أَنِينُ المُوسِيقَى الخَرْسَاءِ… ترجمة: أنطونيوس نبيل

طبيب وشاعر وملحن.

d8a7d986d8b7d988d986d98ad988d8b3-d986d8a8d98ad984-d8b4d8a7d8b9d8b1-d988d985d984d8add986 أَنِينُ المُوسِيقَى الخَرْسَاءِ... ترجمة: أنطونيوس نبيل

مُسْتَطِيلٌ وَرَقِيٌّ ضَئِيلٌ ذُو حَوَافٍ زَرْقَاءَ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى لَوْحَةِ الإِعْلَانَاتِ بِصُورةٍ غَيْرِ مَلْحُوظةٍ، مَطْمُورًا بَيْنَ إِعْلَاناتٍ أُخْرَى أَسْهَبَ سَرْدًا للتَّفَاصِيلِ وأَكْثَرَ غِنًى بالألوانِ.
لَمْ يَكُنْ المُسْتَطِيلُ الأزْرَقُ يَحْمِلُ عَلَى مَتْنِهِ إلَّا تاريخَ عَرْضٍ ورَقْمَ قَاعَةٍ واسمَ عازفِ پيانو زَائِرٍ وجُمْلَةً كُتِبَتْ بالخَطِّ العَرِيضِ نَصُّهَا “عَزْفٌ على الپيانو الصَامِتِ”.
أَفْرَدَتِ الصَّحِيفَةُ المَسَائِيَّةُ المُوجَزَةُ أربعةَ أَسْطُرٍ إِعْرَابًا عَنْ تَرَقُّبِهَا للظَّاهِرَةِ الجَدِيدَةِ. كَانَتْ هذهِ الصَّحِيفَةُ تُقْرَأُ عَلَى شَفَا الأعْرَافِ بَيْنَ اليَقَظَةِ والغَفْوَةِ؛ مِمَّا جَعَلَ بَعْضًا مِنْ قُرَّائِهَا يَحْلُمُ بحَفْلٍ مُوسِيقيٍّ غَرِيبٍ يُؤَدِّيهِ پيانو صَامِتٌ.
قَامَتْ محطاتُ الرَّاديو -الطَّامِحَةُ إِلَى إِنْعَاشِ بَرَامِجِهَا الآسِنَةِ بِدِمَاءِ التَّجْدِيدِ- بالإعلانِ عَنْ إدْرَاجِهَا لعَزْفِ الپيانو الصَّامِتِ فِي بَثِّهَا المُقْبِلِ.

تَهَاطَلَتِ الأمطارُ في صَبَاحِ اليَوْمِ المُحَدَّدِ الذي أشارَ إلَيْهِ المُستطيلُ المُؤَطَّرُ بالزُّرْقَةِ حَتَّى أَزَفَتْ سَاعَةُ العَرْضِ المَنْشُودِ فَفَاضَتْ دُمُوعُ السَّمَاءِ مِدْرَارًا وأَمْسَتْ طُوفَانًا عَاتِيًا يَنْبَجِسُ.
اِحْتَشَدَتْ ثُلَّةٌ قَلِيلَةٌ في القَاعَةِ التي تَرَدَّدَتْ الأَصْدَاءُ في أَرْجَائِهَا كَأنَّهَا صندوقُ پيانو بِلَا أَوْتَارٍ. كَانَ بَيْنَ الحَاضِرِينَ عَدِيدٌ مِنَ النُّقَّادِ المُوسِيقيِّينَ ذائِعِي الصِّيتِ يَتَجَادَلُونَ فِي قَلَقٍ حَوْلَ أَمْرٍ ما: اِقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى رَفْعِ حَاجِبَيْهِ بَيْنَمَا قَرَنَ البَعْضُ الآخرُ رَفْعَ الحَاجِبَيْنِ بِهَزَّةٍ مِنْ كَتِفَيْهِ.
قُرِعَ الجَرَسُ أَخِيرًا؛ فَجَلَسَ الحَاضِرُونَ عَلَى مَقَاعِدِهِمْ. اِعْتَلَى خَشَبَةَ المَسْرَحِ اِثْنَانِ مِنَ العُمَّالِ ونَحَّيَا الپيانو الضَّخْمَ ذا الطِّلَاءِ الأَسْوَدِ اللَّامِعِ بَعِيدًا، وقَامَ عَامِلٌ ثَالِثٌ بإحْضَارِ طَاوِلَةٍ صَغِيرةٍ وَوَضَعَهَا فِي صَدْرِ المَسْرَحِ بحَيْثُ يُشَكِّلُ طَولُهَا مَعَ صُفُوفِ الحَاضِرِينَ زَاوِيَةً قَائِمَةً، وأَخِيرًا جَلَبَ عَامِلٌ رَابِعٌ صُنْدُوقًا صَغِيرًا يُقارِبُ طُولُهُ طُولَ تابوتِ طِفلٍ وَوَضَعَهُ عَلَى الطَّاوِلَةِ وَفَتَحَ غِطَاءَهُ: تَحْتَ الغِطَاءِ الشَبِيهِ بِشَفَةٍ عُلْوِيَّةٍ مَطْوِيَّةٍ بَدَتِ الأَسْنَانُ الصَّفْرَاءُ الشَّاحِبَةُ للپيانو الصَغِيرِ بَارِزَةً مُرَصَّعةً بحَشْوَاتٍ ضَئِيلَةٍ سَوْدَاءَ.
تَرَامَقَ النُّقَّادُ المُوسِيقِيُّونَ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ قَلَقًا. كَانَ أَحَدُهُم مُنْكَبًّا عَلَى دَفْتَرِ مُلَاحَظَاتِهِ يُدَوِّنُ شِيئًا ما، ومَا لَبَثَ أَنْ كَشَفَتْ أَضْوَاءُ المَسْرَحِ عَنْ مُذِيعةٍ تَرْتَدِي ثَوْبًا قِشْدِيَّ اللَّوْنِ كَمَفَاتيحِ الپيانو مُعْلِنَةً بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ مُبِينٍ:
نُقَدِّمُ لَكُمْ الآنَ روايةً مُوسِيقِيَّةً قَصِيرةً بعنوان “تَوَقَّفَتِ السَّاعَةُ لَكِنَّهَا تُذَكِّرُنَا بِالزَّمَنِ الذي كَانَتْ تَدُورُ فِيهِ عَقَارِبُهَا”.

تَنَحَّتِ المُذِيعَةُ جَانِبًا مُفْسِحَةً المَجَالَ لِرَجُلٍ مَدِيدِ القَامَةِ مُنْكَمِشِ المَنْكِبَيْنِ يَرْتَدِي مِعْطَفًا سَابِغًا فَاحِمَ اللَّوْنِ، اسْتَقْبَلَهُ الجمهورُ بتصفيقٍ هَزِيلٍ يَتَفَصَّدُ خَجَلًا.
مَسَّدَ الرَّجُلُ شَعْرَهُ الرَّقِيقَ بِرَاحَةِ يَدِهِ اليُسْرَى مُحْكِمًا تَهْذِيبَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ العَالِيَةِ شَدِيدَةِ الانْحِدَارِ، ثُمَّ جَلَسَ مُوَاجِهًا آلتَهُ المُوسِيقِيَّةَ الصَّامِتَةَ يَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ مُرْسِلًا زَفَرَاتِهِ عَلَى أَصَابِعِهِ النَّاحِلَةِ الطَّوِيلَةِ، وبَغْتَةً اِنْقَضَّتْ أَصَابِعُ يَدَيْهِ العَشْرُ عَلَى الپيانو الصَغِيرِ ذي الأَسْنَانِ الصَّفْرَاءِ.
اِكْتَفَى الپيانو بالصَّمْتِ المُطْبِقِ رَدًّا عَلَى الانْقِضَاضِ المُبَاغِتِ للأصَابِعِ العَشْرِ.
كَانَتِ الأَصَابِعُ تَمُوجُ فِي صَمْتٍ كَمَطَارِقِ الپيانو التي تَفْتَقِرُ إلى أَوْتَارٍ تَحْتَفِي بِدَقَّاتِ اخْتِلَاجِهَا. قَذَفَتْ سُّلَامِيَةُ إِصْبَعٍ بِسُلَامِيَةٍ أُخْرَى، فَنَقَرَتِ الثَّانِيَةُ طَرْفَ ظُفْرِ سُلَامِيَةٍ ثَالثَةٍ بِرِفْقٍ كَتُومٍ: عَظْمٌ يُجَابِهُ عَظْمًا ويُقَارِعُهُ. تَدَفَقَتِ المَقَاطِعُ الإيقَاعِيَّةُ كَأنَّهَا حَبَّاتُ رَمْلٍ تَنْهَمِرُ عَبْرَ عُنُقِ سَاعَةٍ رَمْلِيَّةٍ، ثُمَّ بَغْتَةً تَوَقَّفَتْ يَدَاهُ عَنِ الحَرَكَةِ وهُمَا مُعَلَّقَتَيْنِ في الهَوَاءِ وأَظْفَارُهُمَا أَشْبَهُ فِي جُمُودِهَا بِمَخَالبِ طَيْرٍ كَاسِرٍ مُحَنَّطٍ فِي المتحفِ الحَيَوَانِيّ. نَهَضَ عازفُ الپيانو وشَرَعَ في مُغَادَرَةِ خَشَبَةِ المَسْرَحِ. تَنَاهَى إلى مَسَامِعِهِ قَلِيلٌ مِنَ التَصْفِيقِ الخَجُولِ، فاسْتَدَارَ نَحْوَ الجمهُورِ غَاضِبًا وقَالَ بِصَوتٍ خَفِيضٍ لَكِنَّهُ جَلِيٌّ:
الصَّمْتُ يَقْتَضِي صَمْتًا.

أَعْقَبَ هذا استراحةٌ طَالَتْ مُدَّتُهَا إلى حَدٍّ غَرِيبٍ مِمَّا أَتَاحَ للنُّقَّادِ المُوسِيقيِّينَ أَنْ يَتَحَلَّقُوا ليَتَسَارُّوا بِهَمْسٍ مَحْمُومٍ.
اِنْقَضَتِ الاستراحَةُ فَأَفْصَحَتْ أَضْوَاءُ المَسْرَحِ عَنِ المُذِيعَةِ -ذاتِ الثَّوبِ المُطَابِقِ لمَفَاتيحِ الپيانو لَوْنًا- وقَالتْ بِنَبْرَةٍ تَرْتَجِفُ فَزَعًا:
سَنَسْتَمِعُ الآنَ إلى مَقْطُوعَةٍ مُوسِيقيِّةٍ تَصْوِيرِيَّةٍ بعنوان “المقبرةُ المُحْتَضَرَةُ” فإنَّ الظُّرُوفَ الاقْتِصَادِيَّةَ الرَّاهِنَةَ تَتَطَلَّبُ نَبْشَ المَقَابِرِ لِتَوْفِيرِ المِسَاحَةِ اللَّازِمَةِ لِدَفْنِ جُثَثٍ جَدِيدَةٍ. (هُنَا اِخْتَلَسَتِ المُذِيعَةُ نَظْرَةً خَاطِفَةً إلى وَرَقَةِ مُلَاحَظَاتٍ فِي يَدِهَا ثُمَّ اسْتَأنَفَتْ حَدِيثَهَا.) إنَّكَ قَدْ مُتَّ ونِلْتَ نَصِيبَكَ مِن الدَّفْنِ؛ فَدَعِ الآخرينَ يَمُوتُونَ ويُدْفَنُونَ وهكذا… أَسْتَمِيحُكُمْ عُذْرًا، لَقَدْ فَقَدْتُ وَرَقَةَ المُلَاحَظَاتِ الثَّانِيَةَ، وعَلَى الرُّغْمِ مِنْ ذلك فإنَّ الأَمْرَ بَيِّنٌ لَا يَقْتَضِي مَزِيدًا مِنَ الإطْنَابِ.

تَسَنَّمَ عَازِفُ الپيانو الصَّامِتِ خَشَبَةَ المَسْرَحِ، لكنَّهُ فِي هذهِ المَرَّةِ كَانَ عَابِسَ الوَجْهِ مُطَأْطَئ الرَّأسِ يَمْشِي الهُوَيْنَا حَذِرًا كَأَنَّهُ يَتَحَاشَى السُّقُوطَ فِي فِخَاخٍ لَا تُرَى. جَلَسَ مُوَاجِهًا آلتَهُ الصَّمُوتَ وجَمُدَ هُنَيْهَةً حَتَّى هَيْمَنَ سُكُونٌ تَامٌّ عَلَى القَاعَةِ.
سَاخَتْ أَصَابِعُهُ عَمِيقًا وهِي تَنْقُرُ مَفَاتيحَ الپيانو فِي عَزْفِهَا للتَّآلفِ المُوسِيقيِّ الأوَّلِ، ثُمَّ اِرْتَدَّتْ يَدُهُ اليُمْنَى بَيْنَمَا كَانَتْ اليُسْرَى تَرْكُضُ فَوقَ المَفَاتيحِ السَّوْدَاءِ كَأنَّهَا نَسِيمٌ عَلِيلٌ لَا تَشُوبُهُ نَأْمَةٌ ولا هَيْنَمَةٌ، ثُمَّ ضَغَطَ العَازِفُ عَلَى الدَّوَّاسَةِ اليُمْنَى للپيانو وانْحَنَى مُحَمْلِقًا إلى قِطَعِ البَارْكِيه الصَّفْرَاءِ كَأَنَّهُ يُنْصِتُ إلى نَغْمٍ مُتَهَدِّجٍ يَنْبَعثُ مِنهَا لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ.
كَانَ جَبِينُ العَازِفِ البَارِعِ يَتَفَصَّدُ عَرَقًا ثَخِينًا، وبَغْتَةً قَبَضَ عَلَى غِطَاءِ الپيانو بِيَدَيْهِ كَلْتَيْهِمَا وأَغْلَقَهُ بِقُوَّةٍ رَهِيبَةٍ فَتَرَدَّدَتْ فِي القَاعَةِ أَصْدَاءُ صَرَخَاتٍ أُنْثَوِيَّةٍ طَافِحَةٍ بالذُّعْرِ المَسْعُورِ.
اِلْتَفَتَ نَاقِدٌ مُوسِيقيٌّ شابٌّ نَحْوَ الرَّجُلِ الجَالِسِ بِجِوَارِهِ وهَمَسَ إِلَيْهِ قَائِلًا:
إنَّهُ لَشِيءٌ عَجِيبٌ!
بِهَذَا اِنْتَهَى الجُزْءُ الأوَّلُ مِنَ الحَفْلِ المُوسِيقيّ.

فِي الجُزءِ الثَّانِي مِنَ الحَفْلِ، اِسْتَمَعَ الجمهور المَشْدُوهِ -الذي كَانَ قَدْ رَبَا عَدَدُهُ بصورةٍ مَلْحُوظَةٍ- إلى ثَلَاثِ مَقْطُوعَاتٍ مُوسِيقيَّةٍ: “أَفْكَارٌ عَنْ بيتهوڨن مُطَهَّرَةٌ مِنْ أَوْضَارِ الصَّخَبِ” و”إنسانٌ يَنَامُ ولَا تَغْشَاهُ الأحلامُ” و”لَحْنُ مَسِيرةِ الصُّمِّ والبُكْمِ مِنْ أَجْلِ مَبْتُوري السِّيقَانِ”.
غَادَرُ الحَاضِرونَ المَسْرَحَ، وكَانَ مَا يَدُورُ بِخَلَدِهِم مِنْ هَوَاجِسَ لَا تَجْمَعُهُ بالحَفْلِ المُوسِيقيّ أَوْهى صِلَةٍ، بَلْ كَانُوا جَمِيعًا يُفَكِّرُونَ بِقَلَقٍ بَالغٍ فِي المَطَرِ المُنْهَمِرِ الذي كَانَ يتَحَتَّمَ عَلَيْهِمْ السَّيْرُ تَحْتَ وَابِلٍ مِنْ رَصَاصَاتِ قَطَراتِهِ القَارِسَةِ.

حِينَمَا بَلَغَ النَّاقِدُ المُوسِيقِيُّ الشَّابُّ -الذي كَانَ قَدْ هَمَسَ أَثْنَاءَ الحَفْلِ قَائِلًا “إنَّهُ لَشِيءٌ عَجِيبٌ!”- المَصَابِيحَ الصَّفْرَاءَ لأوَّلِ مَطْعَمٍ لَاحَ لَهُ فِي الطَّريقِ، أنْزَلَ الحَافَّةَ العَرِيضَةَ لقُبَعَتِهِ الفيدورا فَوقَ جَبِينِهِ، وَرَفَعَ يَاقَةَ مِعْطَفِهِ، وانْغَمَسَ دَاخِلَ المَطْعَمِ عَبَرَ بَابَهُ الزُّجَاجِيّ البَرَّاقِ.

لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ طَاوِلَةٌ شَاغِرَةٌ. إلى اليَسَارِ بِجِوَارِ الجِدَارِ، رَأَى النَّاقِدُ الرَّجُلَ الذي طَارَدَهُ طَيْفُهُ عَبْرَ المَطَرِ والضَّبَابِ: عَازِفَ الپيانو الصَّامِتِ. كَانَ الرَّجُلُ فَارِعَ الطُّولِ مُنْكَمِشِ المَنْكِبَيْنِ يَجْلِسُ وَأَمَامَهُ طَبَقٌ خَاوٍ وزُجَاجَةُ شَامپانيا مَفْتُوحَةٌ يَعُبُّ رَغْوَتَهَا البَيْضَاءَ مِنْ كَأْسٍ فِي يَدِهِ اليُمْنَى، وفِي يَدِهِ اليُسْرَى بَرَزَ سِيجَارٌ بُنِّيٌّ مَحْشُورًا بِينَ إصبعَيْهِ: السَّبَّابَةِ والوُسْطَى. دَنَا النَّاقِدُ الشَّابُّ مِنْهُ قَائِلًا: “أَنَا أَحَدُ مُسْتَمِعِيكَ.” رَفَعَ عَازِفُ الپيانو رَأْسَهُ وهُوَ مُنْحَنٍ نَحْوَ المَوْضِعِ الشَّاغِرِ مِنْ طَاوِلَتِهِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِ بالجلوسِ. كَانَ وَجْهُهُ جَامِدًا لَا يُعَبِّرُ عَنْ أَيِّ انْفِعَالٍ وإنْ خَفِيَ: لَا يَعْتَرِيهِ أَدْنَى فَرَحٍ ولَا أَوْهَى تَرَحٍ. ظَلَّ صَامِتًا لِثَلاثِ دَقَائقَ أَوْ أَرْبَعَ، وكَانَ بَيْنَ الفَيْنَةِ والأُخْرَى يَسْحَبُ طَرْفَ سيجارِهِ بِشَفَتَيْهِ الرَّقِيقَتَيْنِ ويَنْقُرُ بِأَنَامِلِهِ حَافَّةَ الطَّاوِلَةِ مُنْصِتًا بانْتِبَاهٍ تامٍّ إِلَى مَخَاضِ لَحْنٍ يُولَدُ فِي جَنَانِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَجأةً وقَالَ:
ماذا تُرِيدُ مِنِّي؟
لَمْ يَكُنْ النَّاقِدُ غَبِيًّا إلى هذا الحَدِّ، فَأَجَابَهُ قَائِلًا:
أَنْتَ مَا أُرِيدُ.
بَعْدَمَا خَيَّمَ بَيْنَهُمَا الصَّمْتُ لِدَقِيقَةٍ أُخْرَى، شَرَعَ النَّاقِدُ يَصِفُ انْطِبَاعاتِهِ عَنْ الپيانو الصَّامِتِ بِمَزِيجٍ مِنَ كَلِمَاتٍ مُشَوَّشَةٍ طَمَسَتْ مَلَامِحَهَا شِدَّةُ اِنْفِعَالِهِ، حَتَّى قَالَ فِي خِتَامِ حَدِيثِهِ المُقْتَضَبِ والمُؤَثِّرِ عَلَى الرُّغْمِ مِنْ كَوْنِهِ مُضْطَرِبًا مُشَوَّشًا:
لَا أَعْرِفُ بِمَا أَصِفُكَ. مَنْ تَكُونُ حَقًّا؟ مُغَامِرٌ أَنْتَ أَمْ مَوهُوبٌ؟
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَحْضَرَ النَّادِلُ عَشَاءَ عَازِفِ الپيانو واِلْتَفَتَ نَحْوَ النَّاقِدِ بِنَظْرَةٍ مُتَسَائِلَةٍ، فَطَلَبَ النَّاقِدُ زُجَاجَةً مِنَ النَّبِيذِ الأَبْيَضِ الفَوَّارِ [آستي سپومانتي]، لِيَسْتَأْنِفَا مَا دَارَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَدِيثٍ.

قَالَ عَازِفُ الپيانو وهُوَ ينفضُ رَمَادَ سِيجَارِهِ فِي المَنْفَضَةِ:
كُنْتُ فِي رَيْعَانِ شَبَابِي أَعْزِفُ عَلَى الپيانو النَّاطِقِ. حَاوَلْتُ جَاهِدًا أَنْ أَرْوِيَ للنَّاسِ بأَصَابِعِي عَنْ بيتهوڨن وسكريابين وموتسارت، لَكِنِّي سُرْعَانَ مَا اِقْتَنَعْتُ بِأنِّي أُخَاطِبُ أُنَاسًا صُمًّا بُكْمًا. مَرَّتِ المُوسيقى عَلَى آذانَهِمْ فَلَمْ يَسْمعُوا نِدَاءهَا، وعِنْدَمَا كَتَبُوا عَنْهَا كَانَتْ السُّطُورُ فِي جَمِيعِ مقالاتِهِمْ وكُتُبِهِم خَرْسَاءَ لَا يَنْبَعِثُ مِنْهَا إلَّا خَرَسٌ أَرْقَطُ طَافِحٌ بآلافِ الحروفِ والعَلَامَاتِ السَّوْدَاءِ.
إذًا هذا هُوَ السَّبَبُ…
إنْ رَوَيْتُ لَكَ قِصَّتِي كَامِلَةً، لَرَأَيْتَ مِنِّي تَعَاسَةً وسَخَافَةً لَا حَدَّ لَهُمَا. هُنَالكَ المِئَاتُ والمِئاتُ مِنَ عَازِفِي الپيانو مِثْلِي تَمَامًا، بِأَصَابِعَ نَاحِلَةٍ طَوِيلةٍ كَهَذِهِ. ظَلَلْنَا نَقْرَعَ أَبْوَابَ أَرْوَاحِ البَشَرِ فَلَا يُجِيبُنَا إلَّا صَمْتٌ مُطْبِقٌ؛ حَتَّى قَرَّرْتُ أَنْ أُخَاطِبَ الصُّمَّ والبُكْمَ بِپيانو أَصَمَّ وأَبْكَمَ، لَقَدْ كَانَتْ مُجَازَفَةً محْفُوفَةٍ بِالمَخَاطِرِ، لَكِنَّنِي أَنْجَزْتُهَا بِنَجَاحٍ. آهٍ لَوْ تَعْلَمُ مَا تَصْنَعُهُ بِي تلكَ الحِيلَةُ البَاهِرَةُ عَلَى خُطُورَتِهَا! فَحِينَمَا أَعْزِفُ عَلَى المَفَاتيحِ البَكْمَاءِ المَصْبُوغةِ باللَّوْنَيْنِ الأَبْيَضِ والأَسْوَدِ، أَسْمَعُ أَفْكَارِي وقَدْ اِكْتَسَتْ لَحْمًا مِنَ النَّغْمِ المُحْتَجِبِ: إنَّ كُلَّ مَا يَعْتَمِلُ فِي نَفْسِي مِنْ أَجِيجِ وَجْدٍ وهَدِيرِ بُغْضٍ أَطْبَعُهُ عَلَى المَفَاتيحِ العَاجِيَّةِ بِأَنَامِلَ مُضْطَرِمَةِ.

قَالَ النَّاقِدُ وَهُوَ يُنَحِّي جَانِبًا الكَأْسَ الذي مَلَأَهُ لَهُ العَازِفُ:
لَكِنَّ حِيلَتَكَ الخَطِرَةَ لَا تَخْلُو مِنْ سُخْرِيَةٍ سَافِرَةٍ؛ فإنَّ “لَحْنَ مَسِيرَةِ الصُّمِّ والبُكْمِ مِنْ أَجْلِ مَبْتُورِي السِّيقَانِ” لَهُوَ إِهَانَةٌ مُشِينَةٌ للإنْسَانِيَّةِ. إنَّهُ جُرْمٌ أَرْبَأُ بِكَ أَنْ تَقْتَرِفَهُ، فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّكَ مُبْتُورُ السَّاقَيْنِ مِثْلَهُمْ، هَلْ تُوقِنُ بِأَنَّكَ تَمْتَلِكُ سَاقَيْنِ حَقَّ اليَقِينِ؟
يَا لَهَا مِنْ مُلَاحَظَةٍ ثَاقِبَةٍ مُشَبَّعَةٍ بِمَاءِ الدَّهَاءِ.

نَقَرَ العَازِفُ بِأُنْمُلَةِ خِنْصَرِهِ الأَيْمَنِ حَافَّةِ كَأْسِهِ الذي كَادَ أَنْ يَفْرَغَ، مُصِيخًا بِأُذُنَيْهِ الوِطْوَاطَيْنِ الضَّخْمَتَيْنِ إِلَى الصَّوْتِ الخَافِتِ لِنَقَرَاتِهِ.
قَبْلَ سِتِّ سَنَواتٍ، كُنْتُ أُؤَدِي عَرْضًا مُوسِيقيًّا فِي مَدِينَةٍ بِجَنُوبِ فرنسا، عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ الجَارُون: النَّهْرُ الذي يُرَتِلُ أُغْنِيَتَهُ السَّاحِرةَ التي يَنْبَثِقُ لَحْنُهَا مِنْ هَدِيرِ المَاءِ وهُوَ يُدَاعِبُ ضِفَافَهُ بأَنَامِلَ مِنْ الرَّذاذِ الحَنُونِ. إنَّ تِلْكَ الأُغْنِيَةَ العَجِيبَةَ يُنْصِتُ إِلَى سِحْرِهَا الصَّيَّادُونَ، ومِنْ رَحْمِ هَمْهَمةِ قَطَراتِ المَاءِ تُولَدُ أَغَانِيهم. أَتَذَكَّرُ أَنِّي كُنْتُ أَعْزِفُ السوناتا الأولى لبيتهوڨن: هذه السُّونَاتا قَدْ شَغَفَتْنِي حُبًّا، لِأَنَّهَا جِسْرٌ جَمِيلٌ وجَلِيلٌ بَيْنَ مُوتسارت وعَصْرِنَا. وبَيْنَمَا كُنْتُ أَعْزِفُ المَوَازِيرَ الأَخِيرَةَ مِنَ السُّونَاتَا مُبَشِّرًا بِمِيلَادِ سوناتاتٍ جَدِيدَةٍ، ضَلَّ بِنْصَرِي اللَّعِينُ وَنَقَرَ مُفْتَاحًا أَسْوَدَ بَدَلًا مِنْ الأَبْيَضِ، عَازِفًا نَغْمَةَ فَا دِييز [فَا مُرْتَفِعَة] بَدَلًا مِنْ فَا خَالِصَةٍ، وإذا بِي فِي اليَومِ التَّالِي أَجِدُ مَقَالًا سَاخِرًا فِي الصَّحِيفةِ المَحَلِّيَّةِ يَسْتَهْزِئُ بعَازِفِ الپيانو الذي أَعْوَزَتْهُ أَنْصَافُ النَّغْمَاتِ. لَقَدْ أَصَابَنِي المَقَالُ بِصَدْمَةٍ نَفْسِيَّةٍ هَائِلَةٍ، فَقَرَّرْتُ إِلْغَاءَ حَفْلِي المُوسِيقِيّ التَّالِي، وصِرْتُ فَرِيسَةً لوَسْوَاسٍ يَلْتَهِمُ رُوحِي: فَكُلَّمَا جَلَسْتُ إلى الپيانو، شَلَّنِي العَجْزُ، لَمْ يَعُدْ بِمَقْدُورِ أَنَامِلِي إلَّا أَنْ تَنْسَابَ بِرِفْقٍ حَذِرٍ عَلَى سَطْحِ مَفَاتيحِ الپيانو فَلَا أَكَادُ أَلْمِسُهَا مِنَ الهَلَعِ. قَدْ صَارَ مُحَتَّمًا عَلَيَّ أَنْ أُضْنِيَ عَقْلِي كَي أَتَحَقَّقَ مِنْ صِحَةِ النَّغْمَةِ قَبْلَ أَنْ أَتَجَاسَرَ وأَلْمِسَ مُفْتَاحَهَا لَمْسًا وَجِلًا، وتَفَاقَمَتْ هَوَاجِسي حَتَّى صِرْتَ أُبْغِضُ الصَّوْتَ ذَاتَهُ وأَخْشَاهُ: كَانَ الصَّوْتُ يَهْرُبُ مِنِّي، ورُبَّمَا كُنْتُ أَنَا مَنْ يَهرُبُ مِنهُ، حَقًّا لَا أَدْرِي. فِي تِلْكَ اللَّيالِي حَالِكَةِ السَّوَادِ بَدَأَت الفِكْرَةُ تَنْمُو فِي ذِهْنِي… الفِكْرَةُ التي أَزْهَرَتْ مَا سَمِعْتَهُ، أَقْصُدُ مَا لَمْ تَسْمَعْهُ.
كَفَّ العَازِفُ عَنِ الكَلَامِ ليُنَادِي النَّادِلَ طَالبًا زُجَاجَةً أُخْرَى مِنَ الشَّامپانيا. وبَعْدَ دَقِيقةٍ وَاحِدَةٍ، فَرْقَعَتْ سَدَّادَةُ الزُّجَاجَةِ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وبَعْدَ هُنَيْهَةٍ كَانَتْ فَقَاقِيعُ صَغِيرةٌ بَيْضَاءُ تَنْفَجِرُ فِي صَمْتٍ عَلَى سَطْحِ السَّائِلِ الأَصْفَرِ الذي أُتْرِعَ بِهِ كَأسُ العَازِفِ. تَمَهَّلَ العَازِفُ والنَّاقِدُ بُرْهَةً مِنَ الوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْنِفَا حَدِيثَهُمَا.
هُنَاكَ كَاتِبٌ رُوسِيٌّ كَتَبَ قِصَّةً تَحْكِي عَنْ “بيتهوڨن” فِي الأَيَامِ الأَخِيرةِ مِنْ حَيَاتِهِ…
إنَّكَ لَشَدِيدُ التَعَلُّقِ بِهَذَا الاسْمِ.
أَجَل، إنِّي لمَشْغُوفٌ باسْمِ المُوسِيقِيِّ الأَصَمِّ الذي أَنْصَتَ إِلَى العَالَمِ… بَدَأْتُ أَتَذَكَّرُ القِصَّةَ… كَانَ بِهَا كَلِمَةٌ لبيتهوڨن نَصُّهَا “مَمْلَكَتِي قَائِمَةٌ فِي الهَوَاءِ.” حَسَنًا، تَذَكَّرْتُ: فِي تِلْكَ القِصَّةِ يَرْتَقِي النَّابِغَةُ الطَّاعِنُ فِي السِّنِّ سُلَّمًا خَشَبِيًّا مُتَصَدِّعٍ بِقَدَمَيْنِ وَاهِنَتَيْنِ لَا تَسْمَعُ وَقَعَ خَطْوَاتِهِمَا أُذُنَاهُ، صَاعِدًا إِلَى العُلِّيَّةِ الضَّيْقَةِ، حَيْثُ يُمْضِي أَيَامَهُ الأخِيرةَ جَالِسًا أَمَامَ پيانو قِيثَاريٍّ [هارپسيكورد] أَخْرَسَ بِلَا أَوْتَارٍ، حَيْثُ يَغْرِسُ أَفْكَارَهُ فِي المَفَاتِيحِ الصَّامِتَةِ لِتَتَحَوَّلَ إِلَى نَغْمٍ لَا يِسْمَعُهُ أَحَدٌ سِواهُ؛ ولَا نَسْمَعُهُ نَحْنُ؛ لَأنَّنَا كَقُلُوبِ الطَّوَاغِيتِ صُمٌّ بُكْمٌ.
نَحَّى عَازِفُ الپيانو الصَّامِتِ كَأْسَهُ جَانِبًا واِسْتَدَارَ نِصْفَ اِسْتِدَارَةٍ قَائِلًا:
لَقَدْ نَسِيتُ اسمَ الكَاتِبِ الرُّوسِيِّ الذي ألَّفَ تِلْكَ القِصَّةِ… كَانَ اسمُهُ يَبْدَأُ بأووو.. أووودو..
أودوفسكي، اِسْمُهُ ڨلاديمير أودوفسكي والقِصَّةُ التي تُشِيرُ إلَيْهَا مَوجُودَةٌ فِي كِتَابِهِ “ليالٍ رُوسِيَّة”.
كَيْفَ عَرَفْتَ؟
أَنَا رُوسِيٌّ… سَأَمْكُثُ هُنَا فَتْرَةً وَجِيزَةٍ، وحِيْنَمَا أَعودُ إلى موسكو سَأَحْكِي لأَصْدِقَائِي عَنْ حَفْلِكَ المُوسِيقيِّ الذي لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الغَرَابَةِ. إنَّهُ يُبْطِنُ “مَعْنًى جَدَلِيًّا” خَاصًّا بِهِ، إنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ. فَهُنَاكَ، حَيْثُ تَقْبَعُ الحَيَاةُ تَحْتَ كَوَاتِمِ الصَّوْتِ، تَبْدُو مُوسِيقَاكَ الخَرْسَاءُ صَاخِبَةً.
حَسَنًا، مَاذا لَوْ زُرْتُكَ فِي روسيا؟ لَطَالَمَا رَاوَدَنِي الحُلْمَ بالذِّهَابِ إِلَى هُنَاكَ.
حَقًّا؟ إذًا سِيَتَحَتَّمُ عَلَيْكَ أَنْ تَعُودَ إلى السُّونَاتَا الأُولَى لبيتهوڨن، وعَلَى مَفَاتِيحِكَ البَيْضَاءِ والسَّوْدَاءِ [نَغْمَةِ فا دِييز ونَغْمَةِ فَا] أَنْ يَصِلَا إلى اتِّفَاقٍ يَجْمَعُهُمَا، وعَلَى عَزْفِكَ أَنْ يَكونَ مَعْصُومًا مِنَ دَقَائِقِ الزَّلَّاتِ، وعَلَى أَنَامِلِكَ أَنْ تَكُونَ بَرِيئَةً مِنْ صَغَائِرِ الهَفَوَاتِ. هُنَاكَ سَتُجَابِهُ أَصَابِعُكَ عَدَدًا وَافِرًا مِنَ الخُصُومِ الخَطِرِيْنَ، سَيَتَحَدَّثُونَ إِلَيكَ بأَصواتٍ وَتَرِيَّةٍ لَهَا هَزِيمُ الرُّعُودِ تَجْعَلُكَ تَتَّخِذُ مِنَ الصَّمْتِ مَلَاذًا لَكَ. إنَّا فِي مَسِيسِ الحَاجَةِ إِلَيكَ؛ لِذَلكَ أَنْصَحُكَ بِأَلَّا تَذْهَبَ إلى هُنَاكَ وَأَنْ تَبْقَى هُنَا، أَنْتَ وَحْدَكَ مَنْ سَيَفْهَمُ كَلَامِي دُونَ مَزِيدٍ مِنَ الحَشْوٍ، يَا نَابِغَةَ النَّغْمَاتِ الخَرْسَاءِ.

تَصَافَحَ الرَّجُلَانِ بالأَيْدِي ثُمَّ اِفْتَرَقَا.
ومِنْ شِبْهِ المُحَالِ أَنْ يَلْتَقِيَا مَرَّةً أُخْرى.

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات