“وردة” في مهرجان قراءة صنع الله إبراهيم

d8a5d98ad985d8a7d986-d8b1d981d8a7d8b9d98a "وردة" في مهرجان قراءة صنع الله إبراهيم

الإثنين 8 ديسمبر 2025، في الجلسة الأولى من مهرجان قراءة صنع الله إبراهيم الذي أقامه نادي كتاب تفكير، عرضت وناقشت رواية وردة:

رواية “وردة”، كما يتّضح من اسمها، الاسم مأخوذ من الشخصية الرئيسية أو بطلة الرواية، وهذا ما سنعرفه لاحقاً في التفاصيل. لكن إذا أردت أن أصف رواية “وردة”، يمكنني القول إنها رواية توثيقية، فيها جهد توثيقي وبحثي كبير.

عمل فيها صنع الله إبراهيم مزجاً بين السرد الخيالي والوثائق التاريخية لكي يسلّط الضوء على ثورة ظفار في عُمان، أو “الثورة المنسية”، لأنها عادةً ما تغيب عن الرواية الرسمية وكتب التاريخ. لكنه، رغم تركيزه على الخصوصية العُمانية، نجح من خلال رواية هذه الثورة أن يعطينا صورة أكبر عن المدّ اليساري والثورات في العالم، في فترة من أهم فترات تاريخنا الحديث.

كان هذا واضحاً في الرواية، حيث وضّح بشكل كبير أن تلك المرحلة شهدت حراكاً شعبياً مدركاً لوحدة القضايا وتشابكها، بعيداً عن الانعزال والقطرية، وكان فيها حركة تحرر وطني ونضال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية ومواجهة الاستعمار.

غلاف_رواية_وردة "وردة" في مهرجان قراءة صنع الله إبراهيم

الرواية قائمة على يوميات المناضلة الثورية “وردة”، التي انتقلت لاحقاً إلى جبال ظفار. جعل صنع الله إبراهيم من يومياتها نافذة تطل على العالم كله، مستخدماً أسلوب الكولاج، حيث ربط النضال في ظفار بالسياق العالمي من خلال يوميات وردة.

مثلاً، عندما كانت وردة تدوّن يومياتها، لم تكن تكتب يومياتها الشخصية فقط أو ما يحدث معهم في جبال ظفار (قبل ذهابها إلى ظفار كانت في بيروت)، لكنها كانت توثّق حتى في ظل المواجهات العسكرية وصعوبة الحصول على وسائل كالصحف والمجلات. كانت توثّق في اليوميات الأخبار التي تصلها عبر الراديو أو بعض الصحف التي يستطيعون الحصول عليها. كانت توثّق دائماً أخبار الأحداث العالمية والإقليمية، مثل أخبار مصر وعبد الناصر وما يحدث في الداخل المصري، وأخبار الثورة الكوبية وجيفارا وكاسترو، وحرب فيتنام، والصراعات في فلسطين ولبنان واليمن، والانقلابات التي حصلت في سوريا والعراق، والحزب الشيوعي في السودان وانقلاب النميري، وموقف الحزب الشيوعي، وحتى الخلاف السوفيتي الصيني.

اليوميات لم تكن مجرد ذكر للحدث، بل كانت تذكر ما يحدث معهم شخصياً، لكنها أيضاً كانت تذكر عناوين كما لو أنها اقتطعتْها من جرائد ودمجتها في اليوميات. كانت تذكر العنوان مثلاً وتعمل تحليلاً سياسياً من وجهة نظرها، وتذكر أثر ذلك عليهم. هذه الناحية التي تقدم الخبر وتحلّله من رؤيتها السياسية تربط الأحداث وتجعل القارئ يعيش المرحلة كصورة كبيرة لما يحدث في العالم بكل تفاصيله، وكأنه يرى مساراً لحركة التحرر العالمية.

تدور أحداث الرواية في مسارين زمنيين متوازيين:
المسار الأول هو الحاضر (1992) الذي يعبّر عنه “رشدي” الصحفي المصري. بطل الرواية هنا كاتب مصري يساري يسافر إلى عُمان بدعوة من قريبه هناك “فتحي” (وهذا هو الهدف الظاهر للناس)، لكن الهدف الخفي الذي يضمره هو البحث عن مصير “وردة” التي عرفها في القاهرة في نهاية الخمسينيات (عرفها هي وشقيقها “يعرب”، وكان اسمها “شهلا” وقتها)، واختفت أخبارها بعد أن انضمت للثورة المسلحة في ظفار في الستينيات.

المسار الزمني الآخر هو الماضي (الستينيات والسبعينيات) ويتم سرده عبر يوميات وردة، أو أحياناً يكون فلاش باك من رشدي، لكنه يعتمد في الأساس على يوميات وردة التي يعثر عليها بشكل مجزأ، وتغطي مرحلة صعود “الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي” والكفاح المسلح ضد الإنجليز ونظام السلطان.

في البداية تبدأ الرواية من القاهرة، بحلم متكرر يطارد رشدي، يظهر فيه وردة (أو شهلا) تنظر إليه بنظرة غامضة لا يفهمها. يتوقف الحلم عندما يقرر السفر إلى عُمان لمعرفة مصيرها.

عندما يصل إلى مسقط، يبدأ في البحث عن ما يتذكره من حكايات يعرب وشهلا في الخمسينيات، لكنه يجد مجتمعاً جديداً تماماً تغيّر بفعل النفط، مدينة حديثة لكن فيها صمت سياسي مريب. يبدأ في استكشاف المدينة والمجتمع بوصف دقيق. لغته في وصف المجتمع العُماني في الحاضر كانت يغلب عليها تعمّد إظهار الماديات: وصف دقيق للأشياء، الفنادق، الشوارع، التغييرات التي حصلت، لكنه وصف للماديات بشكل أكبر.

بعد ذلك، يبدأ شخص مجهول (سنعرفه لاحقاً باسم “زيد”) يترك له رسالة ووثائق، عبارة عن مجلات قديمة للجبهة الشعبية ويوميات مكتوبة بخط اليد. هنا يحدث فلاش باك، يعود رشدي بذاكرته إلى القاهرة في الخمسينيات، ويحكي لنا كيف تعرّف على الطالبين العُمانيين يعرب وشقيقته شهلا (التي ستأخذ اسم وردة لاحقاً في ظفار)، وذلك في أجواء المدّ القومي واليساري في مصر. يتذكر كيف نشأت بينه وبين شهلا عاطفة صامتة لكنها لم تُعلن ولم تكتمل لأن رشدي اعتقل في نهاية الخمسينيات.

بعد ذلك، يبدأ رشدي في قراءة اليوميات التي وصلت إليه (الجزء الأول) وهو في مسقط. ننتقل هنا بصوت وردة إلى بيروت في الستينيات، حيث انتقلت هي وأخوها يعرب لإكمال الدراسة (كانت طالبة في الجامعة الأمريكية هناك). تبدأ وردة في الانخراط في بيروت في حركة القوميين العرب، وتتمرد هناك على التقاليد، وتصبح أكثر راديكالية، وتتطور شخصيتها أكثر. ثم تقرر في لحظة ما أن تترك كل هذا، تترك الحياة في بيروت والرفاهية التي كانت تعيشها، وتقرر الانضمام إلى ثورة ظفار والمشاركة في الكفاح المسلح (وهذا استلزم تدريباً عسكرياً في بيروت).

ثم نعود مرة أخرى للحاضر، ويقرر رشدي السفر للجنوب إلى صلالة (معقل الثورة القديم) بتشجيع من شخصيات غامضة التقاها في مسقط (من ضمنها “الفندي”، وهو ثوري سابق أصبح ثرياً وأصبح ضمن النظام الجديد، و”زيد” الذي يعبّر عمن تبقى من الثوريين الصامتين من الجبهة).

في صلالة، يحدث لقاء صادم حيث يلتقي بـ “وعد” ابنة وردة، ويصدم عندما يرى ابنة المناضلة اليسارية فتاة منقبة تعيش تحت وصاية عمها. لكن وعد هي التي قررت أن تعطيه الجزء الأخطر من يوميات أمها، وتسلمه إياها في لقاء سري عن طريق طبيب الأسنان.

ينتقل صنع الله إبراهيم مرة أخرى ليجعل رشدي يدخل في اليوميات ثانية، ويبدأ في قراءة الجزء الذي وصله من وعد، وندخل في قلب المعارك في جبال ظفار، حيث تصف وردة تحولات الثورة وكيف أصبحت ماركسية، وكفاحهم في تغيير المجتمع القبلي، والمعارك ضد القوات البريطانية والقوات الإيرانية وقوات السلطان. القراءة في هذا الجزء من اليوميات كانت أشبه بحالة ملتهبة من الصدامات والحياة القاسية والجبلية.

لكنه شعر أن اليوميات فيها شيء ناقص، فحاول أن يلتقي بوعد مرة أخرى، وحدث اللقاء في بيت عمها وحصل على الجزء الأخير من اليوميات. الجزء الأخير كان يروي لحظات انهيار الثورة وهروب بعض القادة، ومحاولتها هي ورفيقها “دهميش” (الذي كانت حاملاً منه) وأخوها يعرب الهروب عبر صحراء الربع الخالي. يتخذ “يعرب” قراراً بالتخلي عنها وعن رفيقها في وسط الصحراء. ويبدأ الماء والطعام بالنفاد. ما حدث بعد ذلك؟ نحن لم نعرف، لأن اليوميات سُرقت من رشدي. وشعر أنه لن يحصل على شيء، وكان قد تعرّض لمحاولات اغتيال، فشعر بهزيمة نوعاً ما، وقرر العودة إلى القاهرة.

في مشهد ختامي في المطار، يأخذه ضابط الجوازات إلى مكتب غامض ليس له أي ملامح غير طاولة حديد وكرسيين، الغرفة خالية. خلف المكتب هذا يلاحظ شخصاً يتفحص جوازه، وبمجرد أن لمح الشخص تعرف عليه: إنه يعرب، الذي تحول لاحقاً إلى “الحارث بن عيشة” (غيّر اسمه إلى اسم أحد أجداده)، وأصبح مع النظام الجديد.

رشدي يواجه “الحارث بن عيشة” (يعرب سابقاً) بحقيقة تركه لوردة في الصحراء. يقوم الحارث بتمزيق الكراسة الأخيرة من اليوميات أمام عينيه ، ثم يعقد معه صفقة ضمنية: الصمت مقابل تحقيق طلب وعد باستكمال تعليمها الجامعي، وتجديد عقد عمل زوجة ابن عم رشدي. يغادر رشدي، حاملاً جواز سفره وحقيبته.

هناك حالة من الإحباط والانهزام شعرت بها في النهاية، لأن الرواية تسير في تزامن وكأنه يظهر الترابط بين حالة رشدي وحالة الحركات أو المدّ اليساري الذي بدأ في الخفوت في نهاية الرواية، حركات التحرر لم تصل لأهدافها بشكل كبير، وحدثت مرحلة تغيّر في السياسات الإقليمية ومعها حالة فقدان رشدي لما كان يسعى إليه.

لغة اليوميات: لغة وردة، فيها حيوية وصراحة وجرأة ومصطلحات ثورية وماركسية، لغة قوية وجريئة حتى في وصف مشاعرها كأنثى في وسط الجبال وفي وسط الرجال، مليئة بالمعاني حتى وهي تناقش القيم والأهداف، فيها تركيز على المعنى أكثر.
لغة الحاضر: لغة رشدي، فيها رصد دقيق لكل شيء حوله، وفيها سخرية مبطنة، وفيها وصف الأشياء، الفنادق، الرفاهيات، البضائع، الحاجات، وكأن هناك إيحاء بأن ما بعد الثورة أصبح زمن الطغيان المادي والاستهلاكي.

للاستماع إلى التسجيل الصوتي عبر إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل الفيديو عبر الرابط التالي:

اضغط هنا لتصل إلى جلسات مهرجان قراءة صنع الله إبراهيم.

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات