في مطبخ نصر حامد أبوزيد.. مفهوم النص (٢)
بقلم: عمرو عبد الرحمن

في الباب الثاني من كتابه مفهوم النص يناقش د. نصر حامد أبوزيد آليات النص في إنتاج الدلالة، ويبدأها بالإعجاز.
يناقش نصر حامد أبوزيد مفهوم الإعجاز في القرآن حيث حاول علماء القرآن فصله عن غيره من النصوص النابعة في الثقافة المحيطة. فالقرآن ليس شعرًا رغم احتوائه عن نصوص يمكن وصفها بالشاعرية، وهو ليس نص كهانة رغم أنه يصف أحداثًا وقعت في الماضي وستقع في المستقبل.
كما حاولوا تفسير الإعجاز فيه إنطلاقًا من حقيقة وجود الإعجاز ابتداءً، مرة من خلال الأدوات اللغوية البلاغية، ومرة من خلال مفهوم الصرفة حيث عجز البشر عن الإتيان بمثله، وحديثًا بإبراز الإعجاز العلمي عبر الإخبار بحقائق علمية لم تكن معروفة في عصر النزول ولم يمكن الوصول إليها بأدواته.
ففي مخالفته للشعر يتم البدء من نفي النص لأن يكون شعرًا، رغم استخدام الأدوات البلاغية ذاتها التي يمكن بها الاستدلال على جمال النصوص الشعرية. هذه المخالفة أدت إلى نظرة دونية للشعر والشعراء بصفة عامة.
الآلية الثانية من آليات النص هي المناسبة بين الآيات والسور. يحاول علم المناسبة بين الآيات والسور إيجاد الترابط بين الآيات والسور في ترتيب التلاوة. يقوم علم المناسبة على أن النص وحدة بنائية مترابطة الأجزاء، ومهمة المفسر اكتشاف هذا الترابط. ترابط قد يكون في الأسلوب أو المضمون أو رسم صورة عامة باستخدام الآيات والسور.
يحاول العلماء الفصل بين علم المناسبة وعلم أسباب النزول حيث أن المناسبة يدرس العلاقات داخل النص، بينما اسباب النزول يدرس يدرس علاقات النص بما هو خارجه في الواقع.
وإذا كانت ألية النص يمكن إدراكها من خلال العلاقات بداخله، فإنها يمكن إدراكها أيضًا من خلال جدلية الغموض والوضوح داخل النص.
الغموض والوضوح
إن المميز للنص هو اختلافه مع ذاته، ومن صور هذا الاختلاف المكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، وفيها يخالف النص ذاته بتأثير جدله مع الواقع. هناك صورة أخرى يخالف فيها النص نفسه بجدل الواقع معه بفعل القراءة وهي المحكم والمتشابه.
يقسم القدماء التركيب اللغوي إلى أربع أنماط:
النص وهو الدال على معنى لا يحتمل غيره. والظاهر وهو الدال بمنطقه على معنيين، المعنى الظاهر منهما هو الراجح. والمؤول وهو الدال على معنيين، المعنى غير الظاهر منهما هو الراجح. والغامض أو المجمل وهو الذي يحتمل معنيين يصعب تحديد الراجح منهما. الظاهر أقرب للنص، والمؤول أقرب للمجمل.
النص والظاهر ما بينهما مُحكم، والتأويل والمجمل ما بينهما متشابه. ودلالة المنطوق اللغوي لا تتراوح بين الوضوح والغموض فحسب، لكنها تختلف من حيث طرق الدلالة أيضًا. فقد تكون دلالة مباشرة وهي دلالة المنطوق. وقد تكون دلالة اقتضاء كما في الإضمار. وقد تكون دلالة إشارة واستنتاج. وقد تكون دلالة مفهوم تنقسم إلى دلالة موافقة ومخالفة.
إن تحديد المعنى المرجوح من المعنى الراجح في الظاهر أو المؤول مرهون بأفق القارئ وعقله. لذا فإن فعل القراءة ومن ثم فعل التأويل لا يبدأ من المعطى اللغوي للنص، بل يبدأ من الأفق الثقافي للقارئ للنص.
يعتبر المفسرون أن تفسير المجمل يكون باللجوء إلى موضع أخر داخل النص يفسره. وقد أسس النص لغته الخاصة بإضفاء معاني أخرى على كثير من ألفاظ اللغة مثل الصلاة والإسلام والصيام والحج، وهذا هو الفارق بين الدلالة الشرعية والوضعية لهذه الألفاظ.
تسلم جميع الفرق بوجود اختلاف في النص لكنهم يتفقون على أنه اختلاف لا يؤدي إلى التناقض، وما محاولة تأويل المتشابه برده إلى المحكم إلا محاولة لرفع وهم التناقض.
تظل الحروف المقطعة في بداية السور في منطقة بمفردها، فلا هي تجد تفسيرًا لها في مكان آخر، ولا يمكن استنتاج دلالة لها في إطار المنطوق والمفهوم.

العام والخاص
إن الأصل في آليات اللغة هو التعميم، لذلك كان الحرص على تأكيد تعميم كثير من الأحكام التي شرعها النص، لكنه تعميم لا يقلل من أهمية أسباب النزول التي يتوقف عليها في كثير من الأحيان استكشاف دلالة النص.
هناك العديد من الوسائل التي استند إليها العلماء في تحديد العموم مثل: كل، وأسماء الموصول، والجمع المعرّف، واسم الجنس المعرّف، والنكرة في سياق الأمر أو النهي أو الشرط.
وهناك وسائل لغوية لتخصيص العام- غير أسباب النزول- مثل أن يكون اللفظ عامًا لكن دلالته لا تشمل جميع الأفراد الذين يشير إليهم، بل تكون دلالته خاصة (عام يُراد به الخصوص). وأن يكون اللفظ عامًا في صياغته ودلالته لكن الحكم الوارد لا ينطبق على مدلول عموم الألفاظ (العام المخصوص). وأدوات التخصيص اللغوية المتصلة داخل نفس النص هي الاستثناء والشرط والوصف والغاية وبدل البعض من الكل.
هناك آليات خصوص منفصلة تقسم النص إلى مطلق ومقيد من خلال علاقة النصوص ببعضها، بحيث تكون بعض النصوص ذات دلالة عامة، لكن توجد نصوص أخرى تقيِّد عموم تلك الدلالة.
إن إزالة التعارض المتوهم بين أجزاء النص القرآني أو بين القرآن والسنة من خلال آليات النص على مستوى العام والخاص أو المحكم والمتشابه تقودنا إلى مناقشة دور القارئ في التعاطي مع النص من خلال التفسير والتأويل لاكتشاف دلالاته.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد