الخلطة السرية للسلطة.. القضاء ج2.. بقلم: أحمد خفاجي
الأستاذ أحمد خفاجي يكتب سلسلة مقالات بعنوان “علي عبد الرازق وسؤال السلطة”. وهذا هو المقال الخامس: “الخلطة السرية للسلطة.. القضاء ج2”.
بقلم: أحمد خفاجي

الفصل الرابع: المشهد الأول:
القاهرة، قصر عابدين، 1863 م.
بدأ الخديوي إسماعيل في الترخيص بتشكيل عدد من المحاكم الابتدائية، ومجالس استئناف في الوجهين القبلي والبحري لمراجعة أحكامها.
وفي 1871 تأسس عدد من مجالس دعاوى البلد في كل قرية كبيرة، وعواصم المديريات؛ للنظر في القضايا الجنائية والمدنية الصغيرة، وكان يُعهد بالقضايا الجنائية والمدنية الأكثر خطورة إلى المجالس الابتدائية، التي تخضع أحكامها لمراجعة مجالس الاستئناف. وفوق هذا الهرم القضائي كان هناك مجلس الأحكام المصرية، ومقره القاهرة. وفي عام 1872 أنشئت “مصلحة العدل” فانفصلت السلطة القضائية أخيرا عن السلطة التنفيذية1.
المشهد الثاني:
القاهرة، مجلس شورى النواب، 1864م.
يجتمع الأعضاء بينهم حسن باشا عبد الرازق الكبير، ويقرر “إنشاء محاكم ابتدائية واستئنافية جديدة، وتشكيل مجلسين في كل قرية أحدهما إداري والآخر للأمور القضائية2.
فاصل إعلامي:
وفي 1874 م ظهرت المحاكم المختلطة، فتم توحيد القضاء بين الرعايا الأجانب والمصريين، تحت إشراف قضاة أجانب، يتم التقاضي فيها بالفرنسية، والحكم بالقانون الفرنسي. فقد عمل نوبار باشا وزير الخديوي إسماعيل كل جهده لإنشاء المحاكم المختلطة (1876 م)3 لفك الاشتباك بين القضاء الشرعي والأجنبي.
في يناير 1876 م أصدر المجلس الخصوصي لائحة أوضح فيها ما لحق المحاكم الشرعية من تدهور، ورأى في علاج ذلك أن يتم تعيين قضاة المحاكم الشرعية بأوامر عالية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد بعد عقد امتحان لهم من مجموعة من العلماء4 وقد صدرت لائحة جديدة للمحاكم الشرعية في 17 يونيو 1880 م.
ثم أنشئت المحاكم الأهلية عام 1883 م وبدأت عملها في 1884 م بتشجيع من الإنجليز، وأصبح لناظر الحقانية حق تعيين قضاة الشرع وأنشئ تفتيش للمحاكم الشرعية، كما بدأ التفكير في تغيير أمور هذه المحاكم وانتهاز الوقت المناسب لربط أنظمتها بفلك الأنظمة الأوروبية5، ونتيجة ضغوط طبقة المثقفين الأفندية من البرجوازية الوطنية؛ لتسير على خطا القضاء الوافد في مواد القانون ولغة القضاء وطرق التقاضي.و”قد تقلصت سلطة المحاكم الشرعية رسميًا بعد إنشاء المحاكم الأهلية، فاقتصرت على النظر في الأحوال الشخصية من زواج وغيرها”6.
المشهد الثالث:
صوت الراوي:
“وفي الحق أن إصلاح المحاكم الشرعية كان من أهم خطط الإصلاح التي رسمها الأستاذ الإمام لنفسه قديمًا”7.
القاهرة، قصر عابدين 1888 م.
الحضور: الخديوي عباس والشيخ محمد عبده.
يقول الشيخ: “إن لدى أفندينا هذه المصالح الثلاث العظيمة، فيمكنه أن يصلح الأمة كلها بإصلاحها، وقد تركها الإنجليز له لأنها دينية، فهم لا ينازعونه فيها الآن، ولا يُؤمن تدخلهم في شأنها إذا طال العهد وساعدت الفرص”8.
فاصل إعلامي:
وافق عباس حلمي على خطة عبده لأنه “أراد أن يجعل لنفسه سلطة دينية آلتها الأزهر، وماليتها الأوقاف”9 والإنفاق على الحركة الوطنية التي كان يديرها ضد الإنجليز10 إلا أن كرومر سارع بإنشاء “مجلس الأوقاف الأعلى”، وصار عبده بحكم وظيفته عضوًا فيه، فبدأ الافتراق بينه وبين الخديوي، وانحاز سعد زغلول إلى الإمام، بينما انحاز مصطفى كامل إلى الخديوي11.
وفي 1888 م أسس علي مبارك قسم القضاء والإفتاء بمدرسة دار العلوم، لكنه أُلغي في 1895 م نظرًا لمعارضة علماء الأزهر12.
وعلى الرغم من انشغال محمد عبده بإصلاح القضاء الشرعي، إلا أنه منذ عودته إلى مصر عام 1888 م وحتى عام 1899 م كان يعمل قاضيًا في المحاكم الأهلية لا الشرعية13 حتى أسند إليه الخديوي توفيق منصب الإفتاء في مصر بعد استقالة الشيخ حسونة النواوي منه14 بسبب تقرير حكومي دعا إلى ضم قاضيين من المحكمة الأهلية إلى الهيئة العليا للمحكمة الشرعية. وفي 5 نوفمبر 1899 م قدم الشيخ محمد عبده تقريرًا إلى ناظر الحقانية طالب فيه بضرورة تدريس العلوم الحديثة لمن يُعينون في مناصب القضاء الشرعي.
#عاجل_وكالات_الأنباء
السويس: شتاء 1895 م.
جاءت الأنباء بحدوث مشاجرة بين بعض بحارة الأسطول الإنجليزي وبعض أهالي السويس. لكن اللورد كرومر لم يرضَ عن حكم المحكمة الأهلية؛ فأجبر الحكومة المصرية على قبول قانون “المحكمة المخصوصة” والتي جاء في نص الأمر العالي الصادر بتشكيلها في 25 فبراير 1895 م:
المادة الأولى: تُشكل محكمة مخصوصة لتحكم في الأحوال الخصوصية فيما يقع من الأهالي من الجنايات والجنح على عساكر أو ضباط جيش الاحتلال، وتعقد جلساتها في الجهة التي وقعت فيها الجناية أو الجنحة.
المادة الخامسة: لا تكون المحكمة المخصوصة مقيدة بأحكام قانون العقوبات بل تحكم بمجازاة مرتكبي الجنايات والجنح بالعقوبات التي ترى لزوم الحكم بها، بما فيها عقوبة القتل.
شاشة عرض ضخمة تتوسط خلفية المسرح مطفأ الأنوار وفي وسطها عنوان العرض:
“دنشواي 1906 م: عدالة مخصوصة”15.
صوت الراوي:
كان محمد عبده، 1904 م، بعد خلافه مع عباس، واستقالته من مجلس إدارة الأزهر “يوشك أن يُنشئ قسمًا خاصًا يختار له صفوة من طلبة الجامع الأزهر، ليتولى هو إعدادهم للقضاء الشرعي “16.
وفي إبريل 1905 م شُكلت لجنة برئاسة عبده، لإعداد لائحة المدرسة المقترحة، ووضع نظامها الدراسي، لكن وفاة الشيخ أخرت التنفيذ، حتى جاء تلاميذه و”نهض كل منهم يمشي على أثره، واستمر الجهاد إلى 1907 م حيث صدر قانون بإنشائها”.ويعلق الراوي متأسفًا: “وكنا نرتقب ظهور القانون بشغف، فوجدنا أن شروطه لا تنطبق على أخي مصطفى ولا عليّ”، “إن المدرسة التي أنشأها ذلك القانون ليست هي المدرسة التي أراد الأستاذ الإمام أن يُنشئها”17 وكان عباس قد تغير رأيه، وعارض إنشاء المدرسة بشدة بدعوى أنها تسلب الأزهر جزءًا من اختصاصه.
الفصل الخامس: المشهد الأول:
القاهرة، مشيخة الأزهر، أغسطس 1908 م.
الحضور: الشيخ مصطفى عبد الرازق، وشيخ الأزهر “حسونة النواوي”.
– الشيخ مصطفى: يا مولانا، لقد انتُدبت للتدريس في مدرسة القضاء الشرعي، فما رأيك؟
– الشيخ حسونة: أنت حر التصرف فيما تفعل يا شيخ مصطفى، لكنك تعلم أنهم ما أقاموا هذه المدرسة إلا لإضعاف أزهرنا.
تعليق الراوي:
وافق الشيخ مصطفى على الالتحاق مدرسًا بمدرسة القضاء الشرعي، هو وقليل من زملائه الذين تخرجوا معه18.
عاجل #وكالات_الأنباء
وفي نوفمبر من نفس العام بدأت الدراسة في الأزهر وفق نظام جديد رسمه قانون أصدره الخديوي في مارس لإصلاح الأزهر، لكن طلبة الأزهر ثاروا على القانون ورفضوه وتظاهروا ضده في الميادين، فاضطر مصطفى إلى أن يستقيل من المدرسة.
تعليق الراوي:
“والمسألة نفسها بسيطة جدًا، ولكنها مهمة من أجل سببها الحقيقي، وهي أعظم دليل على خطر الحكم الاستبدادي”19.
وصدر القانون رقم 10 لسنة 1911 م لينص على أن تكون مدرسة القضاء قسمًا مُلحقًا بالأزهر، وأن تبقى حافظة لنظامها، وأن يُخصص لميزانيتها بابا مستقلا في ميزانية الحكومة، إلى أن عُدلت هذه المادة بالقانون رقم 5 لسنة 1916 م إذ ألحق هذه المدرسة بنظارة الحقانية، إلى أن نجح سعد زغلول في أن يجعل المدرسة تابعة لنظارة “المعارف” وناظرها ابن أخته عاطف بك بركات.
لكن المدرسة لم تجد من المسئولين من يُحسن الدفاع عنها، فأُغلقت في 1931 م، واحتل الأزهر أبنيتها لتكون جزءًا من مؤسساته، ثم صدر القانون رقم 46 لعام 1930 م وأنشئت بمقتضاه أقسام تخصص المهنة، ومن بينها قسم التخصص في القضاء الشرعي والمحاماة، وأُلحق هذا القسم بكلية الشريعة الإسلامية وسُميت شهادته النهائية باسم العالمية مع تخصص في القضاء الشرعي20.
وفي دراسته عن مدرسة القضاء الشرعي، يذكر الباحث يامن نوح (انظر تسجيل ندوته “مدرسة القضاء الشرعي وتحولات مفهوم الشريعة” في صالون تفكير على يوتيوب ويديرها أكمل صفوت) أنه بينما كان هدف الحكومة من إنشاء المدرسة دمج المحاكم الشرعية في القضاء الأهلي، فقد كان هدف نخبة المدرسة، إعادة السلطة القضائية إلى المحاكم الشرعية، لكن المفارقة أن ذلك كان يتم وفي أذهانهم فكرة “التكويد” القانوني ذات الصبغة الفرنسية، والتي تتناقض تمامًا مع مرونة المحاكم الشرعية في الاختيار بين الآراء الفقهية.
كان القانون “المدني” هو مرجعهم في مسيرة الإصلاح، وليصلوا إلى غايتهم، أحدثوا انقلابًا في مفاهيم “الشريعة” و”السياسة الشرعية” و”الحكم الشرعي”.. إلخ. لقد تم على يد السنهوري وخلاف وغيرهم استخراج الحداثة من أحشاء التراث، باستدعاء “مقاصد الشاطبي” و”مصالح الطوفي” و”اجتهادات ابن تيمية وابن القيم” كأدوات لإنجاز مهمتهم.
وحين انتقل هؤلاء للتدريس في مدرسة الحقوق الخديوية، قاموا بإنتاج نظري ضخم عن: الحكومة الإسلامية، القانون الإسلامي، نظرية العقد في الإسلام، الفصل بين السلطات في الإسلام، وغيرها من مقولات، شكلت الزاد الثقافي لجماعات الإسلام السياسي، في حين أن كل هذا البناء النظري جاء أساسًا، في سياق عملية الإصلاح الحكومي الذي قامت به “الدولة”، وتلك مفارقة سنرى أشباحها كامنة في كل مجالات “التحديث الحكومي” أو “التجديد الإسلامي”.
المشهد الثاني:
المنصورة، 1915 م منزل القاضي علي عبد الرازق.
يجلس الشيخ مفكرًا في:
صراع القصر ودار المندوب السامي. الأزهر وجموده، وكيف يُستغل أداة في هذا الصراع. وأين القضاء من هذا كله؟
ويُمسك بقلمه؛ ليسطر أولى كلماته في بحثه عن “الحل”، فكان حل معضلة “تحديث” مصر لا يتم إلا عبر “حل ” القضاء الشرعي وملحقاته ليحل محله آخر ما أنتجته البشرية من أنظمة وقوانين ومؤسسات.
وبعد عشر سنوات سيُنشر الكتاب في إبريل 1925 م لتبدأ معركة لن تخفت أصداؤها إلى اليوم بعد 100عام، معركة السلطة والسيادة، والحداثة والتراث، والإسلام والغرب… وغيرها من ثنائيات صارت تشكل قضبانًا سُجن بين جدرانها العقل المصري خلال 200 عام.
أغلقت مدرسة القضاء الشرعي 1931 م، بعد أن وضع أساتذتها مفهومًا جديدًا ومغايرًا لما يُسمى بـ “الشريعة الإسلامية” وألغيت المحاكم الشرعية 1955 م، كآخر أثر لعصور التقليد وسيادة “الشريعة”.
ويسدل الستار على إعلان تنشره الصحف الرسمية والخاصة في أكتوبر 2020 م:
الشيخ الطيب شيخ الأزهر يعلن عن تأسيس “معهد أمناء القضاء” بكليات الشريعة والقانون للبنين، وقسم الشريعة والقانون بكليات الدراسات الإسلامية للبنات، من خريجي وخريجات الثانوية الأزهرية، ليتيح لخريجيه العمل في المحاكم والشهر العقاري ومكاتب المحاماة.
هوامش:
- مصر الخديوية ص: 62 ↩︎
- مصر الخديوية ص: 76 ↩︎
- مذكرات نوبار باشا ص: 385 ↩︎
- أمين سامي: تقويم النيل، المجلد الثالث من الجزء الثالث، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، ط: 1936 م، ص: 1294 ↩︎
- دعوة الشيخ محمد عبده لإصلاح المحاكم الشرعية وإنشاء مدرسة القضاء الشرعي، د. عبد المنعم إبراهيم الجميعي، القاهرة، 2018 م، ص: 5 ↩︎
- مذكرات سعد زغلول – ج1 ص: 112، والوقائع المصرية 31 ديسمبر 1883 م ↩︎
- من آثار مصطفى عبد الرازق ص: 33 ↩︎
- تطور الحركة الوطنية في مصر ص: 39، وانظر: مذكرات سعد زغلول 1/76 ↩︎
- تطور الحركة الوطنية ص: 39 ↩︎
- مذكرات سعد زغلول 1/76 ↩︎
- مذكرات سعد زغلول 1/76 و77 ↩︎
- دعوة الشيخ محمد عبده لإصلاح المحاكم الشرعية ص:1 ↩︎
- دعوة الشيخ محمد عبده لإصلاح المحاكم الشرعية ص:1 ↩︎
- مذكرات سعد زغلول 1/75 ↩︎
- انظر تفصيل وافٍ في عدد خاص من مجلة المجلات العربية، حسن محفوظ – السنة الثامنة، أول فبراير 1908 م ↩︎
- من آثار مصطفى عبد الرازق ص: 33 ↩︎
- من آثار مصطفى عبد الرازق ص: 35 ↩︎
- من آثار مصطفى عبد الرازق ص: 41 ↩︎
- من آثار مصطفى عبد الرازق ص: 48 ↩︎
- دعوة الشيخ محمد عبده لإصلاح المحاكم الشرعية وإنشاء مدرسة القضاء الشرعي، د. عبد المنعم إبراهيم الجميعي، القاهرة، 2018 م، ص: 2
↩︎
إلى لقاء في المقال السادس…
لقراءة المقال السابق، اضغط الرابط التالي:
الخلطة السرية للسلطة.. القضاء ج1.. بقلم: أحمد خفاجي
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اترك رد