نَشْوَةُ الجَلَّادِ.. الجزء الأول .. ترجمة: أنطونيوس نبيل

طبيب وشاعر وملحن.

d8a7d986d8b7d988d986d98ad988d8b3-d986d8a8d98ad984-d8b4d8a7d8b9d8b1-d988d985d984d8add986 نَشْوَةُ الجَلَّادِ.. الجزء الأول .. ترجمة: أنطونيوس نبيل

بَغْتَةً في ليلةٍ رَبِيعِيَّةٍ دَافِئَةٍ دَوَّتْ طَرَقاتٌ غَيْرُ مُنْتَظِمَةٍ في الخَارِجِ، وبَعْدَ الدَّقَّاتِ السِّتِّ الأولى للمِطْرَقَةِ جَأَرَ صَوْتٌ أَجَشُّ -لا نَغْمَ فِيهِ ولا إِيقَاعَ- بِمَا يُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ أُغْنِيَةً.
في غُرْفَةٍ رَغِيدةٍ جَيِّدَةِ الإضاءةِ كَمَا هُو مَعْهُودٌ في الثُّكُنَاتِ العَسْكَرِيَّةِ، كان شابٌ أَنِيقٌ مِنْ حَاشِيَةِ الحَاكِمِ في زيارةٍ لصديقِهِ قَائِدِ المِائةِ، وحَالَمَا تَنَاهَى الصَّوْتُ الأَجَشُّ إلى مَسْمَعِ الشَّابِ غَضَّنَ أَنْفَهُ تَقَزُّزًا وسألَ صَدِيقَهَ: “أَتَسْتَمْتِعُ بِهَذَا الضَّجِيجِ المَقِيتِ؟”

أَجَابَهُ قَائِدُ المِائَةِ: “قَسَمًا بالإله الثَّوْرِ، لا! لكنَّ الأَمْرَ سَيَتَعدَّى حُدُودَ سُلْطَتِي عَلَى جُنُودِي إنْ أَمَرْتُهُ بِأَنْ يَخْرَسَ، أَلَا تَعْرِفُ مَنْ هُوَ؟”

قال الشَّابُ الأَنِيق وهو يَرْفَعُ كَأسَ النَّبِيذِ إلى فَمِهِ ويَرْتَشِفُ مِنْهُ مُسْتَلِذًّا: “كَيْفَ لِي أَنْ أَعْرِفَهُ؟ إنَّ هذا النبيذَ السَّامُوسِيَّ الخَاصَّ بِكَ لَعَظِيمُ الرَّوْعَةِ؛ فإنَّ مَذَاقَهُ العَذْبَ وَشَذَاهُ الزَّكِيَّ يَحُضَّانِ شَفَتَيْيَّ عَلَى أَنْ يُسْهِبَا في مَدْحِهِ، أَخْبِرْنِي مَنْ يَشْحِنُهُ لَكَ مِنْ جَزِيْرَةِ سَامُوس إِلَى هُنَا؟”

أَجَابَهُ قائِدُ المِائَةِ: “جَلَبَهُ لِي واحدٌ مِنْ أراذلِ اليُونَانِيِّين، إنْ شِئْتَ أَحْضَرْتُ لَكَ دَنًّا. فَلْنَعُدْ إِلَى مَا كُنْتُ أَقُولُهُ لَكَ: أَلَا تَعْرِفُهُ حَقًّا؟”

قَالَ لَهُ الشَّابُ الوَسِيمُ بِنَبْرَةٍ مُشَبَّعَةٍ بالسُّخْرِيَّةِ: “إنِّي لَا أُخَادِنُ عَامَّةَ الجُنُودِ.”

قَالَ قائِدُ المِائَةِ: “أَيَعْنِي لَكَ أيَّ شيءٍ اسمُ ديكيوس أَسكولوس؟” وحِينَمَا رَأى بَشَائِرَ الإِدْرَاكِ تَلُوحُ على وَجْهَ صَدِيقِهِ، ابتسمَ ابتسامةً خَافِتَةً. اِنْثَنَى الشَّابُ الوَسِيمُ في مَقْعَدِهِ إِلَى الأَمَامِ مُسْتَوْفِزًا وهُوَ يَقُولُ بِصَوْتٍ يَقْطُرُ حَمَاسًا وتَشَوُّفًا: “أَتَقْصُدُ مَنْ يُطْلُقُونَ عَلِيْهِ لَقَبَ الخبيرِ؟ هَلْ هُوَ حَقًّا فِي زُمْرَةِ جُنُودِكَ؟”

“نَعَمْ! يُدْهِشُنِي أَنِّي لَمْ أُخْبِرْكَ بهذا مِنْ قَبْلُ. أَتَوَدُّ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ؟” قَفَزَ الشَّابُ الأنِيقُ نَاهِضًا مِنْ جلستِهِ صَائِحًا: “قَطْعًا أَتُوقُ إلى رؤيتِهِ.” واتَّجَهَ بِرِفْقَةِ قائِدِ المِائَةِ إِلَى الشُّرْفَةِ المُطِلَّةِ عَلَى سَاحَةِ الثُّكْنَةِ العَسْكَرِيَّةِ وحَدَّقَ إِلَى أَسْفَلَ.

كان رَجُلٌ بَدِينٌ عَارٍ حتَّى الخَصْرِ في هواءِ اللَّيلِ السَّاخِنِ، يَعْمَلُ عَلَى طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ غَيْرِ صَقِيلَةٍ، مُسْتَضِيئًا بِلَهِيبِ مَشْعَلِ يَحْمِلُهُ جُنْدِيٌّ شَابٌ. كانَ عَمَلُهُ تَشْكِيلَ مَسَامِيرَ بُرُونْزِيَّةٍ كَبِيرةٍ باستخدامِ مِطْرَقَةٍ وكانت كُلُّ طَرْقَةٍ تَغْمُرُ سَاحَةَ الثُّكْنَةِ العَسْكَرِيَّةِ بفَيْضٍ مِنْ أَصْدَاءِ الرَّنِينِ.

قَالَ الشَّابُ الأَنِيقُ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ وَاضَعًا يَدَهُ عَلَى ذِرَاعِ صِدِيقِهِ قَائِدِ المِائَةِ: “إذًا هذا هو الخَبِيرُ ذائعُ الصِّيتِ!”

“نَعَمْ! السَّبَبُ الذي يَدْفَعُهُ إِلَى الغِنَاءِ بهذه الطَّرِيقةِ هو أَنَّ هُنَاكَ ثَلَاثَةَ أَعْمَالٍ تَنْتَظرُ مِنْهُ أَنْ يُتِمَّهَا غَدًا، مَعَ إقرَارِي بأنَّ غِنَاءَهُ بَغِيضٌ لكنَّ هَذَا دَيْدَنَهُ عِنْدَمَا تَتَّقِدُ نَفْسُهُ إِثَارَةً وتَرَقُّبًا.”

“هل هو جَيِّدٌ في عَمَلِهِ كَمَا يُشاعُ عَنْهُ؟”

“بَلْ يَتَجَاوَزُ حَدَّ البَرَاعَةِ، إنَّهُ بَالِغُ الدِّقَّةِ وشَدِيدُ الحِرْصِ وعَظِيمُ الإتْقَانِ ويَتَّسِمُ بِكُلِّ الصِفَاتِ البَاهِرَةِ التي تَجْعَلُ عَمَلَهُ لَا يُضَاهَى عَلَى الإِطْلَاقِ. يَجِبُ عَلَيكَ أَنْ تَرَاهُ أثَنَاءَ عَمَلِهِ لتُدْرِكَ عَظَمَتَهُ! إنْ شِئْتَ، سَأُدَبِّرُ لَكَ فُرْصَةً لمُشَاهَدَتِهِ غَدًا.”

اِرْتَجَفَ الشَّابُ الوَسِيمُ اِرْتِجَافَةً جَذَّابَةً قَائِلًا: “إنَّهَا فِكْرَةٌ تُثِيرُنِي، قَطْعًا لَا أَرَاهَا أَمْرًا يَسِيرًا يُسْتَخَفُّ بِهِ كَمَا يَرَاهَا قَائِدٌ مِغْوَارٌ عَرَكَتْهُ الحروبُ مَثْلُكَ، لكنْ يَنْبَغِي للمَرْءِ أَلَّا يَدَعَ فُرْصَةً تُتِيحُ لَهُ أَنْ يَصِيرَ أَكْثَر جَسَارَةً وأَشَدَّ خُشُونَةً، أَلَيْسَ كذلك؟”

“صَدِّقْنِي، سَيُغَادِرُكَ الخَوْفَ سَرِيعًا، فَحِينَ تُشَاهِدُ خَبِيرًا حَقِيقيًّا مِثْلَهُ فإنَّكَ لَنْ تَشْعُرَ إلَّا بِلَذَّةٍ خَالِصَةٍ تَنْبَجِسُ طُوفَانًا فِي نَفْسِكَ.”

تَوَقَّفَ ديكيوس أَسكُولُوس عَنِ الغِنَاءِ -لقد كَانَ يؤدِّي أُغْنِيَةً مَاجِنَةٍ مِنْ أُغْنِيَاتِ المَواخِيرِ تُدْعَى “الرُّمْحُ والهَدَفُ [رَابِي المَجَسَّةِ بالعَبِيرِ مُقَرْمَدِ]” والتي لَمْ يَكُنْ لَهَا علاقةٌ بأَيّ رِمَاحٍ أَوْ أَهْدَافٍ. نَظَرَ عَالِيًا إلى الشُّرْفَةِ المُطِلَّةِ على السَّاحَةِ، فانْشَقَّ وَجْهُهُ ذُو اللُّغْدِ عَنْ اِبْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ كَادَتْ تَطْمِرُ عَيْنَيْهِ تَمَامًا تَحْتَ لِفَافَاتٍ مُغَضَّنَةٍ مِنْ اللَّحْمِ الشَّحِيمِ، ثُمَّ قَالَ: “أُرَاهِنُكَ -بديناريوس فِضِّيٍّ مِنِّي مُقَابِلَ حَرْشَفَةِ سَمَكَةٍ مِنْكَ- عَلَى أنَّ قَائِدَ المِائَةِ يَعِدُ خَلِيلَهُ المُتَأَنِّقَ بأنَّهُ سَيَسْتَصْحِبَهُ غَدًا إلى أعلى التَّلِّ!” غَصَّ الجُنْدِيُّ الشَّابُ بِرِيقِهِ وَاخْتَلَجَ المَشْعَلُ فِي يَدِهِ حِينَمَا سَمِعَ عبارةَ “أعلى التَّلِّ” لِمَا كانتْ تُضْمِرُهُ مِنْ هَوْلٍ خَلْفَ كَلِمَاتِهَا البَرِيئَةِ.

قال الرَّجُلُ الضَّخْمُ: “أَأَنْتَ مُكَلَّفٌ بأنْ تَكُونَ فِي مُهِمَّةِ تَنْفِيذِ حُكْمِ الإِعْدَامِ غَدًا يَا بُنَيَّ؟” أومَأَ الجُنْدِيُّ الصَّبِيُّ بِرَأْسِهِ فَاسْتَطْرَدَ البَدِينُ قائِلًا: “إنَّها المَرَّةُ الأُولَى لَكَ، أَلَيْسَ كذلك؟” أَجَابَهُ الجُنْدِيُّ مُتَلَعْثِمًا: “بلى، إنَّهَا أَوَّلُ مَرَّةٍ.”

“لَا تَقْلَقْ، سُرْعَانَ ما تَأْلَفُ الأَمْرَ وتُزَايلُكَ كُلُّ خَشْيَةٍ.”

اِلْتَقَطَ ديكيوس أسكلولوس أَحَدَ المَسَامِيرِ التي قَوَّمَهَا بِمِطْرَقَتِهِ، وأَنْعَمَ النَّظَرَ فِيهِ مُتَفَحِّصًا، وَضَعَ مِطْرَقَتَهُ جَانِبًا ليُمْسِكَ بِمِبْرَدٍ، وبَيْنَمَا كَانَ يَصْنَعُ بِمِبْرَدِهِ المَحْمُومِ شُوَيْكَاتٍ عَلَى الطَّرَفِ المُسْتَدَقِّ مِن المِسْمَارِ لِيَتَأَكَّدَ مِن أنَّهُ لَنْ يُقْتَلَعَ مِنْ مَوْضِعِهِ بِسُهُولةٍ، اِخْتَرَقَ الصَّرِيرُ الصَّاخِبُ -المُنْهِكُ للأَعْصَابِ والنَّاجِمُ عَنِ الكَشْطِ المَعْدِنِيِّ الدَّءُوبِ- بَقِيَّةَ الحَدِيثِ الدَّائِرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّبِيِّ.

قَالَ ديكيوس: “بالإِضَافَةِ إلى ذلك، فإنَّ حَفَلاتِ الإعدامِ في وَقْتِنَا الرَّاهِنِ لا تُقَارنُ ألبتَّةَ بِمَا كانَتْ عَلَيْهِ في العُهُودِ الغَابِرَةِ، هَلْ سَمِعْتَ يَوْمًا عَنْ ثَوْرَةِ العِبِيدِ؟ عِنْدَمَا نَجَحُوا في حَلِّ تِلْكَ المُعْضِلَةِ، صَلَبُوا عَلَى جَوَانِبِ الطُرُقِ مِن العَبِيدِ مَا يَنِيفُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ؛ لِيَكُونُوا عِبْرَةً تَتَعِظُ بِعَوِيلِهَا الجَمَاهِيرُ ودَرْسًا حَاسِمًا تَتَلُوهُ عَلَيْهِم المَسَامِيرُ، إِنْ جازَ لِي هذا التَعِبيرُ.”

انتهى مِنْ المِسْمَارِ الأوَّلِ، وَالْتَقَطَ آخرَ وشَرَعَ فِي كَشْطِهِ بالمِبْرَدِ، ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ حَدِيثَهُ: “كَثِيرًا ما وَدَدْتُ لَوْ أَنِّي كُنْتُ هُناكَ آنَذاكَ. أُرَاهِنُكَ -بديناريوس فِضِّيٍّ مِنِّي مُقَابِلَ حَرْشَفَةِ سَمَكَةٍ مِنْكَ- عَلَى أنَّ العَمَلَ الذي تَمَّ في تلك الحَفْلَةِ المُكْتَظَّةِ بالصُّلْبَانِ كَانَ مَشْوبًا بالإهْمَالِ والعَجَلَةِ وحَافِلًا بِالأَخْطَاءِ الفَادِحَةِ. يَا بُنَيَّ، لَيْسَ كُلُّ شَخْصٍ لَدَيْهِ المَوْهِبَةُ والدُّرْبَةُ عَلَى إِتْقَانِ هذا العَمَلِ والإِبْدَاعِ فِيهِ.”

غَمْغَمْ الجُنْدِيُّ الشَّابُ بِشَيءٍ ما.

اِسْتَأْنَفَ ديكيوس أَسكولوس حَدِيثَهُ: “أَتَعْلَمُ بِمَا يُلَقِّبونَنِي؟ يَدْعُونَنِي الخَبِيرَ، لَيْسَ مُجَرَّدَ خَبِيرٍ، بَلْ الخَبِيرَ باللَّامِ العَهْدِيَّةِ. إنَّهُمْ يَبْعَثُونَ لِي بالمُبْتَدِئِينَ كَيْ أَقُومَ بِتَدْرِيبِهِمْ.” اِخْتَلَسَ نَظْرَةً إلى أَعْلَى مُصَوِّبًا نَاظِرَيْهِ مُبَاشَرَةً فِي عَيْنَيِ الشَّابِ وقَالَ يُمْحِضُهُ النُّصْحَ: “مَا دَامَتِ الفُرْصَةُ مُتَاحةً لَكَ فَاغْتَنِمْهَا، رَاقِبْ بِعَيْنٍ يَقْظَى كُلَّ ما يَجْرِي أَعْلَى التَّلِّ غَدًا وفِي أيِّ وَقتٍ آخرَ وأَنْعِمْ النَّظَرَ إِلَيْهِ مِنْ كَثَبٍ غَيْرَ مُشِيحٍ بِوَجْهِكَ عَنْهُ لُحَيْظَةً واحدةً أَوْ طَرْفَةَ عَيْنٍ. لَعَلَّ فَخْرَكَ بأنَّكَ تَعَلَّمْتَ دَقَائِقَ هذا العَمَلِ وحِيَلَهُ السِّرِّيَّةَ عَلَى يَدِ ديكيوس أسكولوس الخَبِير الذي لَا مَثِيلَ لَهُ، يَغْدُو فِي مُقْتَبَلِ الأَيَّامِ طَرِيقَكَ اللَّاحِبَ إلى الظَّفَرِ بِمُكَافَأةٍ أو إِحْرَازِ تَرقِيَّةِ مَنْشُودَةٍ. سأُقَدِّمُ لَكَ مَعْرُوفًا خَاصًّا أَثْمَنَ مِنْ كُلِّ نَصَائِحَ أُسْدِيهَا لَكَ، لأنَّكَ شَابٌ صالحٌ ولأنِّي أُحْبُّكَ. أَعْطِنِي يَدَكَ.”

تَرَدَّدَ الجُنْدِيُّ الشَّابُ، فَمَدَّ ديكيوس أسكولوس قَبْضَتَهُ القَوِّيَّةَ وأَطْبَقَهَا عَلَى مِعْصَمِ الشَّابِ فُجَاءَةً، وبِمَهَارَةٍ مُكْتَسَبَةٍ مِنَ التَّمَرُّسِ المُثَابِرِ قَلَبَ يَدَ الشَّابُ، وبَاعَدَ أَصَابِعَهُ إلى الخَلْفِ، وَقَيَّدَ حَرَكَتَهُمْ بِإِبْهَامِهِ، بينما كَانَ يَصْطَفِي باليَدِ الأخرى مِسْمَارًا مُعَدًّا للاِسْتِخْدَامِ مِنْ فَوْقِ الطَّاولَةِ.

قَالَ: “أَرَأَيْتَ؟ مَهْمَا اِنْقَبَضُوا هَلَعًا وقَاوَمُوا جَاهِدِينَ، يُمْكِنُكَ دائِمًا أَنْ تَبْسِطَ أَيَادِيهم لتَجْعَلَهَا مُهَيَّأَةً لِمَا سَتَقُومَ بِهِ. حَافِظْ عَلَى اليَدَ التي بَسَطْتَهَا ثَابِتَةً، هذا أَمْرٌ في غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ. لقدْ رَأَيْتُ مَنْ يَقُومُ بهذا العَمَلِ بإِهْمَالٍ أَخْرَقَ وإخْفَاقٍ ذَرِيعٍ إلى حَدٍّ لا يُصَدَّقُ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلَى المَرْءِ إلَّا أَنْ يَسْحَبَ يَدَهُ فَحَسْبُ حَتَّى يَنْتَزِعَهَا عَلَى نَحْوٍ مُؤَكَّد ويُحَرِّرَهَا مُمَزَّقَةً وذلك لأنَّ المِسْمَارَ الذي يُثَبِّتُهَا لَمْ يَكُنْ يَخْتَرِقْهَا فِي المَوْضِعَ الصَّحِيحَ. سَتَظُنُّ أنَّ تَحْرِيرَ اليَدِ بهذه الطَّرِيقةِ لَهُوَ أَمْرٌ مُؤْلِمٌ، لكنَّ الإنسانَ المُعَلَّقَ عَاليًا لِيَصْطَلِيَ سَعِيرَ العَطَشِ والمُوقِنَ بأنَّهُ مَيِّتٌ لا مَحَالَةَ إنْ لَمْ يَسْحَبْ يَدَهُ، لَنْ يُبَاليَ بأنَّ يُمَزِّقَ أَحَدَ أَصَابِعِهِ فِي سَبِيلِ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنَ المِسْمَارِ.”

فِي ضَوْءُ المَشْعَلِ، بَدَا وَجْهُ الصَّبِيّ شَاحِبًا للغَايَةِ، وبَدَتْ يَدُهُ الوَانِيةُ [كأنَّهَا عُصْفُورٌ عَاجِزٌ] فِي قَبْضَةِ الرَّجُلِ الضَّخْمِ.

قالَ ديكيوس أسكولوس وهو يَضَعُ ظُبَّةَ المِسْمَارِ عَلَى رَاحَةِ يَدِ الجُنْدِيّ بِعِنَايَةٍ: “عَلَيْكَ أَنْ تَضَعَهُ هُنا بالضَّبْطِ. أَرَأَيْتَ؟ عَلَيْكَ دَائِمًا أَنْ تَضَعَ المِسْمَارَ فِي مُنْتَصَفِ اليَدِ!” ثُمَّ وَخَزَ يَدَ الشَّابِ بَغْتَةً بالمِسْمَارِ كأنَّهُ سَيَغْرِزُهُ فِيهَا، وأَخَذَ يُقَهْقِهُ بِضَجَّةٍ جَشَّاءَ حِينَمَا اِنْحَنَى الصَّبِيُّ إلى الأمامِ أَلَمًا -مُسْقِطًا المَشْعَلِ أَرْضًا وقَدْ غَثِيَتْ نَفْسُهُ- لِيَتَقَيَّأَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ.

انضم مع 82 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات