مفاجأة عيد ميلادي المئة… الجزء الأخير… بقلم: جورج فريد

d8acd988d8b1d8ac-d981d8b1d98ad8af مفاجأة عيد ميلادي المئة... الجزء الأخير... بقلم: جورج فريد

ثلاث مقابلات حدد لي مواعيدها فيلكس شوبنهاور ل “يطلعني” فيها بحسب تعبيره على مقتضيات وظيفتي و صلاحياتي وبروتوكولات أدائها والمرة الأخيرة كانت في اليوم السابق على تسلم مقاليد أمور الكوكب…

ثلاث مرات خرجت من بعدها أكثر حيرة وأقل علمًا بكل شيء، عن أي شيء حتى عن نفسي وكم ندمت على أني لم أرفض التكليف بحزم من البداية وليكن ما يكون.

دخلت سريري مثقلًا بالظنون، ولم يأت النوم إلا بطيئًا متثاقلًا وللعجب استيقظت مبكرًا نشطًا منشرحًا وإن كان بشيء من الشجن.

فأدركت في وهلة أني ولابد قد حلمت أحلامًا جميلة… وتألقت من الداخل بوهج شعرت بحرارته على مسامي عندما تذكرت بغير عناء أن ناتاشا كانت رفيقة أحلامي وبطلتها .

 كل ما هو منسي ليس ضائعًا ولا خوف عليه من الضياع…

يضيع الحاضر بقوة والمعلن المحكي، أما المكتوم والمسكوت عنه ففي الحفظ والصون…

منذ ضاعت ناتاشا قبل ثلاثين سنة وأنا أتجنب تذكرها وذكرها… أضعتها برعونة واستهتار كما يضيع تاجر روبابيكيا جاهل اللقية التي كانت كفيلة بتبديل شظف عيشه بحياة الرفاهية.

لم أعرف ناتاشا إلا لخمسة أسابيع… نبذتها أمها وجدتها اللتان كانتا تتناوبان على رعايتها بعد أن تبين لهما أن عيونها المغلقة منذ الولادة لن تنفتحا على الراجح أبدا… فتبنيتها -ولا أنكر لجمال منظرها- وكان عندي متسع من الوقت للاهتمام بكل شئونها.. وهي لم تكن بحاجة إلى اهتمامي إلا في رفقة اللعب وتوافه الأمور وما عدا عملية العثور على الطعام كانت تقوم بكل ما تقوم به قطة مستقلة.

كان إعجابي بها يزداد يوما عن يوم، بل ساعة عن ساعة، وكانت فرحتها بسماع صوتي يناديها وثقتها في تزداد بنفس القدر، وأنا خنت تلك الثقة البريئة العمياء.

بعد أيام قليلة اكتشفت أنني آخذ أضعاف ما أعطي في تلك العلاقة، وأن مرحها و فلسفتها في مواجهة الحياة التي كانت تعرف بدون ذرة شك أنها ظلمتها وحرمتها مما أعطته لغيرها، كانت تنعكس علي و مني طاقة إيجابية تفهم بغير شرح ولا تلقين أن العطاء مغبوط أكثر من الأخذ.

فما الذي حدث وكيف حين حانت ساعة العطاء الحقيقي، غير المشروط، بخلت على طاقة نور حياتي بالوفاء والإخلاص وبحثت عن حل رخيص يكلفني بعض المال لكن لا يكلفني التزامي بأعمال ومواعيد جرى العرف على الالتزام بها ولم ولن يتغير أي شيء في العالم إن لم نلتزم، إذًا بحثت عن أحد يعتني بها ريثما أغيب سفرة بضعة أيام ولما عدت عرفت أنها مفقودة منذ اليوم الثالث لسفري، وبمرور الوقت وتعاقب القطط نسيت ناتاشا وكأنما انمحت ذكراها.

في الحلم سمعت ناتاشا تكلمني بصوت بشري ولم أكن أرى شيئا بالمرة، كانت ترشدني إلى طريق طعامي وتناديني وتصفق لكي أتبع الصوت وعندما أسير في الاتجاه الصحيح، كانت تقول براڤو شطور يابو السعد، وعندما أنحرف عنه تقول لأ غلط، تعال هنا، ولا آجي أشيلك.

وأنا كنت في حالة نشوى لسماع صوتها واجتهد لتتبعها ولكن عند سماع آجي أشيلك كنت أحتج بوضوح تمامًا كما كانت تفعل معي في الزمان الخالي.

ذهبت إلى مراسم استلام المنصب، في حال عكس حال الهم الذي غادرت به مقابلة الأمس، ووشي زوغان عيني شوبنهاور بحيرته في أمري، حتى الأمس كان ذلك الكائن الذي يتعادل فيه احتمال البشرية باحتمال الروبوتية يلعب علي دور الأستاذ وتتفاخر نظرة الثقة في عينيه على حيرة عيني بأنه وإن كنت أنت رسميًا الملك، فأنا صانع الملك وأنت الذي تحتاجني.

روح پاستت التي منحتنيها ناتاشا في الحلم كانت تعلن عن وجودها حتى لو لم يرونها وتقول لهم حتى لو بدا لكم أنه أعمى يتيه في ظلام دائم فهو يرى ما لا تستطيعوا رؤيته.

انتهى.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات