“التلصص” في مهرجان قراءة صنع الله إبراهيم… بقلم: أكمل صفوت
بقلم: أكمل صفوت
طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

أهلا بأصدقاء صالون تفكير وبأعضاء نادي كتاب تفكير وبالضيوف اللي اهتموا يحضروا ويشاركونا وأهلا بأي حد حايشوف التسجيل ده في أي وقت في المستقبل.
نشاط نادي كتاب تفكير كان بقى له فترة متوقف لانشغال الأعضاء لكن فقدنا لكاتب في أهمية وتأثير صنع الله إبراهيم، حفزنا نجتمع ونبدأ من جديد. وقررنا نعمل حاجة جديدة ماعملناهاش قبل كده وهي إننا نعمل مهرجان لقراءة أعمال صنع الله واخترنا ٩ من كتبه علشان نقدمها في ٣ لقاءات كل لقاء ٣ كتب. حاولنا يكون في الكتب اللي حنعرضها ونناقشها في كل لقاء موضوع مشترك أو تيمة لكن نظرا لأن الناس اللي قررت تشارك هي اللي اختارت الكتب وماكانش فيه تنسيق مسبق، بس أنا في الحقيقة مش شايف إن دي نقطة جوهرية بالذات.
هنبدأ كل لقاء بتعريف صغير عن جانب واحد من جوانب صنع الله في خمس دقايق، النهارده مثلا الجانب الشخصي والمرة التانية الجانب السياسى والمرة التالتة الجانب الأدبي الفني. بعد عرض قصير للجانب اللي اخترناه حنعرض الكتب التلاتة يما لا يزيد عن الساعة وبعدين حنفتح الباب لمداخلات الحضور ونسعى إن اللقاء يبقى في حدود الساعة ونص إلى ساعتين بالكتير.
وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة، يوم الأربعاء الموافق 24 فبراير سنة 1937. الأب كان موظف وصل لمركز كبير نسبيا في السلك الوظيفي، ومن عائلة برجوازية متوسطة أو متوسطة عليا. وقت ولادة صنع الله كان شارف على الستين في حين الأم كانت أقل من عشرين سنة، من عائلة فقيرة. الأم كانت ممرضة بترعى زوجة الأب الأولى. والأب تزوجها في السر وأعلن زواجه بعد وفاة زوجته. الملابسات دي خلقت مشاكل ونوع من العداوة بين الأب وأولاده الكبار من مراته الأولى وفجوة وجفوة بين صنع الله وإخواته من أبوه.
لما صنع الله بقى عنده ٦ سنين، يبدو إن أمه أصيبت بمرض نفسى، خلاها تسيب البيت غالبا علشان تتحجز فى مصحة. أنا باقول غالبا لأن ده اللي نقدر نستشفه من كلام صنع الله اللي كتبه في مقال عن القاهرة واللي موجود بوضوح في التلصص. تم الطلاق بين أبوه وأمه واتربى صنع الله مع والده اللي يبدو انه حاول أو بالفعل اتجوز أكتر من مرة وكانت محاولاته بتفشل.
صنع الله بيقول إن والده كان حكاء بارع وقارئ نهم وكان عنده مكتبة كبيرة وكان تأثير الأب هو اللي دفع صنع الله للقراية. صنع الله قال ان باباه شارك في ثورة ١٩١٩ ويبدو ان كان عنده حس وطني يمكن ساهم في توجهات صنع الله السياسية.
اتنقل صنع الله مع والده فى بيوت كتيرة كان مستواها بيقل بشكل بيعكس تدهور طبقي من العباسية لباب الفتوح للسيدة زينب للأزبكية للدقي. الأب توفى سنة ١٩٥٥ يعني صنع الله كان عنده ١٨ سنة. وأنا في الحقيقة مش عارف حصل إيه لصنع الله بعد وفاة والده. هل اتنقل يعيش مع حد ولا عاش لوحده. هو كان ١٨ سنة ويقدر قانونا يستقل وماأظنش ان حالة والدته كانت تسمح يعيشوا سوا ولا هو عمره جاب سيرة الفترة دي. تقديري أنه عاش لوحده ودخل كلية الحقوق وانغمس في السياسة.
ماكملش في الحقوق، غالبا بسبب اعتقاله مع الشيوعيين سنة ١٩٥٩، وفضل في المعتقل لحد سنة ١٩٦٤. في المعتقل قرر يبقى كاتب. وكتب على ورق البفرة اليوميات اللي بقت جزء من كتابه يوميات الواحات. بعد ما خرج من السجن اشتغل في الصحافة، في وكالة الأنباء المصرية وبعدين الألمانية الشرقية. راح موسكو في منحة لدراسة السينما كورس عن المخرج-المؤلف. بعدها رجع مصر وقرر التفرغ للكتابة.
تزوج من الأستاذة ليلى عويس اللي كانت متجوزة محمد يوسف الجندي واحد من كبار قادة الحركة الشيوعية المصرية (غالبا بعد رجوعه من موسكو حوالي سنة ١٩٧٤. ماخلفوش لكن ربى بنتها نادية اللي كتبت عنه هي وجوزها كلام مؤثر جدا بعد وفاته.
ده اللي قدرت أتحصل عليه. من معلومات عن حياة صنع الله إبراهيم.
دلوقتي ندخل في أول رواية حانناقشها وهي
“التلصص”
ده يمكن أكتر كتاب عجبني لصنع الله. علشان كده قررت أختارها للمهرجان، كنت نسيت تفاصيلها ولم يبق منها عالقا في ذاكرتي إلا لقطات عابرة وبقايا إحساس “الأسى” الذي تملكني وأنا أقرأها للمرة الأولى. هي رواية جميلة بس فيها كمية حزن كبيرة وتقيلة جدا في الحقيقة.
الراوي في القصة طفل في التاسعة يجتر مشاهد حياته اليومية مع أبيه “خليل” الذي يحمل البكوية من الدرجة التانية. وموضوع الدرجة التانية اللي مابيتكتبش رسميا في الورق ده مهم شوية لأن فيه إحالة لحالة، مدهشة بتخلّي البكوية، اللي المفروض نوع من الرفعة، كأنها نكتة أو على العكس فيها نوع من التحقير، كأن الواحد فشل يبقى بيه كامل. فهي بتجسد الفشل مش النجاح. ودى بالضبط كانت حالة خليل اللي كان المفروض يبقى موظف كبير عالمعاش وأب لأولاد بياخدوا بالهم منه وجد لأحفاد. فإذا به ينتهي شايل مسؤولية طفل، ووحيد. هي دي اللي بتتكشف للابن بالتدريج وهو بيتلصص على أبوه اللي حالته تحولت من حال إلى حال.

خليل الآن بالمعاش ويبدو أنه كانت له رتبة ما في الجيش وزوجة وأولاد. مرضت زوجته فتزوج سرا من الممرضة اللي كانت بترعاها وأنجب منها بطل روايتنا. لما تكشف أمر الزواج بعد وفاة الزوجة انقطعت صلة الأب بابنه ولكنها بقيت مع بنته “نبيلة” وجوزها “فهمي” وأولادهم شيرين وشوقي. الزوجة الجديدة أصيبت بمرض نفسي وانتهت في مصحة وعاش الأب العجوز يرعى ابنه وحيدا بيحاول يحتفظ بحضانة ابنه وبيجاهد متاعب السن والوحدة وتدهور الحالة الاقتصادية.
وعي الطفل بيرصد الرحلة الصعبة دي وبيحاول يفهم تعقيد الظروف والمشاعر اللي بيمر بيها الأب وهو نازل في الزحليقة المرعبة اللي متجهة للفناء دي من خلال تلصصه الدائم على أبوه. في أول صفحة من الكتاب بيقدر صنع الله بجمله القصيرة التقريرية ومن غير إسهاب ولا شرح يوضح لنا أن الأب بيعاني من ضائقة مالية من خلال جمل مقتضبة عن تذكرة التروماي، بيع الساعة، اللوتارية، وشراء نظارة قراية من على الرصيف.
رغم إن محور القصة هو الأب (من خلال عينين ابنه) إلا أن غياب الأم “حاضر”، جدا ومحسوس. والتيمة دي بتتكرر كتير من خلال مشهد من الماضي فيه وجه الأم بيخترق الحاضر. غالبا ده بيكون مع أي تواصل بواحدة ست بس بيتضفر في السرد بشكل غير متوقع ومن غير تمهيد بحيث يبان كأنه جزء من الحكي عن الحاضر.
القصة عبارة عن سرد لأحداث يومية متكررة. كعادة صنع الله إبراهيم لا تخلو القصة من السياسة كخلفية للأحداث، فالقصة تحدث في عام ١٩٤٨، بعد الحرب العالمية وأثناء حرب فلسطين لذا تتخلل الأحداث -ووعي الطفل بطل الرواية- مظاهرات الطلبة وغارات على القاهرة ومناقشات سياسية عن فساد الملك وإرهاب الإخوان. بس أعتقد دي أقل رواية من روايات صنع الله السياسة بتلعب فيها دور.
صنع الله إبراهيم اختار “التلصص” عنوان للرواية وكتيمة تتكرر طوال الأحداث. تحيلنا كلمة “التلصص” إلى الكثير من المعاني والمشاعر والمفاهيم. مبدئيا التلصص هنا مش فعل لكن حالة. حالة من محاولة الفهم دافعها حب الاستطلاع ونتيجتها مش المعرفة لكن القلق. فمعرفة التلصص معرفة مقلقة ومهددة ومخيفة لأنها تكشف لنا ما تم إخفاؤه وما لا يجوز كشفه. وهي معرفة تحملنا عبء كتمان ما عرفناه وتحملنا مسؤولية فهمه بلا عون من آخرين. معرفة التلصص يصاحبها خوف. خوف الافتضاح وخوف كشف ما لا يمكننا تحمله. وأنا أظن أن صنع الله نجح ببراعة إنه يخلينا نعيش حالة الطفل بكل المشاعر دي بشكل مكثف وحقيقي.
الأهم أن المعرفة المستقاة من التلصص معرفة مجتزأة، من ثقب الباب مش حاتقدر تشوف الصورة كاملة، هناك دائما جانب مخفي من الصورة يجعل المعرفة مبتورة وناقصة. وأعتقد أن تلك الخاصية ساهمت في تشكيل البناء السردي للقصة التي تتشكل معالمها من خلال ملاحظات الطفل ومعايشته لكنها تظل دائما صورة ناقصة. في معظم الأحوال لا يحاول صنع الله أبدا استكمال الصورة لأن الهدف ليس إعطاءنا صورة كاملة بقدر إشراكنا كقراء في خبرة “التلصص” وهو ما يجعل من الرواية تجربة أدبية متميزة. خذ مثلا المشهد الذي تختلي فيه نبيلة بأخيها الصغير وتسأله بلا مقدمات “هو بابا عنده فلوس في البنك؟” فيرد الطفل بأنه لا يعرف.
لا نعرف أبدا سبب السؤال؟، محاولة للمساعدة؟، حب استطلاع؟، طمع؟ احتياج للمساعدة… كأننا “تلصصنا” على جزء من حوار عائلي ثم هربنا قبل افتضاح أمرنا… بس ده مش بيحصل في كل حاجة.
أنا شايف إن من تيمات القصة الأساسية هو بحث الابن والأب في نفس الوقت عن المرأة وعن الحنان زي ما بيتجسد في جسمها. كل واحد منهم بطريقته وبحسب احتياجه. صنع الله بيدخل أمه في الرواية من أول صفحة، في صورة فلاش باك، مربكة لأننا مابنعرفش انها فلاش باك إلا بعدين، بيبقى عايز يقعد على حجرها في الترام لكنها بتزقه فابيروح لأبوه. مشهد بيوضح الاحتياج/الجوع ده. وبنحس طول القصة باحتياج عنيف لقرب من ست تجسد صورة الأم عمره ما اتقال ولفت نظري في القصة إن كل اللقطات اللي فيها قرب حقيقي وحنان من ست مرتبطة بريحة كولونيا أو صابون. الأب كمان بيحركه جوع جنسي واحتياج للحنان وبيحاول بيأس يلاقي شريكة تساعده في البيت وفي تربية ابنه من غير ما ينجح. وفي الآخر بيحاول ينام مع الشغالة فابيفشل وكمان ابنه بيشوفهم فابيجري وهو بيقول “ينعل أبوكم”.
صنع الله مشهور بأنه بيركز على الجنس في رواياته والرواية دي مش استثناء، بس أنا عايز أتكلم في نقطتين:
الأولى ان في كل روايات صنع الله الراجل يبدو وكأنه مشغول ومركز فى جسد المرأة ودايما بيذكر اللي اتكشف منه. بس فى الحقيقة مش دايما ده مصحوب باستثارة جنسية، فيه جزء في الظاهرة دي مرتبط بفكرة التلصص الطفولي ده، التلصص حتى غير المقصود، الصدر اللى بيبان لما تنحنى أو الفخذ اللي بيتكشف لما بترفع رجلها. أظن أن حالة التلصص دي عمرها ما فارقت السرد في روايات صنع الله.
النقطة التانية اني باعتقد أن صنع الله بيوظف الجنس توظيف سياسي طول الوقت، كفاية ان رواية ٦٧ واللي كتبها سنة ٦٨ بعد النكسة مباشرة يمكن مافيهاش حاجة عن النكسة لكن مليانة بالجنس لدرجة أن الناشرين فى بيروت رفضوها للسبب ده.
لكن أظن التلصص استثناء. هنا الجنس مقصود لذاته هنا هو بيحكي عن راجل عجوز وحيد وعالمه وكيانه بينهار حواليه ومفيش أمل لإنقاذه. وفشل محاولاته اليائسة إشباع حرمانه بيجسد مأساته.
المشهد قبل الأخير في الرواية مشهد في غاية الجمال والرقة. بيحصل بعد ما الولد يرجع من المدرسة بعد ما بيكون شاف أبوه مع فاطمة الشغالة. هنا الابن بيتلصص على الأب وبيشوفه وهو بيبكي زي الأطفال. هنا مشهد التلصص مابيكونش ناقص. بالعكس بيكمل الصورة وبيوضح ازاي إن الابن والأب وصلوا في نفس اللحظة لإدراك عمق الألم والمأساة.
المشهد الأخير بتظهر فيه الأم مرة أخيرة بتقتحم الذاكرة في موقف لا يمت لها بصلة وتبان بعيدة ومش قادرة تدي أى قرب أو حنان. وكأن تذكرها ووطأة غيابها هو اللي بيفتح -في نهاية الرواية- باب الوصل بين الأب وابنه.
للاستماع للتسجيل الصوتي على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو عبر الرابط التالي:
لمشاهدة كل تسجيلات المهرجان فيديو بما فيها التقديم والنقاشات، اضغط هنا.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد