اللجنة: كابوس السلطة ورأسمالية القهر عند صنع الله إبراهيم… بهاء الريدي
بقلم: بهاء الريدي

مساء الخير، معكم رواية “اللجنة” للروائي صنع الله إبراهيم، اللي صدرت سنة 1981، وهي الرواية الثالثة في مشواره بعد “تلك الرائحة”.
فكرة حلوة اكتشفتها وأنا ببحث عن الرواية، وهي إن أغلفتها وتصميماتها الداخلية اتعملت بواسطة الفنان الكبير “صلاح عناني” سنة 1982. التصميمات دي كانت رسوم تعبيرية قوية بتعكس جو الرواية وموضوعها. الرواية دي حتى ألهمت فنان فرنسي اسمه “توماس” يعمل منها قصة مصورة (كوميكس) مستوحاة من أحداثها.

الرواية تبدأ بعد فترة السلام (كامب ديفيد) والانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، وموضوعها الأساسي هو انتقاد نظام السلطة والرأسمالية الجديدة والسيطرة الاقتصادية الأجنبية.
ملخص الرواية:
الرواية عن مواطن مصري فوق الأربعين، يكلف بعمل “بحث” لصالح “لجنة” مجهولة الهوية. هو يذاكر ويستعد للمقابلة مع اللجنة لمدة سنة كاملة، ومقدرش يعرف أي حقيقة عنهم: من هم؟ عددهم؟ هدفهم؟ كل اللي عرفه إن اللجنة مش عربية، وأعضاؤها بيظهروا في هيئات مختلفة (عجوز، عانس، أشقر، رجل بدين، رجل قصير قبيح، وعساكر).
لما بيقابل اللجنة، بيواجه إهانة كبرى: بيطلبوا منه يرقص، ويخلع ملابسه بالكامل، وينتهكوا خصوصيته. وبيوجهوا له أسئلة غريبة زي: “ما هو أهم اختراع في القرن؟” ويرد هو – بشكل ساخر جدًا – إنه “الكوكاكولا”، وبيبرر إجابته بأنها المنتج الوحيد اللي مفهوش أي قيمة نضوج وبيخلق عادة قريبة من الإدمان، وإن الشركات العملاقة زيها في أمريكا هي اللي بتختار رؤساء أمريكا وتتحكم في العالم. وبيسألوه عن الأهرامات، فيقول لهم (في إجابة مريبة) إن “إسرائيل” شاركت في بنائها!
بعد المقابلة المهينة، بيرجع بيته وبيستنى. وبعد فترة، بيتكلف بمهمة رسمية: كتابة بحث عن “ألمع شخصية في الوطن العربي”. بعد بحث طويل، بيتوصل لشخصية رمزية أسماها “الدكتور”. الدكتور ده هو خليط من كل رجال الأعمال والسياسيين اللي كونوا إمبراطوريات مالية في فترة الانفتاح، وهو موجود في كل المشاريع: السلاح، التوكيلات الأجنبية، السينما، وله مصاهرة مع زعماء. الشخصية دي تجميع لكل الرموز الرأسمالية في تلك الفترة.
لما بيقدم فكرة “الدكتور” للجنة، بيزوروه في بيته ويطلبوا منه يغير الشخصية دي ويكتب عن حد تاني، وهو بيرفض لأنه متحمس للفكرة. بيتركوا معه في البيت أحد أعضاء اللجنة، اللي هو الرجل القصير القبيح الأحول اللي البطل بيكرهه.
الفصول التي تلي بتنقل لنا حالة البطل وهو محتجز مع الشخص القبيح ده في بيته، وبنشوف كيف يحلل الفساد في المجتمع: بيذكر قصة الماء الأسود في الحنفيات عشان يخلي الناس تشتري مياه معدنية، وجرعات الأدوية الخطيرة في دول العالم الثالث، والسجائر من غير تحذيرات. في لحظة توتر وضغط رهيبة، والسلاح (سكينة كبيرة) موجود أمامه، البطل بيفقد السيطرة وبيقتل العضو القصير القبيح.
بعد الجريمة، بيروح تاني للجنة. يلاقي الأعضاء متغيرين (العساكر لابسين مدني والعكس)، وبيكتشف إن اللجنة كلها عبارة عن جهاز عسكري/أمني واحد. اللجنة بتحاكمه وتقول له إنها كانت عايزة توحد العالم كله تحت اسم “الولايات المتحدة الأرضية”! وبيفضحوا أكثر أساليب السيطرة الاقتصادية: تحويل المياه لعكرة عشان تسويق المياه المعدنية، واستيراد سجائر غالية بتسبب اكتئاب للمواطن وانهيار لمعنوياته. اللجنة بتقرر إنه “يستحق أقصى عقوبة”.
البطل مش فاهم “أقصى عقوبة” دي إيه، والحارس بيقول له “أقصى عقوبة هي الأكل”! بيرجع على بيته وهو مش فاهم، وبيواجه واقع مرير في الشارع: زحام على الكوكاكولا، مواصلات متهالكة (زي أتوبيسات “تارتر كارتر” اللي أيامها كانت أسوأ حاجة)، ومتحرش في الأتوبيس بيضربه ويكسر ذراعه لما حاول يتدخل. بيروح المستشفى الحكومي، ويواجه فساد النظام الطبي واستغلال المرضى. أخيرًا، بيرجع لبيته مهزوماً ومكسوراً، ويقعد يسمع موسيقى كلاسيكية، وبيبدأ -حرفيًا- في “أكل ذراعه المصابة”! الرواية بتنتهي بالجملة دي، وهي صادمة ورمزية قوية جدًا لآلية التدمير الذاتي والانهيار الكامل.
تعليقي على الرواية:
الرواية دي رمزية وساخرة بمرارة. “المواطن” رمز للإنسان العادي المطحون، و”اللجنة” رمز لسلطة مجهولة وقمعية متعددة الأوجه (أمنية، اقتصادية، ثقافية)، و”الدكتور” رمز لرأس المال الفاسد المتحالف مع السلطة.
الرواية مربوطة بأعمال صنع الله إبراهيم التانية زي “تلك الرائحة” و”شرف” في تيمة الإنسان المهزوم المسيطر عليه، وبرضه ليها علاقة بأدب الكابوس والعبث العالمي زي “المسخ” و”المحاكمة” لكافكا.
حكايات جانبية:
الرواية كادت تتحول لفيلم أو مسرحية في التسعينيات، وكتب السيناريو كان صنع الله إبراهيم نفسه، وكان من المفترض يشارك فيها نجوم كبار، لكن المشروع وقف لأسباب رقابية وإنتاجية.
الرواية لسه فيها راهنية كبيرة، لأن سيطرة الشركات متعددة الجنسيات والتكنولوجيا على حياتنا اليوم دلوقتي أصبحت أشد وأقوى من أي وقت.
شكرًا، وكان دا عرضي لرواية “اللجنة”.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد