“بيروت بيروت” صنع الله وفوضى الحرب الأهلية… بنت فلسطين

بنت-فلسطين-683x1024 "بيروت بيروت" صنع الله وفوضى الحرب الأهلية... بنت فلسطين

أهلًا وسهلاً، معكم رواية “بيروت بيروت” للروائي والمترجم المصري صنع الله إبراهيم، صادرة عن دار الثقافة الجديدة سنة 1984.

أول ما تفتح الرواية تلاقي خريطة مفصّلة لبيروت منقسمة لشقّين: الشرقية (التي يهيمن عليها المسيحيون واليمين)، والغربية (التي توجد فيها فصائل المقاومة وجبهات سنيّة وشيعيّة). الخريطة دي بتخلّي القارئ يتخيّل كل الشوارع والأحداث اللي كنا بنسمع عنها أيام الحرب الأهلية اللبنانية (اللي استمرت من 1975 لـ 1990).

بيروت-بيروت "بيروت بيروت" صنع الله وفوضى الحرب الأهلية... بنت فلسطين

القصة بتبدأ مع روائي مصري يساري راكب طيارة رايح بيروت، ومعاه نسخة من مخطوط روايته عشان يعرضها على دار نشر هناك. بيروت في الفترة دي كانت مركز للإبداع والنشر، وكمان كانت “مرجل” للمقاومة ضد إسرائيل والإمبريالية، وفي نفس الوقت كانت مدينة للمال والجنس والمخابرات والتهريب بكل أنواعه.

من أول الصفحات، من خلال مشاهدات البطل في الطيارة، بنفهم أجواء البطالة في مصر أيام الانفتاح الاقتصادي، وبنعرف عن العمال المصريين اللي بيواجهوا صعوبة في السفر للعراق للعمل بسبب إغلاق مطار بغداد أيام الحرب العراقية الإيرانية، وكيف كانوا بيضطروا يعدّوا على عمان. الرواية من أولها كده بتلمّح لمصائب العرب كلها.

البطل بينزل بيروت ويلتقي بصديق قديم له كانوا مع بعض في النشاط السياسي أيام الجامعة في مصر، لكن الصديق ده خرج من السجن بعد أسبوع (بينما فضل البطل مسجون سنوات)، وهاجر لبيروت واشتغل في صحيفة هناك. الصديق بيحاول يساعد البطل في التأقلم ويدبّر له شغل مؤقت: كتابة تعليق لوثائقي عن الحرب الأهلية مع مخرجة لبنانية يسارية.

فجأة، الدار اللي كان رايح ليها البطل تتفجّر، وتبقى الآمال ضعيفة في نشر روايته. لكن بعدين يكتشف أن الانفجار ما خربش كل الدار، ويبدأ يتعامل مع “امرأة الناشر” اللي بتبدأ بينهم علاقة متوترة مليانة شبق وجمود في نفس الوقت، وما بتكتملش.

خلال وجوده في بيروت، البطل بيتمشّى في شوارع المدينة وبيستكشفها، ويدخل مناطق خطرة من غير ما يدري. في لحظة ما بيتم خطفه من ميليشيا مسيحية. أول ما يكتشفوا إنه مصري، بيحاولوا يقنعوه إن الأقباط مضطهدين في مصر، وهو بيفنّد الكلام ده. بعدين ينتقل لتحت تحقيقات جهاز أمني تاني مخيف (زي “المكتب الثاني” أو “السبّاك في إيران”)، واللي بيوصلوا فيه إنه شخص عادي. بس قبل ما يطلقوا سراحه، بيوجهوا له سؤال غريب ومفاجئ: “فين كارلوس؟” (الإرهابي الدولي المشهور أيامها). البطل بيعجب من السؤال وبيعترف إنه ميعرفش.

لما يخرج ويقابل صاحبه، صاحبه بيستقبله بعبارة: “يا معجزة! المخطوف يخرج بسرعة كده!” البطل بيستغرب ويعرف إن صاحبه كان عارف بالخطف، وبيبدأ يشكّ إن صاحبه ده ممكن يكون “جاسوس” أو على اتصال بالأجهزة الأمنية، خصوصًا إنه هو اللي خرج من السجن في مصر بسرعة وسافر على بيروت. الشكوك دي بتزيد التوتر في العلاقة بينهم.

كل محاولات البطل لنشر روايته بتفشل، وفي النهاية، وهو مستعدّ للسفر، “امرأة الناشر” بتتصل عليه وتقول له إن دار النشر رفضت نشر الرواية بسبب “الظروف الحالية”، لكنها “دبّرته” له. تقترح عليه حلّ صادم: إنهم يبعثوا المخطوط لدار نشر في إسرائيل عشان تنشره هناك، بحجة إن “العرب الميتين على الجنس” والفلسطينيين اللي هناك حيشتروا الكتاب كتير! البطل بيغضب من الاقتراح الصادم ده وبيهجم عليها في مشهد أشبه بمحاولة اغتصاب، وبتفرّ هي من الشقة. هو بيسبّ المكان وبيقرر يرجع مصر، مغمورًا بالإحباط والفشل.

أنا أول ما قريت الرواية تعبت منها، لأني كنت أعرف كتير عن تفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية، وملّيت من كثرة الأسماء والأحداث السياسية، وكنت بقرأ بس الأجزاء اللي فيها حركة. وكنت شايفة إن أسلوب صنع الله إبراهيم فيه “خلط” أو عدم ترابط بين الأحداث والخط الزمني.

لكن بعد ما قريتها مرتين أو تلاتة، وقرأت روايات تانية له زي “نجمة أغسطس”، اقتنعت إن ده أسلوب متعمّد وله قيمته الفنية، وهو أسلوب صعب مش كل واحد يقدر عليه. الأسلوب ده بيخلق جوّ عام من الفوضى وعدم الاستقرار، وهو نفسه جوّ مدينة في حرب أهلية.

الناقد محمد برادة قال عن الرواية إن فيها “جرأة في التشكيل اليومي المعاد المألوف”، وإنها تقودنا لـ “بيروت الرمز”: رمز ثورة الفقراء، وانتصار الحلم الفلسطيني، وازدهار الثقافة، والمتعة المتحررة من المحرمات.

شكرًا، وكان دا عرضي لرواية “بيروت بيروت”.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات