى أعماقه حيث المبادئ الأساسية التي ظل ممنوع الاقتراب منها أو التصوير، لكن أغلب هذه المحاولات كانت تنتهي ببعض التنازلات أو الترضيات في مواجهة القمع الرسمي أو الترهيب السلفي أو الغضب الجماهيري.
وجد المثقف نفسه محاصرًا بين تيارين: إما القطيعة مع التراث وتجاوزه باعتباره سبب التخلف في تبني للزعم الغربي، وإما العودة للتراث باعتباره الهوية والخلاص من أزمة تخلفنا. وأدى ذلك إلى جنوح الكثيرين إلى التوفيق بين المتنافضات، الذي ينتهي في الغالب إلى تلفيق بحيث يميل أو يكاد يتبنى اتجاهًا من الاتجاهين اللذين حاول التوفيق بينهما. فلا ينتج أي جديد، بل مجرد الأفكار القديمة في غلاف جديد. حتى وإن حسنت النوايا لكن التأثر بالخطابات المتفاعلة والضغوط المحيطة يصعُب الفرار منه.
المثقف والجماهير
تُعد الجماهير بالنسبة للمثقف هي الحلقة الأضعف، رغم أنها الهدف الرئيسي لأي جهود من أجل التنوير أو التجديد أو النهوض. أدى ذلك إلى نظرة استعلائية تتناقض مع جوهر الهدف، وتقلل من أي احتمالية لقبول الجماهير خطاب التجديد، أو حتى وصوله إليها. المعضلة أننا نتعامل مع جماهير في غالبيتها تعاني من الفقر، وسوء جودة التعليم أو عدم وجوده من الأساس، وغياب القدرة على التحليل العلمي والتفكير النقدي، تتمسك بالدين -أو مظاهره عالأقل- أملًا في حصولهم على حظهم في الآخرة، بعدما صعب عليهم إدراكه في الدنيا. فيأتي هذا المثقف ويجد نفسه أمام طريقين: الأول هو تقديم خطاب نخبوي لا يشتبك مع الجماهير؛ تجنبًا للأذى المحتمل، أو لشعوره بالاستعلاء. والثاني هو تقديم خطاب يشتبك مع الجماهير بقدر ما، لكنه في سبيل ذلك يقدم بعض التنازلات والترضيات، فينتهي به الحال إلى تقديم خطاب لا يغيِّر قديمًا ولا يحرك المياه الراكدة. وكأنك يا ابوزيد ما غزيت.
لكن أبوزيد حاول أن يغزو، وقرر أن يسلك الطريق الثالث، الطريق الصعب. ورضي أن يدفع ثمن اختياره وإصراره عليه حتى النهاية. فكيف قدم أبوزيد النموذج الذي تمناه للمثقف المساهم في خطاب النهضة، عبر تفاعله مع العناصر الآخرى؟

أبوزيد والسلطة الحاكمة
انطلق خطاب نصر أبوزيد من ضرورة قطع الحبل السري بين المثقف والسلطة السياسية. دعا إلى الحرية الشاملة والديمقراطية. رفض القمع والظلم ضد المخالفين قبل الموافقين له في الرأي. أدرك أن لا إصلاح أو تجديد يأتي من أعلى، لأن من يملك الضغط على زر التجديد، يستطيع إطفائه إذا جاء بما لا يحب. وأن من يستطيع إطلاق الحريات يمكنه تقييدها، بل والتنكيل بمن سبق له أن دعمهم ليفكروا ويبدعوا. ورفض ميل المثقفين إلى قبول استبداد النظم العسكرية في مقابل الهروب من التكفير والإرهاب الذي مارسه الخطاب السلفي. واعتبر أن الوقوع في ذلك الفخ هو نهاية المثقف، حيث يتنازل عن استقلاله الفكري وحريته.
انتقد أبوزيد سيطرة السلطة على كل المؤسسات، وأدرك استخدامها لنفس أدوات الخطاب السلفي في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام. رفض القبول بحراسة من أجل حماية حياته، لوعيه بأنها ستشكل قيدًا على حريته طوال الوقت. العلاقة التي أرادها أبوزيد مع السلطة السياسية ليست علاقة عداء، لكنها علاقة تؤكد على استقلال المثقف، ومسافة تميِّز بين المثقف وفعاليته كمفكر وناقد ومجدِد، وبين تحوله إلى موظف في خدمة السلطة السياسية.

أبوزيد والحضارة الغربية
لا يفضل أبوزيد مصطلح الحضارة الغربية، فهو يعي أن تلك الحضارة هي نتاج حضارات أخرى سابقة، ساهمت بأدوار في الوصول إلى ما وصل إليه الغرب، لهذا يفضِّل نصر استخدام مصطلح الحضارة الحديثة. وكان مدركًا للوجه القبيح للغرب السياسي من الاستعمار الإمبريالي إلى الاستغلال الرأسمالي. وأشار إلى المغالطة التي ارتكبها الغرب بربط التخلف بالدين، ورفضها تمامًا. ورأى أن الاقتناع بصحتها ساهم في صعوبة الخروج من حفرة التخلف، حيث أعطت الخطاب السلفي ميزة إيجاد عدو يواجهه، ويربط به كل داعٍ للتجديد ووصمه بالعلمانية والتبعية للغرب.
رأى نصر أبوزيد أن السير في طريق التقدم الغربي لا يبدأ من الرياضيات والفيزياء، لكن بالبداية من حيث بدأوا. من إطلاق الحريات على كافة الأصعدة: الحرية السياسية وحرية الاعتقاد وحرية الفكر التي لم تعرف حدودًا حتى استطاعت تأويل النصوص الدينية. وأن اعتمادنا على منهج الاستيراد لم يفلح في وضعنا على الطريق الصحيح، لأننا نظرنا إلى تقدم الغرب على أنه تقدم في العلم والتكنولوچيا، وأهملنا العلوم الإنسانية التي كانت السبب في تقدمهم التكنولوچي، ومازلنا نهملها، فنحن نلغي دراسة الفلسفة والمنطق، ونشجع الطلبة على دراسة البرمجة ليحصلوا على آلاف الدولارات شهريًا.
نجاح الغرب كان في تكوين الإنسان معرفيًا منذ طفولته على إثارة الأسئلة، والتفكير في الإجابات المحتملة، والتخلي عن قناعته إذا ثبت عدم صحتها. والأهم هو عدم قبول الرأي الشائع دون فحص ونقد. إنه التكوين المعرفي على منهج الشك والمراجعة وإعادة النظر. واعتبر أن استخدام ما وصل إليه العلم في الغرب من أدوات التحليل العلمي والتعامل مع النصوص والتراث هو الوسيلة للخروج من دائرة مغلقة بعلوم كانت تناسب عصور مضت، وجهود وليدة بيئة اجتماعية وسياسية بعينها، لن تنتج إلا ما وصلت إليه، مهما حاول الباحثون واجتهد المجتهدون.
أبوزيد والخطاب السلفي
واجه أبوزيد رجعية الخطاب السلفي، متفهمًا الظروف التي أدت لظهوره وهيمنته على الوعي الجمعي للمسلمين. وواجه في القلب من ذلك الخطاب جماعات الإسلام السياسي، التي استخدمت الإسلام استخدامًا أيديولوچيًا نفعيًا لتحقيق أهدافها السياسية، وحولته إلى دين شمولي يسعى للسيطرة على كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس. أدرك نصر حامد أبوزيد أن خطأ خطاب النهضة هو في البدء من مسلمات الخطاب السلفي، ومناقشتهم في الفروع. فعاد إلى الأصول وحاول فهم السياقات الاجتماعية التي أنتجتها والخطابات التي تأثرت بها، وتعامل معها بأدوات التحليل والنقد بدلًا من التسليم دون تفكير.
ربما كان هذا هو ما أرعب دعاة الخطاب الديني السلفي، فعندما يقولون “لا اجتهاد مع النص”، يخبرهم أن “النص” هنا ليس كل جملة في القرآن والسنة، إنما هي بالمفهوم التراثي درجة من الوضوح لا تحتمل الغموض أو اللبس، ولا يصل إليها كل “نص” بالمفهوم المعاصر. وعندما يقولون بمبدأ الحاكمية يقول ان المقصود بالحكم في الأية هو القضاء، ويذكّرهم بقول علي بن أبي طالب “القرآن بين دفتي مصحف، لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال”. وعندما يقولون أن “درأ المفاسد مُقدَم على جلب المصالح”، يخبرهم أنه يجب قياس الضرر معرفيًا وعلميًا، ومقارنته بنسبة المنافع المحتملة، وأن التغيير حتمي لمواكبة الواقع، وان مخاطر الثبات بداعي الاستقرار أكبر من مخاوف التغيير. وحين يحدثونه عن أهمية الإجماع والوحدة وإذابة الاختلافات، يرد عليهم بأن الإجماع وهم، وأن الأجدى هو التعددية وقبول الاختلاف وترسيخ مبدأ احترامها.
أبوزيد والتراث
نشأت الحاجة إلى التجديد من خلال سياق اجتماعي تاريخي يتصل بحاضر الناس وهمومهم. التجديد عند أبوزيد هو قانون الفكر. وإذا غاب ساد الترديد، فينفصل الفكر عن حركة الحياة عاجزًا عن متابعتها.
تناول نصر أبوزيد التراث في إطار من التواصل الخلَّاق بين الحاضر والماضي، عبر الخروج من أسر التقليد الأعمى وإعادة إنتاج الماضي باسم الأصالة والهوية، والخروج من قيود التبعية الفكرية للغرب باسم المعاصرة. مع الحذر من محاولات التلفيق بأخذ طرف من التراث وطرف الحداثة دون تحليل تاريخي نقدي لكليهما. تستهدف دراسة التراث عند أبوزيد إعادة النظر في كل المسلَّمات، بهدف تحرير خطاب النهضة من بعده التلفيقي المسئول عن عجزه الواضح. لم يكن هدفه مجرد إعادة التأويل، بل البحث عن جذور أزمتنا الممتدة.
تعامُل أبوزيد مع التراث مر بعدة مراحل كانت انسيابية في تطورها للدرجة التي قد يكون معها ذلك التطور غير ملحوظ. كما قام أبوزيد بتقديم رؤية للتراث ومكوناته عبر عدة محاور يمكن رصدها من كتاباته:
إبراز مبدأ التعددية التراثية وتقديم الخطابات التي تم تهميشها مثل خطابات المعتزلة وابن عربي وابن رشد، لا لمحاولة إعادة إنتاجها في الحاضر، ولكن لتصحيح الاعتقاد السائد بأن التراث هو خطاب التيار السلفي ومصادره التي يعتمد عليها. وإبراز أن التراث طيف واسع من الخطابات والتوجهات تم إقصاء بعضها بالقوة والهيمنة، حتى ظن من احتكروا الحديث باسم التراث أن سيطرتهم دليل صحة معرفية، وأن لديهم صك يحدد الحق والباطل من الخطابات التراثية. يتناول أبوزيد الخطابات التراثية ليأخذ منها قِيَّم نحتاجها في زماننا، وفي المقابل ينقدها ليؤكد أنه لا يوجد خطاب ينتمي للماضي يصلح للحاضر بالكلية، مهما كان تقدميًا في عصره.
البداية من الأساس التراثي المستقر، فعندما بدأ مع القرآن كأهم نص مؤثر في حياة المسلمين، بدأ أبوزيد من علوم القرآن التقليدية، مؤكدًا أنها وحدها لا تكفي لتقديم رؤية جديدة للتعامل مع القرآن، وأدرك وجوب النظر إليها نظرة نقدية تستفيد بما وصل إليه الأفق المعرفي في حاضرنا. ثم أشار إلى جهود المعتزلة في صياغة رؤية “عقلانية” للقرآن، مع نقد لهذه الرؤية. وأبرز جهد عبدالقاهر الجرجاني في التعامل مع القرآن كنص أدبي بهدف اكتشاف الإعجاز الكامن بداخله، لينتهي إلى صياغة مفهوم النظم متوقفًا عند الجملة، الذي تجاوزه نصر إلى مستوى النص. وعندما تناول السُنة في مشروع لم يكتمل -للأسف- بدأ مع الشافعي وتفاعله مع الوسط المحيط ليصوغ تصوره عن أصول الفقه، والذي ظل مهيمنًا إلى اليوم.
كل ما في التراث يجب أن يخضع لمبادئ التحليل العلمي، والبداية مع القرآن. فالقرآن نص أدبي يمكن تحليله باستخدام منهج القراءة الأدبية. والقرآن نص تاريخي نتج من تفاعل مع سياقات اجتماعية وتاريخية بعينها في زمن النزول. وهو خطاب أو بالأحرى مجموعة خطابات يمكن تحليلها باستخدام العلوم الحديثة كعلم العلامات وتحليل الخطاب؛ لاكتشاف المُضمر فيها والمسكوت عنه، والخطابات الأخرى التي أثّر فيها وحاولت هي التأثير عليها، ليصبح التركيز على إدراك المغزى كمتحرك دائم الحركة داخل خطاب مفتوح حتى في زمن القراءة أكثر أهمية من المعنى كثابت داخل نص مغلق تم إغلاقه في زمن النزول.
انتهى أبوزيد إلى التعامل مع القرآن كخطابات، ما يمنحنا إمكانات مفتوحة تقبل تعدد التأويلات، في مقابل التعامل التقليدي مع القرآن كنص في القانون بهدف الوصول إلى حكم نهائي واحد لا يقبل التعدد ولا التطور. كل نص عند أبوزيد قابل للقراءة على الدوام طالما وجد قارئًا، وخصوصًا القرآن بحكم بنيته الداخلية التي تتمتع بدرجة عالية من الغنى. ورغم أن لكل نص أفقًا معرفيًا يحدده زمن إنتاجه، إلا أن أبوزيد يرى أن لكل نص دوال إشارية تظل دالة ولا تموت أبدًا، حتى إذا فقدت قدرتها الدلالية بفعل تغيُّر جوهري في البنية الثقافية والاجتماعية.
والسياق عند نصر يتجاوز علم أسباب النزول إلى سياقات متعددة منها السياق الخارجي الذي يمثل وعي المتلقي للوحي في فترة النزول وتغيُّر ذلك الوعي على مدار فترة نزول الوحي. وسياق المخاطبة المعني بمن الموَّجَه إليهم الخطاب، ومن المتكلم، وما هو إطار الخطاب؟ والسياق الداخلي من حيث علاقات الأجزاء التي تبدو غير متجانسة ببعضها، وترتيب التلاوة وترتيب النزول والعلاقة بينهما ومدى تأثيرهما في قراءتنا للقرآن. والسياق اللغوي حيث تركيب الجمل والعلاقات بينها، ودلالة الصيَّغ والتراكيب، واكتشاف دلالة المسكوت عنه في بنية الخطاب. وصولًا إلى سياق القراءة، الذي يضمن عدم تحولها إلى قراءة أيديولوچية نفعية. كما فصّل في كتابه”النص.السلطة.الحقيقة”.
وحتى بعد انتهاء زمن النزول أصبح للقرآن تاريخ انتهى إلى جمعه بين دفتي مصحف بواسطة بشر، ثم عمليات الضبط والترقيم والتشكيل، في سياق تعدد القراءات واختلافها. وكلها موضوعات تحتاج إلى دراسات كانت في مطبخ أفكار أبوزيد، على أن يقوم بها باحثون آخرون. كذلك المفاهيم التراثية الأصولية كالإجماع والتواتر، ومفهوم السُنة، وآليات التحقق من الأحاديث النبوية، وغيرها من الآليات والمفاهيم والقواعد التي صارت من المسلمات بفعل التقديس وغياب التفكير النقدي، ورغبةً في الحفاظ على سلطة القائمين على حراستها.
لا تناقض عند أبوزيد بين إلهية المصدر وبشرية التأويل والتفسير للقرآن. والتناقض المُتوَهم هنا يفترض أن فهم القرآن وتحليله يحتاج منهجًا إلهيًا يناسب مصدره الإلهي. إن الله أنزل القرآن على بشر، واستخدم لغة البشر، ليخاطب به البشر، الذين هم كائنات اجتماعية تاريخية. ولغة الخطاب العربية لها تاريخ وأنتجت أدبًا، فهي ظاهرة اجتماعية ثقافية تاريخية أنتجت رسالة موجهة إلى متلقِ اجتماعي تاريخي، بلغة اجتماعية تاريخية، فهل يمكن فهمها وتحليلها بمنهج غير مناهج البشر؟! أما الخوف على مفهوم الإعجاز فلا مبرر له؛ لأن كل المناقشات حول قضية الإعجاز القرآني تدور حول الإعجاز اللغوي والبلاغي، مستندة إلى النصوص الشعرية والأدبية العربية قبل الإسلام، أي أنها مقاربة أدبية كما يظهر في جهد عبدالقاهر الجرجاني، الذي يرى دراسة الأدب والشعر هي مدخل إدراك الإعجاز القرآني.
إن القرآن عند نصر أبوزيد نص ديني يضم بداخله مجموعة من الخطابات. يعتمد أسلوبًا ولغةً أدبيين، أي أنه نوع من الخطاب مستقل بذاته، ليس شعرًا وليس نثرًا. ودراسته بمدخل أدبي لها جذور في التراث، وعلى الباحث المعاصر أن يستفيد من إنجازات المناهج الحديثة كعلم العلامات وتحليل الخطاب وغيرها.
غياب الاستدلال بالتراث الغربي الفكري. إننا نجد غيابًا شبه كلي للفلسفة الغربية ورموزها بين السطور أو في الهوامش. ويختفي سبينوزا على وجه التحديد رغم أهمية محاولاته في التوفيق بين اللاهوت والعقل، رغم أنها تؤيد عدم إخضاع العقائد للعقل. ربما كان ذلك لأن نصر كان يرى أن في تراثنا الكفاية للتأسيس لمنطلقاته، وأن الأهم من الاستعانة بالتراث الغربي هو إبراز التعددية المنسية في تراثنا؛ لإنعاش الذاكرة التي تحكَّم في صياغتها اتجاه واحد من اتجاهات التراث. وربما أيضًا كان ذلك تفاديًا لاتهام متوقع من الخطاب السلفي بتأثر أبوزيد بأفكار غربية لا تناسب حالتنا وتراثنا. وربما في حالة سبينوزا تحديدًا كان لقوله بأن الإنسان مسيَّر الإرادة خاضع لحتمية مفروضة عليه وهو ما يرفضه أبوزيد تمامًا.
حرصه الشديد على إعلاء المعرفي على الأيديولوچي. لتجنب الوقوع في فخ التلفيق، رغم قناعته بأن لا يوجد باحث محايد، ولا قراءة بريئة، إنما المعيار هو مدى التزام الباحث بمبادئ التحليل والبحث العلمي لإنتاج أفكار جديدة بدلًا من إعادة ترديد القديم في غلاف معاصر. إلى جانب دعوته الأخرين لنقده نقدًا علميًا بعيدًا عن مناخ المؤامرات والتفتيش في النوايا والتكفير، إلى أخر التُهم الجاهزة في جعبة الخطاب السلفي وتيار الإسلام السياسي.
دراسة التاريخ لا تكون عبر منهج خطابي يقدِّم شخصيات نورانية معزولة عن سياقها. فكل الأشخاص والأفكار والخطابات هي نتيجة سياق اجتماعي سياسي تاريخي ثقافي، يتأثر بما قبله وما حوله ويؤثر فيما بعده. إنها سلسلة طبيعية إنسانية متصلة لا يمكن انتزاع حلقة منها لتقديسها وتنزيها عما قبلها وبعدها، أو محاكمتها بمعايير حاضر القارئ بعيدًا عن فهم سياقها. في مقابل هذه السلسلة صنع الخطاب السلفي سلسلة أخرى منافية للطبيعة الإنسانية فيها الأشخاص وعاء مثالي ينقل الدين، فصار تقديسهم وتنزيههم واجبًا، والحديث عن صراعاتهم فتنة يجب عدم الخوض فيها، فتعطل البحث وتوقفت محاولات الفهم.
الثنائيات لا يمكن أن تحل الإشكاليات. أدى تقسيم القرآن إلى مُحكم ومتشابه إلى صراع على آلية تحديد المُحكم والمتشابه. وثنائية الظاهر والباطن انتهت بابن عربي إلى جعل الإنسان مجبرًا على أفعاله، وجعلت تأويل الشريعة حكرًا على العارفين من المتصوفة. وثنائية الخاصة والعامة عند ابن رشد جعلت علمه مسجونًا بين طيات الكتب إلى أن قرر الغرب العودة إليها. كذلك تقسيم الدين إلى شريعة وعقيدة سيؤدي دائمًا إلى فرض سياج حول جزء من الدين بحجة أنه غير قابل للتحليل أو التناول المعرفي، وتحديد حجم هذا الجزء سيكون وظيفة من يعتبرون أنفسهم حماة الدين، فنظل في نفس الأزمة. لذلك الحل هو القراءة العلمية والتحليلية والنقدية لكل ما يتلقاه البشر بلغتهم عبر تاريخهم وسياقهم الاجتماعي.

أبوزيد والجماهير
تنبه أبوزيد إلى نخبوية وسلطوية خطاب النهضة في عمومه، وأعتقد أنه كان يعلم ما ينتظره إذا حاول الوصول للجماهير، وهو ما حدث عبر صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، عبر كتبه التي كتبها بلغة يمكن للقارئ غير الأكاديمي استيعابها رغم صعوبة موضوعاتها، وعبر محاضراته التي حرص خلالها على الحفاظ على تركيز المستمع بخفة ظله وقوة حضوره.
كما رفض حصر النقاش في بعض القضايا الدينية داخل دائرة “أهل العلم”. وأراد هدم الجدار العازل في ثقافتنا بين “العامة” و”الخاصة”، معتبرًا أن الخوف على عقائد العامة من التشويش هو مجرد وهم يستهدف الحفاظ على سلطة ووصاية دكتاتورية، ربما تتشابه مع سلطة الكنيسة في العصور الوسطى عندما حرَمت العامة من قراءة الكتاب المقدس. مؤكدًا على استحالة ذلك في عصر السموات المفتوحة، لتظل الأسئلة تُسأل بل وتتطور لتتراكم بلا محاولة لإجابتها.

إن التحدي الآن هو كيفية الصعود على أكتاف مشروع الباحث والمفكر الدكتور نصر حامد أبوزيد الغير مكتمل، حتى لا نعاني من أزمة الذاكرة التي نعانيها في كل مرة يتعرض فيها مشروع سياسي أو اجتماعي أو ثقافي لهزيمة أو توقف، فيؤدي ذلك إلى حالة انقطاع عن السابق، ونظل نطرح نفس الأسئلة التي طرحها السابقون على مدار سنوات وربما قرون دون إجابة؛ لأننا في كل مرة نبدأ من الصفر لا من حيث انتهينا، بينما الواقع من حولنا يسير بسرعة متزايدة تجعل من الصعب اللحاق بتحدياته المتجددة كلما طالت حالة الانقطاع. متى نتحرر من هواجسنا ونفتح صندوق التراث، صندوق شرودنجر، ونتقبل فكرة وجود عدد من الاحتمالات الصحيحة وليس نتيجة وحيدة يقينية؟ إنها احتمالات ليست عشوائية كما في ميكانيكا الكم، بل يمكن تحديدها باستخدام منهج علمي حاول أبوزيد وضع سلمًا للوصول إليه، وما علينا إلا استخدامه وفتح الصندوق والنظر بداخله.
هذا خلاصة ما وجدته في مطبخ أفكار نصر حامد أبوزيد، ونهاية هذه السلسلة التي أتمنى أن أكون عرضت فيها أفكاره قدر المستطاع، وإن كان ذلك من خلال قراءة غير بريئة -حيث لا وجود لقراءة بريئةـ وغير خالية من الأخطاء لأننا بشر في نهاية المطاف.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد