اللُّطْفُ الفَاحِشُ… قصة… ترجمة: أنطونيوس نبيل

طبيب وشاعر وملحن.

d8a7d986d8b7d988d986d98ad988d8b3-d986d8a8d98ad984-d8b4d8a7d8b9d8b1-d988d985d984d8add986 اللُّطْفُ الفَاحِشُ... قصة... ترجمة: أنطونيوس نبيل

كَانَ رانس هندريكس -اِخْتِصَاصِيُّ عِلْمِ نَفْسِ الكَائِنَاتِ الفَضَائِيَّةِ فِي البَعْثَةِ الثَّالِثَةِ لِكَوْكَبِ الزُّهْرَةِ- يَحْرُثُ الرِّمَالَ المُضْطَرِمَةِ بِقَدَمَيْهِ فِي خُطْواتٍ وَئِيدَةٍ مُنْهَكَةٍ بَحْثًا عَنْ أَحَدِ سُكَّانِ الزُّهْرَةِ؛ كَي يُحَاوِلَ للمَرَّةِ الخَامِسَةِ أَنْ يَجِدَ بَيْنَهُمْ مَنْ يُصَادِقُهُ. فَقَدْ عَلَّمَهُ الفَشَلُ الذي اِنْتَهَتْ بِهِ مُحَاوَلَاتُهُ الأَرْبَعُ السَّابِقَةُ أَنَّ عَقْدَ صَدَاقَةٍ مَعَ أَحَدِهِم هُوَ مُهِمَّةٌ مُثَبِّطَةٌ للعَزَائِمِ مُهْلِكَةٌ للآمَالِ، وَهَذَا بالضَّبْطِ مَا أَدْرَكَهُ خُبَرَاءُ البَعْثَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ الَّذِينَ حَبِطَتْ مَسَاعِيهُمْ مِنْ قَبْلُ حُبُوطًا مَقِيتًا.

لَمْ يَكُنْ العَائِقُ دَونَ مُصَادَقَةِ سُكَّانِ كَوْكَبِ الزُّهْرَةِ هُوَ أَنَّ العُثُورَ عَلَيْهِم أَمْرًا مُعْضِلًا، بَلْ كَانَ جَلِيًّا أَنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ لَا يَكْتَرِثُونَ بِنَا مُطْلَقًا ولَا تُخَامِرُ نُفُوسَهُمْ ذَرَّةُ نُزُوعٍ إِلَى مُصَادَقَتِنَا.

لقد بَدَا عُزُوفُهُمْ عَنْ مُخَالَطَتِنَا بَالِغَ الغَرَابَةِ إِذْ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ لُغَتَنَا؛ فَقَدْ كَانُوا يَمْتَلِكُونَ قُدْرَةً تَخَاطُرِيَّةً مِنْ نَوْعٍ مَا، تُمَكِّنُهُمْ مِنْ أَنْ يَفْهَمُوا مَا يُقَالُ لَهُمْ بِأَيِّ لِسَانٍ أَرْضِيٍّ، وأَنْ يَرُدُّوا بالمِثْلِ وإنْ كَانَ رَدًّا مُقْتَضَبًا صَارِمًا كَالنَّصْلِ.

رَأي هندريكسُ أَحَدَ الزُّهْرِيِّينَ قَادِمًا يَحْمِلُ مِجْرَفَةً، فَبَادَرَهُ قَائِلًا بِنَبْرَةٍ جَذْلَى: “تَحِيَّاتِي أَيُّهَا الزُّهْرِيُّ.”
أَجَابَهُ الزُّهْريُّ وهُوَ يَتَخَطَّاهُ غَيْرَ مُبَالٍ: “وَدَاعًا أَيُّهَا الأَرْضِيُّ.”
جَعَلَهُ رَدُّ الزُّهْريِّ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ مَحْضَ أَحْمَقَ، مِمَّا أَوْغَرَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ ومَلَأَ نَفْسَهُ بالسَّخَطِ؛ فَأَسْرَعَ فِي اللِّحَاقِ بِه مُكْرَهًا عَلَى أَنْ يَرْكُضَ حَتَّى يُواكِبَ الخُطُواتِ الشَّاسِعَةَ للكائِنِ الزُّهْريِّ.
صَاحَ بِهِ قَائِلًا: “مَهْلًا، لِمَ لَا تَتَحَدَّثُونَ إِلَيْنَا أَيُّهَا الزُّهْرِيُّونَ؟”
أَجَابَهُ الزُّهْرِيُّ بِنَبْرَةٍ فَاتِرَةٍ: “هَأَنَذا أَتَحَدَّثُ إِلَيْكَ عَلَى قَدْرِ مَا تُطِيقُ نَفْسِي، فَلْتَغْرُبْ عَنْ وَجْهِي مِنْ فَضْلِكَ.” ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنِ السَّيْرِ وَشَرَعَ فِي الحَفْرِ بِمِجْرَفَتِهِ مُنَقِّبًا عَنْ بَيْضِ الكُورڨيل [أَحَدِ عَجَائِبِ الدَّوَاجِنِ الزُّهْرِيَّةِ] غَيْرَ آبِهٍ للكائِنِ الأَرْضِيّ.

حَدَجَهُ هندريكس بِنَظَراتٍ طَافِحَةٍ بالإحباطِ المَرِيرِ: خَاطِبْ مَنْ شِئْتَ مِنْ سُكَّانِ الزُّهرةِ وسَيَدُورُ الحَدِيثُ عَلَى الصُّورَةِ ذَاتِهَا! تَعَدَّدَ الزُّهْريُّونَ والإخْفَاقُ وَاحِدٌ! إنَّ كُلَّ الطُّرُقِ المَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ عِلْمِ نَفْسِ الفَضَائِيِّينَ قَدْ اِنْدَحَرَتْ فِي مُوَاجَهَتِهِمْ كَأَنَّهَا عَاقِرٌ لَا تُثْمِرُ إلَّا حَنْظَلَ الفَشَلِ.

كَانَتِ الرِّمَالُ تَلْفَحُ قَدَمَيْهِ كَالجَمْرِ المُسْتَعِرِ، وَكَانَ الهَوَاءُ -مَعَ أَنَّهُ صَالِحٌ للتَّنَفُّسِ- يَلْذَعُ رِئَتَيْهِ بِنَفْحَاتٍ وَاخِزَةٍ مِنَ الفورمالدهَيْد، فَفَقَدْ كُلَّ قُدْرَةٍ لَدَيْهِ عَلَى الاسْتِمْسَاكِ بهُدْبِ الصَّبْرِ وأَطْلَقَ العَنَانَ لِغَضَبِهِ الجَمُوحِ صَارِخًا فِي وَجْهِ الزُّهْرِيِّ: “اِذْهَبْ وَضَاجِعْ نَفْسَكَ.”

قَطْعًا يَسْتَحِيلُ عَلَى الكَائِنِ الأَرْضِي أَنْ يُبَاضِعَ نَفْسَهُ، لَكِنَّ الكَائِنَ الزُّهْرِيَّ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَقُومَ بذلك لأَنَّهُ خُنْثَى [ثُنَائِيُّ الجِنْسِ].

اِسْتَدَارَ الزُّهْرِيُّ نَحْوَ الأَرْضِيِّ فِي اِنْشِدَاهٍ جَذِلٍ؛ فإنَّهُ للمَرَّةُ الأُولَى يُصَادِفُ أَرْضِيًّا يُلْقِي عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ الوَحِيدةَ التي تُعَدُّ أَقَلَّ تَحِيَّاتِ كَوْكَبِ الزُّهْرَةِ وَقَاحَةً. رَدَّ الزُّهْرِيُّ عَلَى التَّحِيَّةِ الزَّكِيَّةِ بابتسامةٍ زَرْقَاءَ سَخِيَّةٍ، ثُمَّ رَمَى مِجْرَفَتَهُ عَلَى الرِّمَالِ وَجَلَسَ لِيَتَحَدَّث.

أَصْبَحَتْ تِلْكَ اللَّحْظَةُ بَاكُورةَ صَدَاقَةٍ خَالِصَةٍ تَوَطَّدَتْ بَيْنَهُمَا وفَاتِحَةَ تَفَاهُمٍ صَافٍ جَمَعَ بَيْنَ الأَرْضِ والزُّهْرَةِ.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات