مناقشة الهم السوري… “درويش بين القدر والمصير”… بقلم: د. وائل العظمة
تغطية خبرية يقدمها الدكتور وائل العظمة لندوة مناقشة كتاب د. حسام الدين درويش “درويش بين القدر والمصير” بموسم محاضرات الخريف بصالون تفكير.
بقلم: د. وائل العظمة

افتتح الدكتور وائل الحوار بتعريف سريع بالدكتور حسام وبكتابه، درويش بين القدر والمصير.
بدأ الحوار بمناقشة الريبية كمنهجٍٍ فلسفي للوصول إلى الحقيقة، والعلاقة بين تقلبات حياة الدكتور حسام ومفاجآتها التي تركت بصمات عميقة على الطفل حسام ، بدءً من قتل والده في ظروف غامضة إلى اضطراره للحياة في بيت عمه مع إخوته. ومقتل أخيه الصحفي على أيدي النظام البائد، ثم اضطراره لترك الدراسة في الصف التاسع رغم تفوقه لاحتراف النجارة لتأمين لقمة العيش له ولإخوته.
بقي خارج المدرسة سبع سنوات، ثم قرر أن يعود فقدم امتحان الثانوية العامة بشكل مستقل وكان الأول على المتقدمين وانتسب لكلية الفلسفة. لم يستطع حسام الحصول على وظيفة معيد رغم تفوقه بسبب سنه الأكبر نسبياً. فدرس الفلسفة في المدارس الثانوية.
ثم تخلى عن فكرة الوصول إلى يقين في مرحلة نضح فكره الفلسفي ورأى أن لكل حقيقة في الحياة وجه آخر له مبرراته، فاهتم بمعرفة مبررات كل فكرة والانفتاح على كل المناهج بدلاً من سجن عقله في فكرةٍ واحدة تحجبه عن تعلم ما يمكن أن تقدمه الأفكار الأخرى. ومنذ ذلك الوقت أصبح ديدنه عدم الاكتفاء بطرح فكرة دون طرح الفكرة المقابلة لدرجة أنه يحب أن يطرح الفكرة المغايرة إذا لم يوجد من يطرحها بحيث تكتمل الصورة. ولعل هذا ما دفعه لاختيار الهرمنوطيقية كموضوع لرسالة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة بوردو التي نال فيها أعلى درجة ممكنة. وقد أتاحت هذه المقاربة لحسام أن يكون على مسافة واحدة من كل الآراء، مما يعمق فهمه لها جميعاً، فالهرمنوطيقا أو التأويل يفترض دائماً أن هناك تأويل ما قبل إضافة تأويل جديد إليه كما يقول حسام.

ثم تطرق الحوار إلى الفيلسوف الراحل صادق جلال العظم الذي درس في كلية الفلسفة عندما كان حسام طالباً هناك، فوصفه بأنه كان نموذجاً يحمله حسام معه إلى اليوم لما يجب أن يكون عليه أستاذ الفلسفة. فمثلاً يتذكر حسام أنه سأله سؤالاً ففوجئ بأنه أجابه دون تصنع أو حرج بأنه لا يعلم، وليست عنده إجابة؛ رغم شهرته بمعرفته الموسوعية التي تتجلى في كتاباته النقدية. تحدث حسام عن جرأته وأصالته في التفكير الحر الذي لا يبالي أين يأخذه، كدأب الفيلسوف الحر الذي يحترم نفسه ولا يصادر على فكره بنتائج مسبقة مهما كانت عقابيله الاجتماعية عليه، وإن كان حسام ينقد صادق جلال العظم بأنه بعد حرب ١٩٦٧ كان نقده للشعب أكثر من نقده للسلطة ربما لأن النخبة التي كانت في السلطة بدت أقرب إلى تفكير صادق جلال العظم من سائر طبقات الشعب.
ثم تطرق الحديث إلى الفرق بين السلطة البنيوية التي تتجاوز الأشخاص وحتى وعي النخب التي تكلم عنها ميشيل فوكو من جهة والسلطة المتمثلة في أطرافٍ واعية التي تكلم عنها إدوار سعيد في كتابه الإستشراق. فاللون الأول من السلطة يبدو ضرورياً، بمعنى أنه لا يستند إلى أشخاص بعينهم يمكن لومهم بل يتجاوز الجميع مما يجعلها أخطر واكتشافها وتفكيكها أصعب من اللون الذي تكلم عنه إدوار سعيد. وبعدها تطرق الحديث للتمييز بين الاستشراق والاستغراب، وهما حركتان متضادتان ولكنهما تشتركان في الاجتزاء والمبالغة وتشويه الآخر. وأسوء حالة هي أولئك الذين يتبنون الاستشراق كمصدر لوعيهم بأنفسهم وثقافتهم بشكل منفعل ومقلد، ويوجد العديد منهم في بلادنا العربية.
جرى الحديث عن القرار المصيري الذي اتخذه حسام عندما قرر أن يترك النجارة، فسأله زميله النجار ”أبو نعسو“، لماذا تريد أن تترك النجارة وأنت ناجح فيها لتذهب وتدرس الفلسفة، ثم تصبح مدرساً في المدارس الثانوية بدخل يعادل ثلث ما تحصله الآن؟ يومها أصر حسام على أهمية دراسة وتدريس الفلسفة بالنسبة له.
ولكن عندما وجد نفسه فيما بعد مدرساً للفلسفة في المدارس الثانوية شعر بأنه أخطأ بعدم أخذه نصيحة أبي نعسو على محمل الجد، ولكنه لم يشعرأبداً بالندم. بل على العكس، شعر أنه يحب الاستمتاع بخطئه إلى أقصى درجة ممكنة، وبدا له أحياناً أن” الأخطاء والخطايا أجمل ما في الحياة“. ويعلل حسام ذلك بأن الفعل لا يقاس دوماً بما يؤدي إليه، بل يقاس بالقيمة التي يضيفها لصاحبه، وهي هنا الحرية والقدرة على الفعل الخاطئ والشعور بالفاعلية، وهذا الشعور بالقيمة شيء مهم، فالأفعال لا يمكن أن تقاس بنتائجها فقط بل بقيمتها بالنسبة للإنسان. ويضرب مثالاً على ذلك عندما اعتقد معظم السوريين فشل الثورة السورية وتناقص أمل انتصارها لما يقرب من العدم، ولكنه شعر وقتها أن الثورة ضرورة حتى ولو فشلت، لأنها تمنح السوريين قيمة أخلاقية متأصلة في من يتطلع إلى الحرية والعدالة والكرامة.
وتطرق النقاش في القسم الأخير من الحوار ومشاركة الحضور بعده إلى الوضع الحالي في سورية. وخطر التمزق الطائفي والإثني ونقص الوعي بثقافة المجتمعات المدنية والدولة الحديثة القائمة على القانون والعدل ومصالح الشعب التي تعلو على مصلحة العشيرة والطائفة وخطاب المظلوميات. وكان المتحاوران متفقان على أنه لا مستقبل لدولة تقوم على مجرد المظلوميات أو مفهوم الأغلبية والأقلية. واتفقا على أن مساحة سورية أصغر من تصلح أمورها كدولة فدرالية، وإن كانت اللا مركزية وتمكين كل أبناء الشعب أساساً صلباً يمكن أن تبنى عليه دولة القانون الحديثة.
أضف إلى هذا أن أغلب ما يدعى أقليات على أساس طائفي ليس محدوداً في المناطق التي ترشح للانفصال، فمثلاً الأكراد كإثنية يشكلون أقلية صغيرة في شمال شرق سوريا، وتوجد مجموعات كثيرة مبعثرة في عدة مناطق، والوسيلة الوحيدة للتقسيم تقتضي هجرات جماعية قسرية، على غرار التهجير الجماعي بعد استقلال الهند الذي تسبب بموت مئات الآلاف، إذاً هو خيار سيئ ومستحيل التطبيق.
أما الزعماء الدينيين فهم ليسوا منتخبين وتعوزهم الخبرة والاطلاع على بنية الدولة الحديثة وسياساتها، ولا يصلح معظم رجال الدين لما لم يتهيؤوا له. كما أن حكماً يستند إلى مرجعية طائفية يستبعد من لا يتفقون مع هذه المرجعية سواء من داخل أو خارج الطائفة، ولذلك لا بديل معقولاً لغير الدولة المدنية التي تعامل كل مواطنيها بالعدل والقانون على مسافةٍ واحدة دون تدخل في شؤونهم الدينية لا سلباً ولا إيجاباً، وبالمقابل يجب أن تحمي الدولة الوليدة حرية الجميع في التدين والدعوة إلى أفكارهم ضمن القانون العادل، الذي يشرعه مجلس برلماني منتخب ضمن الدستور. وكان هناك توافق من جميع من شارك على هذه المبادئ وعلى تمني الخير لسورية وشعبها.
للاستماع الى تسجيل صوتي للندوة علي راديو تفكير علي تليجرام اضغط هنا
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد