الخلطة السرية للسلطة.. الثروة ج1.. بقلم: أحمد خفاجي
الأستاذ أحمد خفاجي يكتب سلسلة مقالات بعنوان “علي عبد الرازق وسؤال السلطة”. وهذا هو المقال السادس: “الخلطة السرية للسلطة.. الثروة ج1”.
بقلم: أحمد خفاجي

ثالثا: الثروة
“لم تكن السلطة والنفوذ في الريف قائمين على الملكية الزراعية وحدها، بل وعلى كينونة الشخص ومكانته الوظيفية وكيفية إدارته لممتلكاته” روبرت هنتر1.
وإذا كان آل عبد الرازق قد امتهنوا القضاء، ومن موارده المالية كانت بذور ثروتهم، فيجب الانتباه إلى الفارق بين السلطة والوجاهة، فكما يقرر دافيد باس “يُنظر إلى الوجاهة على أنها “احترام ممنوح طوعًا” .. فبينما قد يبث الأفراد المسيطرون الخوف لدى التابعين، يثير الأفراد الذين يتمتعون بالوجاهة التقدير لدى الآخرين”2، فإذا صح قول د. عبد العظيم رمضان “ظروف المجتمع الرجعي وقتذاك كانت تقوم على شرف المولد لا العصامية والجهد الشخصي”3 فإن آل عبد الرازق قد جمعوا بين الحسنيين: شرف المولد والعصامية والجهد الشخصي. فقد كانوا مثل غيرهم من أعيان الريف “موسرين وبارعين ومتباهين، تعود أصول كثير منهم إلى القبائل العربية التي استقرت بمصر في أعقاب الفتح الإسلامي”4.
يذكر علي عبد الرازق أن جده الأول أحمد عبد الرازق الذي قام قاضيًا على ولاية البهنسا انتقل إلى قرية أبو جرج بالقرب من بني مزار و”بنى فيها داره للسكنى والقضاء، وأنشأ في ربض القرية حديقة تبلغ نحو خمسة أفدنة، بنى لها ساقية ترويها بالماء، واختار لها أطيب أنواع الفاكهة والأزهار، وأن الخديوي محمد سعيد باشا كان يزوره في هذه الحديقة”5. ولنا أن نستنتج أن ملكية أحمد القاضي من الأراضي الزراعية لابد وأن مساحتها كانت أضعاف مساحة هذه الـ “حديقة”.
كان الخديوي سعيد قد أصدر في 5 أغسطس 1858م ما عُرف بـ “اللائحة السعيدية” والتي تعتبر “الأساس الذي قامت عليه الملكية الزراعية في تاريخ مصر الحديث”6. وهكذا فـ “بتحول ملكية الأرض من ملكية عامة إلى ملكية خاصة، أصبحت مسألة توزيع الأرض الأساس الأهم في تكون الطبقات في غالبية الأقطار العربية وخاصة مصر والهلال الخصيب”7. فقد ظهر أن الأرض يمكن أن تكون مصدر قوة وثراء8، وأعطت الملكية الفردية للأرض الحياة للبورجوازية المصرية9.
“والحقيقة أنه قبل 1837م – 1871م أي قبل أن تستقر حقوق الملكية الفردية للأرض الزراعية لا يمكنك الحديث عن طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية، وإنما يمكن الحديث عن طبقة من المنتفعين بالأرض (حيازة) يمثلون قوة اجتماعية في الريف المصري، ولكن عندما استقرت قوانين الملكية الفردية بشكل نهائي في 1891م يصبح بالإمكان الحديث عن طبقة ملاك أراضي زراعية، يأتي على رأسها صفوة كبار الملاك الذين قاموا بدور أساسي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية حتى صدور قانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952م مع ثورة يوليو، ثم قيامهم بدور غير مباشر في الفترة التالية10.
و”عند تصفية أراضي الدائرة السنية خص الإنجليز بعض الأسر بأجزاء طيبة من هذه الأرض وفي نفس الوقت أقبل على الشراء أعيان آخرون من الذين لم يلحقهم أي اتهام بعد تسوية الحساب مع الثورة العرابية. . . وهكذا قامت منافسة بين عباس والإنجليز في تكوين طبقة تدين لهم بالولاء .. وينقل “ويفل” في كتابه عن “الجنرال اللنبي” قوله: إنه من الممكن أن يجلو الإنجليز عن مصر، وهم مطمئنون إلى أنهم خلقوا طبقة من الكبراء، يُمكن لإنجلترا أن تستأمنهم على سياستها في هذه البلاد، فهم في نظر الإنجليز درع يُدافع عن سياستهم، كما يُدافع عنها الأسطول البريطاني”11.
وبصرف النظر عما إذا كان هؤلاء الملاك يشكلون طبقة ملاك أرض بالمعنى القانوني أو طبقة منتفعين، فقد كانوا يمثلون نخبة اجتماعية اعتمد عليها الحاكم واعتمدت عليه في تحقيق أهداف مشتركة أو أهداف خاصة، سواء كان هذا الحاكم من أسرة محمد علي، أو كان المعتمد البريطاني بعد 1882م، أو كان الحكم مطلقًا فرديا أو كان دستوريًا، لأنهم في التحليل الأخير كانوا يمثلون أركان السياسة العامة في البلاد”12.
حين تولى حسن باشا والد علي عبد الرازق أمر العائلة وهو في العشرين من عمره (1864م) استطاع في فترة وجيزة أن “ينمي ثروة العائلة ويرفع اسمها”13، ففي عام 1876م كان آل عبد الرازق يملكون 61 فدانا14، وفي عام 1897م أسس حسن باشا عبد الرازق وأحمد السيوفي باشا وعلي بك شعراوي والخواجه سوارس شركة لشراء تفتيش ببا والفشن التابعين للدائرة السنية بمليون وربع مليون جنيه15.
وفي الفترة من 1941م إلى 1952م كان آل عبد الرازق يملكون من 1000 إلى 5000 فدان في المنيا والمنوفية والقليوبية16، وكان عدد العائلات التي تمتلك مثل تلك المساحة في هذه الفترة لا يتجاوز 134 عائلة في مصر كلها.
أو بمعنى آخر كان 12480 مالكًا يملكون ما يقرب من نصف الأراضي الزراعية17، ففي “مجموعة كبار الملاك يجب تمييز المجموعة الفرعية الأرستقراطية الريفية بوضوح: 280 مالكًا كانوا يملكون 583 ألف و400 فدان، أي 0.01 % من المالكين كانوا يملكون 10 % من الأراضي”18.
ويذكر د. حسين خلاف أن تركز الملكيات الكبيرة في هذا العدد القليل من العائلات يعود إلى عدة عوامل سادت خلال القرن التاسع عشر، وفي النصف الأول من القرن الحالي، منها أن شراء مساحات واسعة من الأرض، للقيام فيها بعمليات الاستصلاح، لم يكن ليقدر عليه إلا الأثرياء .. كما أن البنوك وشركات الأراضي كانت تقصر عليهم ثقتها.. أما من الناحية السياسية، فمن المعروف أن الطبقة الغنية كانت هي الطبقة الحاكمة، وكانت توجه أداة الحكم لصالحها.. كما سهلت حكومة الاحتلال لبعض أعوانها في مصر الحصول على مساحات واسعة من الأراضي عند تصفية أملاك إسماعيل”19، فقد “لعب الموقف السياسي لكبار الموظفين أو المشتغلين بالسياسة دورا بارزا في الحفاظ على الملكيات أو خسارتها، مثال ذلك مصادرة الدولة لأملاك أقطاب الثورة العرابية وحرمانهم من التملك في المستقبل”20.
وهكذا أصبح آل عبد الرازق يشكلون في المنيا ما وصفه لويس عوض وراشد البراوي بـ “طبقة أرستقراطية”21 وما وصفه رءوف عباس وإبراهيم الدسوقي بـ “طبقة كبار الملاك في مصر”22 يقول جمال حمدان عن المنيا أنها “ظلت طويلا منذ إسماعيل وهي معقل من أعتى معاقل الملكيات الإقطاعية الكبرى التي تعد من كوابح تكاثر السكان”23.
في الحديث عن الثروة تتشابك الخيوط وتلتبس المقدمات بالنتائج والوسائل بالغايات؛ لذا يظل السؤال مطروحًا عن العوامل التي مكنت آل عبد الرازق من حيازة هذه المساحات الشاسعة من الأراضي، والنتائج التي ترتبت على هذه الـ “ملكية”، فامتلاك عزبة من 500 فدان أو أكثر، لم يكن يعني كذا قنطارا من القطن، وكذا إردبا من القمح والذرة فقط.. ولكن كان يعني أيضًا.. كذا صوتًا في الانتخابات24. لأن “من يملكون يتطلعون إلى السلطة لقضاء مصالحهم وحمايتهم وتأكيد حيازتهم”25
فبين (1935 – 1952) باعت مصلحة الأملاك الأميرية 200 ألف فدان ذهب أكثر من 90% منها لكبار الملاك لنفوذهم في دوائر الحكومة وما نتج عنه من تسهيلات في الضريبة وسبل الري والصرف والإفادة من تسهيلات بنك التسليف الزراعي، بل تدخلت الحكومة خلال الأزمة الثلاثينية وتحملت جزء من ديون كبار الملاك التي عقدوها بضمانة أراضيهم، كما انحصرت التسهيلات الائتمانية -العقارية والزراعية- في كبار الملاك26.
هذا علاوة على أن “المثقف من هذه الطبقة لا يُعاني منذ صغره هموم المادة التي كانت كثيرًا ما تُرغم مثقفين آخرين على اتخاذ مواقف تناقض معتقداتهم27.
وكما يقول د. رءوف عباس “قامت على الملكيات الزراعية الكبيرة مصالح اقتصادية لفئات اجتماعية متعددة، انحدرت من أصول متباينة، وشكلت في مجموعها “طبقة كبار الملاك الزراعيين” وقد تكونت ملكيات كل فئة من تلك الفئات في ظروف تختلف عن بعضها البعض وإن حكمتهم جميعا في النهاية الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ساعدت على تطور الملكيات الزراعية الكبيرة”28.
ولنتذكر هنا أن حسن باشا عبد الرازق الكبير كان قد أقام قصرًا قريبًا من قصر عابدين الذي بناه إسماعيل، ونستنتج من مقدمة طه حسين لكتاب علي عبد الرازق الذي جمع فيه مقالات أخيه مصطفى29 ومن مذكرات عبدالعزيز فهمي30 أن إقامة حسن باشا وأنجاله كانت شبه دائمة في القاهرة، وقد تسببت هذه الظاهرة، حسب د. حسين خلاف، في تركز جزء هام من القوة الشرائية في البلاد داخل المدن الكبيرة على خلاف الريف، واعتبر ذلك سببًا آخر من أسباب تأخر الصناعة31.
هوامش:
- مصر الخديوية 1805-1879 نشأة البيروقراطية الحديثة، ف. روبرت هنتر، ت: بدر الرفاعي، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى/ 2005م، ص 163 ↩︎
- علم النفس التطوري: دافيد باس، ت: مصطفى حجازي – الإمارات، مركز كلمة، الطبعة الأولى 2009م، ص 691 ↩︎
- مصطفى كامل في محكمة التاريخ، د. عبد العظيم رمضان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1978م، ص 73 ↩︎
- مصر الخديوية ص 121، وانظر بشأن أصولهم العربية (شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان، د. جمال حمدان، دار الهلال، بدون تاريخ، ص 1184) ↩︎
- من آثار مصطفى عبد الرازق، علي عبد الرازق، دار المعارف بمصر، 1957م، ص 7 و 8 ↩︎
- مصر في عهدي عباس وسعيد، زين العابدين شمس الدين نجم، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2009م، ص 143 ↩︎
- المجتمع العربي المعاصر بحث استطلاعي اجتماعي، حليم بركات، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة السادسة، 1998م، ص 140 ↩︎
- مصر في عهدي عباس وسعيد، زين الدين نجم، ص 150 ↩︎
- المجتمع المصري والجيش 1952م – 1967، د. أنور عبد الملك، القاهرة، مركز المحروسة، الطبعة الأولى، 1998م، ص 102 ↩︎
- كبار الملاك والفلاحين في مصر، 1837 – 1952، د. رءوف عباس ود. عاصم الدسوقي، بدون تاريخ، ص 171 ↩︎
- قصة الأرض في إقليم مصر، محمد صبيح، القاهرة، دار القلم، 1960، ص 65 و 74 ↩︎
- كبار الملاك والفلاحين في مصر، ص 171 ↩︎
- من آثار مصطفى عبد الرازق، ص 11 ↩︎
- الطبقة العليا بين ثورتين 1919 و1952م، ماجدة بركة، ت: محمود ماجد، القاهرة، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية، 2009م، ص 50 ↩︎
- كبار الملاك والفلاحين في مصر، ص 122 ↩︎
- الطبقة العليا بين ثورتين 1919 و1952م، ص 50 ↩︎
- التطور الاقتصادي في مصر راشد البراوي ومحمد عليش، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثالثة، 1948م، ص 143 ↩︎
- المجتمع المصري والجيش، ص 103 ↩︎
- التجديد في الاقتصاد المصري الحديث، د. حسين خلاف، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، 1962م، ص 107، وانظر: مصر الخديوية، ص 151 ↩︎
- تاريخ ملكية الأراضي في مصر الحديثة 1800م – 1950م، غابرييل بيير، مراجعة محمد الزبيدي، مجلة الاجتهاد، مج 9 عدد 39، صيف 1997م، ص 10 ↩︎
- التطور الاقتصادي في مصر في العصر الحديث، ص 143 ↩︎
- كبار الملاك والفلاحين في مصر، ص 70 ↩︎
- شخصية مصر، جمال حمدان، ص 1025 ↩︎
- قصة الأرض في إقليم مصر، ص 85 ↩︎
- المجتمع العربي المعاصر بحث استطلاعي، ص 142، نقلا عن “الصراع الطبقي في القرية المصرية” عبد الباسط عبد المعطي، ص 122 ↩︎
- التجديد في الاقتصاد المصري الحديث، د. حسين خلاف، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، 1962م، ص 112 ↩︎
- انظر: عرب معاصرون أدوار القادة في السياسة، مجيد خدوري، الدار المتحدة للنشر الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، 1973م، ص 315 ↩︎
- كبار الملاك والفلاحين في مصر، ص 70 ↩︎
- من آثار مصطفى عبد الرازق، مقدمة د. طه حسين ↩︎
- هذه حياتي، عبد العزيز فهمي، القاهرة، دار الهلال، 1963م، ص 153 ↩︎
- التجديد في الاقتصاد المصري الحديث، ص 112 ↩︎
إلى لقاء في المقال السابع…
لقراءة المقال السابق، اضغط الرابط التالي:
الخلطة السرية للسلطة.. القضاء ج2.. بقلم: أحمد خفاجي
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اترك رد