نَشْوَةُ الجَلَّادِ.. الجزء الثاني .. ترجمة: أنطونيوس نبيل

طبيب وشاعر وملحن.

d8a7d986d8b7d988d986d98ad988d8b3-d986d8a8d98ad984-d8b4d8a7d8b9d8b1-d988d985d984d8add986 نَشْوَةُ الجَلَّادِ.. الجزء الثاني .. ترجمة: أنطونيوس نبيل

لَمْ يَكُنْ نَهَارًا سَيِّئًا، وكانَ هُناكَ حَشْدٌ لا بَأْسَ بِهِ يَتْبَعُ الرِّجَالَ المُدَانِينَ. كَانَ المَحْكُومُ عَلَيْهِمْ بالإعدامِ ثلاثَةً. وعَلَى الرُّغْمِ مِنْ أنَّ ثَلَاثَةً قَطْعًا خَيْرٌ مِن اثنَيْنِ كَمَا أنَّ اثْنَينِ خَيْرٌ مِنْ واحِد، فإنَّ ديكيوس أسكلولوس كانَ يَتَنَهَّدُ كُلَّمَا فَكَّرَ فِيمَا أَعْقَبَ ثَوْرَةَ العَبِيدِ مِن مَأْدُبَةٍ عَامِرَةٍ بالمَسَامِيرِ وزَاخِرَةٍ بالدِّمَاءِ ويَتَحَسَّرُ على أنَّ تِلكَ الحَفْلَةَ السَّاحِرَةَ كانتْ قَدْ أُقِيمَتْ وَانْقَضَتْ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ بِزَمَانٍ مَدِيدٍ. خَمْسَةُ آلافٍ ونَيِّفٌ مُعَلَّقُونَ طُعْمَةً للغِرْبَانِ! آهٍ، يَا لَهَا مِنْ حَفْلَةِ إعدامٍ عَظِيمَةٍ! أَمَّا هو -الخَبِيرَ النِّطَاسِيَّ الذي تَفَرَّعَ هَامَةِ البَرَاعَةِ وتَسَنَّمَ قُنَّةَ الدِّقَّةِ- فأَقْصَى مَا تَعَامَلَ مَعَهُ فِي الحَفْلَةِ الوَاحِدَةِ كانَ طَاقِمَ سَفِينةِ قَرَاصِنَةٍ تَمَّ أَسْرِهَا قُرْبَ مَرْفَإِ مَدِينَةِ قَيْسَارِيَّةَ: الطاقِمَ الهَزِيلَ الذي لَمْ يَتَجَاوزْ عَددُهُ الاِثْنَيْ عَشَرَ شَخْصًا، لكنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ مِنْ هذه الحَقِيقَةِ عُذْرًا للتَّقْصِيرِ في إِنْجَازِ عَمَلِهِ على أكَمَلِ وَجْهٍ.

لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ هُمْ الثَّلاثةُ المُدَانُونَ المَنْذُورُونَ لطَابُورِ الإعدامِ في هذا اليَوْمِ؛ فَقَلَّمَا كانَ يَكْتَرثُ بِأمورٍ مِنْ هذا القِبيلِ. لَكِنْ بينما كان واقِفًا بِيْنَ الأعمدةِ الخَشَبِيَّةِ القَائِمَةِ أَعْلَى التَّل يَتَرَقَّبَ وصولَ المُدَانِينَ -الذينَ كانُوا يُجْلَدُونَ على طُولِ الطَّرِيقِ بالسِّيَاطِ الضَّارِيَةِ حَامِلِينَ عَوَارضَ صُلْبَانِهِمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ العَارِيَةِ- اِلْتَفَتَ إلى أَحَدِ مُسَاعِدِيهِ لِيَسَأَلَ: “مَنْ هُمْ؟”

أَجَابَهُ المُسَاعِدُ: “لِصَّانِ، وهذا هُوَ الرَّجُلُ المُقَدَّسُ الذي كَانَ يُثِيرُ ضَجَّةً كَبِيرةً وَجِدَالًا مُسْتَعِرًّا فِي المَدِينَةِ مُؤَخَّرًا.”

فَكَّرَ ديكيوسُ أسكولوس قائِلًا في نَفْسِهِ: “يا لَهُمْ مِنْ أَرَاذِلِ بَشَرٍ لَا قِيمةَ لَهُمْ!” ثُمَّ عَادَ إِلَى حَيْثُ وَضَعَ مَسَامِيرَهُ وَمِطْرَقَتَهُ وَجَلَسَ يَفْحَصَهُمْ مِنْ جَدِيدٍ. وعندما حَانَتْ لَحْظَةِ العَمَلِ أَخِيرًا ، ابتسمَ ابتسامةً عَرِيضَةً ونَهَضَ واقِفًا يَحُكُّ يَدًا بِيَدٍ فَرَحًا، ثُمَّ طَفَقَ يُصْدِرُ أَوَامِرَهُ بنبرةٍ َحازِمَةٍ -كأنَّهُ قائدٌ عسكريٌّ يُخَطِّطُ لِمَعْرَكةٍ- مُدْرِكًا تَمَامَ الإِدْرَاكِ أنَّ وَسْطَ الحَشْدِ عَدَدًا وَافِرًا مِنَ المُعْجَبِينَ بِهِ: اِرْفَعُوا العَوارضَ الخَشَبِيَّةَ! ضَعُوا الحِبَالَ فَوْقَ عَوَارضِ الصُّلْبَانِ! مُدُّوا أَذْرُعَهُمْ وأَوْثِقُوهَا بالحِبَالِ! اِسْحَبُوهَا أَكْثَرَ! ثَبِّتُوهَا بإِحْكَامٍ!

بَصَقَ عَلَى يَدَيْهِ والتقطَ المِسْمَارَ الأوَّلَ.

هَا هُوَ ذَا فِي ذروةِ مَجْدِهِ، لَقَدْ خُلِقَ مِنْ أَجْلِ هَذَهِ اللَّحَظَاتِ الجَلِيلَةِ التي صَارَتِ الجَوْهَرَ الحَقِيقيَّ لوجودِهِ والتي تَتَجَلَّى فِيهَا التَّفَاصِيلُ الدَّقِيقَةُ لِعَمَلِهِ حِينَ يُمْسِكُ المِسْمَارَ بَيْنَ إِبْهَامِهِ وسَبَّابَتِهِ فِي وَضَعٍ مَضْبُوطٍ بِعِنَايةٍ وخِنْصَرُهُ مُمْتَدٌّ كأنَّهُ سَفُّودٌ مِنَ حَدِيدٍ ويُثَبِّتُ أَصَابِعَ الرَّجُلِ المُدَانِ مَبْسُوطَةً عَلَى الخَشَبِ وهو يُدَقِّقُ في إِجْرَاءِ تَعْدِيلَاتٍ أخِيرَةٍ، ثُمَّ يَضْرِبُ بمِطْرَقَتِهِ ضَرْبَةً حَاسِمَةً مُدَوِّيَةٍ كأنَّهَا الصَّاخَّةُ. أحيانًا كانَ المُدَانُونَ يَصْرُخُونَ حَالَمَا تُبَاغِتُهُمْ الضَّرْبَةُ الهَائِلَةُ الواحِدَةِ لمِطْرَقَتِهِ التي تَغْرِزُ المِسْمَارَ فِي لَحْمِهِمْ وعَظْمِهِم بِجَلَبَةٍ عَظِيمةٍ، وأحيانًا أُخْرَى كانَ المُدَانُونَ ضَرْبَتَئِذٍ يُغْمِيَ عَلَيْهِمْ، أمَّا ديكيوس أَسكولوس فَكَانَ يَشْتَهِي دائِمًا أَنْ يَسْمَعَهُمْ يَصْرُخُونَ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ عَلَي أنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ مِمَّا يَشِي بأنَّهُمْ عَلَى الأرجَحِ سَيَظَلُّونَ أَحْيَاءً لِوَقتٍ أَطْوَلَ عَلَى الصُّلْبانِ. كَانَ يُفَاخِرُ بأنَّهُ -مَا لَمْ تَكنْ هُنَاكَ عُجْرَةٌ فِي خَشَبِ عَارِضَةِ الصَّلِيبِ- لَمْ يَحْتَجْ قَطُّ إلى أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَتَيْن ليُنْجِزَ الأَمْرَ خَيْرَ إِنْجَازٍ: الأولى ضَرْبَةٌ هَائِلَةٌ رَئِيسَةٌ لغَرْزِ والثَّانِيَةُ نَقْرَةٌ طَفِيفَةٌ لِعَقْفِ المِسْمَارِ إِلَى أَعْلَى حَتَّى يَتَقَوَّسَ فَوْقَ اليَدِ ويَضْغَطَهَا بِقُوَّةِ عَلَى الخَشَبِ فَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَزَحْزَحَ مِنْ مَوْضِعَهَا أَبَدًا.

طَفَقَتِ الدِّمَاءُ تَقْطُرُ مِنَ ثُّقْبَيِ اليَدَيْنِ، فَاحْتَشَدَ الذُّبَابُ مِن فَوْرِهِ عَلَى النُّهَيْراتِ القَانِيَةِ يَمْتَصُّهَا بِنَهَمٍ صَاخِبٍ، ثُمَّ طَلَب ديكيوسُ أسكولوس مِنْ مُسَاعِدِيهِ أَنْ يُحْضِرُوا لَهُ أَحَدَ المَسَامِيرِ الأَكْبَرِ حَجْمًا وبَدَأَ يَتَعَهَّدَ القَدَمَيْنِ باهتمامِهِ: قَامَ أوَّلًا بِإزَالَةِ الحِبَالِ التي كانتْ تَشُدُّ الذِّرَاعَيْنِ إلى العَارِضَةِ أَثْنَاءَ تَثْبِيتِ اليَدَيْنِ بالمَسَامِيرِ؛ لأَنَّهُ سيَكُونُ مِنْ شِبْهِ المُحَالِ أَنْ يَتَمَكَّنَ المُدَانُ مِن هَزْهَزَةِ سَاقَيْهِ ومُحَاوَلةِ رَكْلِهِ، حِينَمَا يَكُونُ وَزْنُ جَسَدِهِ بأَكْمَلِهِ مَحْمُولًا عَلَى مِسْمَارَيْنِ مَغْرُوزَيْنِ فِي مُنْتَصَفِ يَدَيْهِ. لَقَدْ عَلَمَتْهُ المُمَارَسَةُ الطَّوِيلَةُ كَيْفَ يَضُمُّ كَاحِلَيِ المُدَانِ كِلَيْهُمَا فِي قَبْضَةٍ وَاحِدَةٍ كَمِلْزَمَةِ الحَدَّادِ فِي قُوَّتِها، ويَدْفَعُهُمَا بِعُنْفٍ ليَلْتَصِقَا بالعَمُودِ الخَشَبِيِّ، ويَقْصِمُ القَدَمَيْنِ إلى أَسْفَلَ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ يُرْدِفُ ضَرْبَةَ الرًّكْبَةِ بِضَرْبَةٍ مِنْ مِطْرَقَتِهِ تَغْرِزُ المِسْمَارَ الأخِيرَ. كانتْ القَدَمَانِ تَنْزِفَانِ عَادَةً أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ اليَدَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ ذلكَ أَمْرًا مُفَاجِئًا ألْبَتَّةَ.

كانَ هُناكَ لَغَطٌ عَارِمٌ يَتَصَاعَدُ مِنَ بَيْنِ الحَشْدِ، لكنَّ ديكيوسَ لَمْ يَكَدْ يَفْطِنُ لَهُ؛ فَقَدْ كَانَ مُنْخَرِطًا بِكَامِلِ تَرْكِيزِهِ فِيمَا يَفْعَلُهُ إِلَى الحَدِّ الذي كانَ فِيهِ رَأْسُهُ يَئِزُّ كَالمِرْجَلِ وأَنَفَاسُهُ تَتَسَارعُ كأنَّهَا خَفَقَانِ أَجْنِحَةِ فَرَاشَاتٍ تُحَلِّقُ نَحْوَ لَهِيبٍ مُغْوٍ وفَمُ مَعِدَتِهِ يَزْدَادُ اِنْقِبَاضًا أَكْثَرَ فأَكْثَرَ، وهكذا كَانَ حَالُهُ دائمًا عِنْدَمَا يَنْكَبُّ عَلَى عَمَلِهِ.

إنَّ رُؤْيَةَ المِسْمَارِ وهو يَجْعَلُ مِنْ اللَّحْمِ بيتًا لَهُ ومُشَاهَدَةَ الَّدَمِ وهُوَ يَسِيلُ ومُرَاقَبَةَ الذُّبَابِ وهُوَ يَحُطُّ عَلَيْهِ ويَنْغَبُ مِنْ دِفْئِهِ غَرِدًا، كَانَتْ بالنسبةِ لديكيوس أسكولوس أَشْهَى مِنَ الطَّعَامِ والنبيذِ، بَلْ كَادَتْ تَكُونُ فِي عَيْنَيْهِ أشَهْى مِنَ النِّسَاءِ، لكنَّهُ كُلَّمَا أتَمَّ عَمَلَهُ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، كانَ يُخْبِرُ نِسَاءَ المَدِينَةِ بِمَا صَنَعَهُ: كَانَ عَدَدُ مَنْ يُخْبِرُهُنَّ بأُعْجُوبَتِهِ يَبْلُغُ ثَمَانِيَ نِسَاءٍ أَوْ عَشْرًا قَبْلَ أنْ يَتَبَدَّدَ مَا يَجِيشُ في نَفْسِهِ مِن إِثَارةٍ مُحْتَدِمَةٍ.

كانَ اللِّصَّانِ مِنَ الصِّنْفِ الذي يُحِبُّهُ ويَراهُ جَدِيرًا بِالمَجْهُودِ الذي يَبْذُلُهُ؛ فَقَدْ قَاوَمَاهُ، بَلْ أنَّ أَحَدَهُمَا غَالَبَ مَا يُقَاسِيهِ مِنْ أَلَمٍ مُبَرِّحٍ وكَادَ يَنْجَحُ فِي أَنْ يَرْكُلُ ديكيوسَ فِي وَجْهِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ إحكامِ قَبْضَتِهِ على كَاحِلِيهِ وقَصْمِ قَدَمَيْهِ إلى أَسْفَلَ ليلتصقا بالعَمُودِ الخَشَبِيّ. أمَّا الثَّالثُ فَكَانَ مُخَيِّبًا لِآمَالِ ديكيوس أسكولوس. تَأَمَّلَهُ باحتقارٍ قَائِلًا في نَفْسِهِ: “إنَّهُ يَفْتَقِرُ إلى أَضْأَلِ قَبَسٍ مِنَ الرُّوحِ؛ حَتَّى لا يَكَادُ يَسْتَحِقُ أَنْ أَتَجَشَّمَ عَنَاءَ صَلْبِهِ، فَمِنْ العَبَثِ المَحْضِ أَنْ تَبْذُلَ أَيَّ جَهْدٍ فِي صَلْبِ جُثَّةٍ.” لَمْ يُحَاوِلْ الرَّجُلُ الثَّالِثُ مَقَاوَمَتَهُ، بَل اكتفى بأنْ بَسَطَ يَدَيْهِ طَوْعًا مُرَحِّبًا بالمَسَامِيرِ. والأسوأُ مِنْ ذلك أنَّهُ لَمْ يَصْرُخْ كَاللِّصَّيْنِ عَنْدَمَا اِخْتَرَقَتِ المَسَامِيرُ لَحْمَهُ، بَل اكتفى بأَنْ أَطْبَقَ عَيْنَيْهِ وأَطْرَقَ رَأْسَهُ، مِمَّا أَجَّجَ الغَضَبَ فِي نَفْسِ ديكيوس حَتَّى كَادَتْ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ؛ لأنَّ مَا جَرَى يُوحِي بأنَّ الرَّجُلَ لَنْ يَعِيشَ عَلَى الصَّلِيبِ إلَّا قَلِيلًا، وقَدْ يَظُنُّ البَعْضُ أنَّ مَوْتَهُ المُبَكِّرَ نَاجِمٌ عَنْ خَطَإٍ اِرْتَكَبَهُ الجَلَّادُ. لَقَدْ كَادَ الثَّالِثُ يُفْسِدُ عَلَيهِ زُلالَ نَشْوَتِهِ ويَقْهَرُ بِضَعْفِهِ شَوْكَةَ بَهْجَتِهِ.

ولِيَرُدَّ للمُدَانِ المُنْصَاعِ الصَّاعَ صَاعَيْنِ جَزَاءً لَهُ عَلَى اِغْتِيَالِهِ لنَشْوَتِهِ، حَرَصَ -حِينَمَا شَرَعَ في تَسْمِيرِ قَدَمَيْهِ- عَلَى أَنْ يَلْوِيَهُمَا بِقسوةٍ مُفْرِطَةٍ حَتَّى يَسْتَويَا عَلَى العَمُودِ الخَشَبِيّ مُنْسَحِقَتَيْنِ، واسْتَوْثَقَ –حِينَمَا أَخَذَ في عَقْفِ المِسمَارِ عَلَيْهِمَا- مَنْ أَنْ يَعْقِفَهُ بِقُوَّةٍ هائِلَةٍ حتَّى يَغُوصَ رَأسُ المِسْمَارِ بِكَامِلِهِ فِي اللَّحْمِ. غمْغَمْ ديكيوس أسكولوس قائِلًا في نِفْسِهِ: “هَاكَ أيُّهَا الرِّعْدِيدُ خَائِرُ العَزْمِ!” وَنَظَرَ إلى أَعْلَى شَاعِرًا بالطَرَبِ العَجِيبِ-الذي يَعْقُبُ دائمًا كُلَّ حَفْلَةِ صَلْبٍ- يَغْمُرُ رُوحَهُ ويَسْرِي لَذَّةً في جَمِيعِ أَوْصَالِهِ، ثُمَّ شَرَعَ في الرَّحِيلِ، لَكنَّهُ تَوَقَّفَ بَغْتَةً إذْ رَأَى عَيْنَيِ المَصْلُوبِ مَفْتُوحَتَيْنِ تُحَدِّقَانِ إِلَى عَيْنَيْهِ مُبَاشَرَةً.

قَالَ الشَّابُ الأَنِيقُ بِنَبْرَةٍ مُشَبَّعَةٍ بالحَمَاسِ وهُوَ يَمُدُّ يَدَهُ طَلَبًا للمزيدِ مِن النَبِيذِ السَّامُوسيّ: “لَقَدْ كُنْتَ مُحِقًّا تَمَامًا بِشَأْنِ الخَبِيرِ! فَقَدْ أَعْجَبَتْنِي مَهَارَتُهُ الفَائِقَةُ إِعْجَابًا لَا حَدَّ لَهُ وصَعَقَتْنِي رَوْعَةُ مَا رَأَيْتُهُ مِنْ عَمَلِهِ قَبْلَ أَيَّامٍ. إنَّكَ تُعِدُّ لِحَفْلَةِ إعدامٍ أُخْرَى غَدًا، أَلَيْسَ كذلكَ؟ كَمْ أَوَدُّ أَنْ أَكُونَ حَاضِرًا هُناكَ؛ لِأُشَاهِدَهُ مُجَدَّدًا.”

تَجَهَّمَ قَائِدُ المِائَةِ وقَالَ بِصَوْتٍ أَسِيفٍ: “يُمْكِنُكَ أَنْ تَحْضُرَ الصَّلْبَ إنْ شِئْتَ، لَكنَّ ديكيوسَ أَسكولوس لَنْ يَكُونَ حَاضِرًا.”

قَالَ الشَّابُ الوَسِيمُ بِصَوْتٍ يُمَازِجُهُ الضَحِكُ: “لِمَ لَا يَحْضُرُ؟ لَا تُجِبْنِي! دَعْنِي أُخَمِّنُ! لَقَدْ رآهُ قَائِدُ جَيْشٍ زَائِرٌ فَتَمَكَّنَ مِنْهُ الجَشَعُ واشْتَهَى أَنْ يَكُونَ الخَبِيرَ تَحْتَ إمْرَتِهِ حَسَدًا، فإذا بِهِ يَنْتَزَعُهُ مِنْكَ قَسْرًا! هذا مَا يُنْبِئُنِي بِهِ وَجْهُكَ العَابِسُ الطَّافِحُ بغُضُونِ الكَمَدِ.”

قَالَ قَائِدُ المِائَةِ: “لَا، لَيْسَ الأَمْرُ كذلكَ.” صَمَتَ هُنَيْهَةً مُقَطِّبًا مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ استطردَ قائِلًا: “لَقَدْ كَانَ أَمْرًا غَرِيبًا مِمَّا يَجْرِي مِنْ غَرَائِبَ في المَدِينَةِ مُؤَخَّرًا: لَقَدْ كُنْتُ أَقُومُ بِجَوْلَاتِي المُعْتَادَةِ في المَسَاءِ ذَاتِهِ الذي تَمَّ فِيهِ الصَّلْبُ الذي حَضَرْتَهُ بِصُحْبَتِي، وَصَادَفَ أَنْ مَرَرْتُ بِغُرْفَةِ الثَّكْنَةِ العَسْكَرِيَّةِ التي كَانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يَكُونَ ديكيوسُ أسكولوس نَائِمًا فِيهَا، فإذْ بِي أَسْمَعُ طَرْقًا رَاعِدًا يَتَخَلَّلَهُ صَوتُ ديكيوس الأَجَشُّ وهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَصْدَحَ بتلكَ الأغنيةِ المَقِيتَةِ التي هُوَ مُتَيَّمٌ بِهَا والتي سَمِعْتَهَا بِنَفسِكَ مِنَ الشُّرْفَةِ لَيْلَةَ الصَّلْبِ الأَخِيرِ. اِسْتَدْعَيْتُ مِنْ فَوْرِي الجُنُودَ وَدَخَلْتُ إلى الغُرْفَةِ لِأَرَى مَا يَحْدُثُ، فَوَجَدْتُ…”

قَالَ الشَّابُ الأَنِيقُ الصَّمْتَ وهُوَ يَرْتَشِفُ النَّبِيذَ: “مَاذَا وَجَدْتَ؟”

قَالَ قَائِدُ المِائَةِ وقَدْ اِمْتُقِعَ وَجْهُهُ العَابِسُ فَزَعًا: “وَجَدْتُهُ… أَسْتَحْلِفُكَ بَجَمِيعِ الآلهةِ أَلَّا تُخْبِرَ أَحَدًا بِمَا سَأُطْلِعُكَ عَلَيْهِ وإلَّا شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ وصَارَ مُضْغَةً في أفواهِهِمْ… وَجَدْتُهُ جَالِسًا فَوْقَ الطَّاوِلَةِ فِي مُنْتَصَفِ الغُرْفَةِ وأَمَامَهُ سِراجٌ صَغِيرٌ مُشْتَعِلٌ ومِطْرَقتُهُ وكَوْمَةُ مَسَامِيرَ، وكَانَ قَدْ ثَبَّتَ يَدَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِمِسْمَارٍ أَنْفَذَهُ فِيهَا. كانَ جَالِسًا يُحَمْلِقُ إلى يَدِهِ المُسَمَّرَةِ والرِّجَالُ الآخرونَ في الغُرْفَةِ قَدْ اِسْتَفَاقُوا مِنْ غَفْوَتِهِمْ بِسَبَبِ الضَّجَّةِ المُفَاجِئَةِ. وعندما سَأَلْتُهُ عَمَّا يَفْعَلُ، هَزَّ كَتِفَيْهِ أَخْبَرَنِيَ بِأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَجِدَ طَرِيقَةً تُمَكِّنُهُ مِنْ تَثْبِيتِ يَدِهِ الأُخْرَى عَلَى الطَّاوِلَةِ، ثُمَّ اِبْتَسَمَ بَغْتَةً وقَالَ لِي: رُبَّمَا يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أُمْسِكَ المِطْرَقةَ بأسْنَانِي حَتَّى أَتَمَكَّنَ مِنْ دَقِّ المِسْمَارِ فِي يَدِي الأُخْرَى.”

صَاحَ الشَّابُ الأَنِيقُ: “يَا لَهُ مِنْ أَمْرٍ عُجَابٍ!” ثُمَّ سُرْعَانَ مَا شَرَعَ في الحَدِيثِ عَنْ أَمْرٍ آخرَ.

لقراءة الجزء الأول اضغط الرابط التالي:
نَشْوَةُ الجَلَّادِ.. الجزء الأول .. ترجمة: أنطونيوس نبيل

انضم مع 82 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات