“الجليد” في مهرجان قراءة صنع الله إبراهيم… بقلم: محمد عوض

d8b5d988d8b1d8a9-d985d8add985d8af-d8b9d988d8b6-650x1024 "الجليد" في مهرجان قراءة صنع الله إبراهيم... بقلم: محمد عوض

مساء الخير. سأعترف لكم، وأنا لا أدري إن كان هذا من حسن حظكم أم سوء حظكم، أن هذه كانت أول مرة أقرأ فيها لصنع الله إبراهيم. طبعاً هو غني عن التعريف، وأنا أسمع عنه كما يسمع المرء عن أي شخصية بارزة، ولكنني لم أقرأ له من قبل.

كان حظي أنني اخترت، عندما عرض علينا الدكتور أكمل الكتب، رواية “الجليد” لأن العنوان أعجبني. سأقول لكم رأيي السطحي، والذي يمكن أن يكون شيئاً جديداً بعض الشيء بعدما استمعنا إلى عروض زملائي العميقة. أنا أحسدهم، ليس فقط على حظهم بقراءة كتب جيدة، بل على إحاطتهم بالمغزى الكبير، مثل مغزى “التلصص” وانعكاساته على الرواية، وقدرتهم على رسم صورة كاملة للشخصيات وملامحها. وإيمان ما شاء الله قدمت لنا الخط الدرامي (Storyline) كاملاً، بينما كنت أنا أقلهم حظاً في استخراج أي خط درامي واضح من الرواية. سأقول رأيي بصراحة، والذي قد يكون كله خطأ.

دعونا أولاً نقول إن رواية “الجليد” نُشرت سنة 2010، بعدما كُتبت – كما علمت من بحث بسيط – في سبعينيات القرن الماضي، لكنها لم تنشر إلا في 2010 لأسباب بعضها سياسي وبعضها له علاقة بالكاتب نفسه ونشر أعماله.

الرواية، مجازاً، هي عبارة عن شاب مصري يساري يعيش في موسكو سنة 1973، يدرس شيئاً ما في معهد (له علاقة بالأدب ربما، أنا شخصياً لم أعرف ماذا يدرس بالضبط). وكان مقيمًا في “بيت الأجانب”. الكاتب يستخدم مصطلحات روسية كثيرة ويعيشنا في أجواء الطالب المغترب.

الجليد "الجليد" في مهرجان قراءة صنع الله إبراهيم... بقلم: محمد عوض

الاغتراب ربما هو الشيء الذي أستطيع أن أقول إنه السمة التي تعبر عن ما فهمته من الكتاب. في مشاهد كثيرة، نراه يذهب ويعود من الدراسة، وينتقل بالمواصلات، ويتحرك في طوابير، ويقابل أصدقاء، كلها يلفها “الجليد”. ليس الجليد المادي الموجود في الشارع فقط، بل فقدان الحرارة وفقدان المشاعر.

وهنا أعتقد أن هناك علاقة بينها وبين رواية “التلصص” التي نوقشت قبل قليل، من ناحية السرد التقريري للجمل القصيرة. فـ “الجليد” أقرب في أسلوبها إلى “التلصص”. فهو يقدم لنا جملًا قصيرة ولا يقول ما وراء هذه الجمل، لكنه دائماً يصف: المتاجر فارغة ليس فيها بضائع، الطوابير طويلة في موسكو سنة 1973. يكتب عن أناس لا يتكلمون إلا في الأكل والشرب، ويتصلون ببعضهم ليتفقوا على موعد للممارسات الجسدية الجنسية العابرة والخالية من المشاعر، والتي تحصل بكثافة شديدة.

دائماً هناك ظلال أو ملامح من حياة سياسية موجودة لكنها مُلاحظة من بعيد. مثلاً يتكلم عن أحوال الطلبة العرب الذين معه، أو في آخر الرواية عندما تقترب حرب أكتوبر 1973، نقرأ جملًا قصيرة جداً عن انطباعاتهم: “يا ترى الإسرائيليين اللي كسبوا ولا المصريين؟”، والروس يقولون لهم: “أنتم المصريين أخذتم السلاح وبس، لكنكم طردتم الخبراء الروس”. وجود مثل هذه العبارات وسط المشاهد المتكررة الأخرى عن الحياة اليومية السطحية والبسيطة جداً، يعطينا شعوراً بأن هؤلاء الناس كانوا يعيشون فعلاً في السبعينيات، وكان هناك بريجنيف، وكان هناك السادات.

السمة العامة أيضاً، كما قلت، هي العلاقات العابرة. نحن لا نعرف اسم البطل، ولا نعرف ماذا يدرس بالتحديد، لكننا نعرف أنه يقف أمام الآلة الكاتبة أحياناً ويقص ورقاً من الصحف والمجلات لعمل مشروع ما لا نعرفه.

يدخل هذا الشاب في علاقات مع “زويا” و”نتاشا” و”هند”، وكل واحدة منهن لها صديق آخر أو متزوجة أو لها عدة أصدقاء. واضح أن الحياة كانت فيها عفوية شديدة أو خالية من المشاعر بشكل كبير.

بالإضافة إلى شخصيات الأصدقاء مثل “حميد” الصديق العربي، و”هانز” الألماني، و”فلاديمير” الروسي. كل واحد منهم يعبر عن منطقة ما، وفي الغالب عن إحباطات هذه المنطقة أو إحساسه بالتهميش. مثل “فلاديمير” الروسي الذي يحس أنه شيء مسحوق في وسط المجتمع ليس له معالم إلا السياسة التي أصبحت لا تركيبة، لا يستطيع أحد أن يعيش الحياة الاجتماعية بشكل ذي معنى.

تظهر في الجزء الأخير شخصية “المعلمة” التي علقت عليها آمالاً معينة، شعرت أنها ستعطيني الشيء الذي كنت أنتظره. هي كانت تدرس للبطل، وكانت بينهما علاقة رغم أنها متزوجة وكانت تقول إن زوجها يثق بها جداً. بدأت أحس أنها ستكون رمزاً لشيء آخر، لكن الموضوع انتهى أيضاً دون إيفاء بهذا التوقع. لم يذكر عنها إلا قليلاً، مرة كل 60 صفحة تقريباً، وفي النهاية “مافيش حاجة خالص”.

آخر جزء من الكتاب كان صادماً بعض الشيء، لأن أحد الرفقاء الذين كانوا يعتبرون من الأبطال، وهو “هانز” الألماني، وُجد مقرفصاً عارياً في الركن، وصاح الطالب الآسيوي “عرب!”، فاجتمعوا عليه وضربوه لسبب لم نكن نعرفه. في آخر الرواية، اتضح أنهم شكوا في أنه مثلي الجنس. فهاجمه واحد اسمه “ميخا” ووجدوه راكباً فوقه، فتعاونوا في سحبه إلى الردهة ثم رفسوه بأقدامهم نحو السلم ودفعوه.

والمهم في النهاية: “هكذا كان. الثلج كان يتساقط بسرعة وكثافة وغطى كل شيء حتى الأشجار باللون الأبيض، وتراكم فوق معطفي وقبعتي وحاجبي. بدأت أطرافي تتجمد. استدرت عائداً إلى بيت الطلبة”.

أنا لست متحاملاً، لكنني أقول وجهة نظري. يمكن أن يكون من سوء حظكم أنني لست مثقفاً مثل الآخرين في فهم صنع الله إبراهيم والمعاني والعبارات الخاصة به والسمات البارزة في كتابته. ولكني حريص فعلاً على قراءة “التلصص” التي عرضها أكمل، ورواية “وردة” لأن لها خطاً درامياً واضحاً.

الذي أستطيع قوله، بعد أن اطلعت على آراء النقاد سواء المعجبين بكتاب “الجليد” أو غير المعجبين، هو أن الرواية تعبّر عن الصدمة والفراغ الحسي والخلو من المعنى في أي شيء حول البطل. ولذلك لا يظهر عنده إلا الجنس، الجنس أيضاً الخالي من المشاعر. وهذا هو المؤلم. والمؤلم أيضاً أن من ضمن الصفات التي ذكرت عن شخصية البطل ككاتب، أنه يعاني من بعض المشاكل في جهازه التناسلي، فكانت العملية كلها ألماً. فالألم الجسدي، خصوصاً في الممارسة الجنسية، هو الألم الوحيد البارز. وهذا الألم المكتوم يجعله لا يعبر عن المشاهد بصورة كاملة، بل يعبر عن الجزء أو يسرده تقريرياً هكذا، كما يراه، ولا يكترث بما وراء هذا المشهد من مشاعر غضب أو حتى حزن. إنه الألم الجسدي فحسب.

لا أريد أن أطيل، ولا أريد أن أضايق أحداً بصراحة، لكنه من الجميل أن يكون في نقاشنا هذا مكان للنقد. طبعاً أنا لست في مكانة أن أنتقد صنع الله إبراهيم، لكنني أعتبر نفسي قادماً من مكان بعيد، وكأنني داخل “محطة مصر” لأول مرة وأرى أحداً يبيع أشياء غريبة لا أفهمها، فأقول فقط إني رأيتها. هذه كانت تجربتي مع صنع الله إبراهيم ومع رواية “الجليد”.

وأشكر الدكتور أكمل جداً لأنه عرفني أو أدخلني إلى هذا النادي. وإن شاء الله سأقرأ “التلصص” لأفهم أسلوب صنع الله إبراهيم أكثر، وربما بعدها أبدأ أحب كتاباته، لكن ليس من أول مرة.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات