بَصْقَتَانِ مُدْلَهِمَّتَانِ… بقلم: أنطونيوس نبيل
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

-1-
بِصَوْتٍ عَبُوسٍ مَزِيجٍ مِنْ صَرِيفِ تُرُوسٍ مُصَابَةٍ بالتهابٍ رئويٍّ حَادٍّ وهَزِيمِ رُعُودٍ تُكَابدُ اِنْحِشَارَ حَصَيَاتٍ شائكةٍ فِي حَوَالِبِ أَوْتَارِهَا الصَّوْتِيَّةِ، قَامَ في الجَمْعِ وَاعِظًا -كأنَّ حَنْجَرَتَهُ قَدْ أَوْقَرَتْ وأَلْغَبَتْهَا أَجِنَّةُ حَشْرَجَاتِهَا السِّمَانِ فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى حِضْنِ شَقَاشِقِ اللِّسَانِ- يُرْغِي وَيُزْبِدُ بكَلِمَاتٍ تَحْسَبُهَا لَكَمَاتٍ غَضْبَى تَتَقَيَّأُهَا أَنْفَاسُهُ تَتْرَى فِي وَجْهِ لَهَاةٍ تَسْتَمْرِئُ سِيَاطَ اللَّغْوِ ولَا تَأْبَى؛ كَيْ يُقْنِعَ الخَلْقَ بِأَنَّ الغِنَاءَ رُقْيَةُ الزِّنَا ومِزْمَارُ الشَّيْطَانِ، فَلَوْ أَنَّهُ كَفَّ عَنِ الثَّرْثَرَةِ وَشَرَعَ فِي الغِنَاءِ فَحَسْبُ؛ لَاسْتَيْقَنَتْ أَنْفُسُ مَنْ يُخَاطِبُهُم أَنَّ الغِنَاءَ هُوَ جُشَاءُ يَأْجُوجَ وفُسَاءُ مَأجُوجَ، ولآمنوا بأَنَّ كُلَّ لُحَيْظَةٍ يَسْلُخُونَهَا مُنْصِتِينَ لصَوْتٍ يَخْتَلِجُ مُتَفَسِّخًا فِي أَكْفَانِ أُغْنِيَةٍ هِي خطوةٌ يَقْطَعُونَهَا نَحْوَ أَحَابِيلِ مَنِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ -بَلْ قُلْ مَا هِيَ إلَّا وَثْبَةٌ كُفْرِيَّةٌ يَجْتَرِحُونَهَا غَافِلِينَ نَحْوَ انْقِرَاضِ البَشَرِيَّةِ انقراضًا دَامِغًا لَنْ يُؤَرِّقُهُ الصُّورُ بِنَفْخَةٍ ثَانِيَةٍ- ولَأَقْسَمُوا أَنْ يَقْرِضُوا آذَانَهُمْ بالمَقَارِيضِ تَنْزِيهًا لَهَا عَمَّا عَلِقَ بِهَا مِنَ أَوْضَارِ نَهِيقِهِ البَغِيضِ: فَطُوبَى للصُّمِّ لَأنَّهُمْ مِنْ طَاعُونِ نُخْرَةِ غِنَائِهِ يَنْجُونَ وَمِنْ مَنَاسِرِ الصُّدَاعِ الكَاسِرِ يَخْلُصُونَ.
-2-
أَقُولُ: “مَا القَلْبُ المُطْمَئِنُ باليَقِينِ إلَّا مَقْبَرَةٌ مُكْتَظَّةٌ بِجِيَفِ الأسْئِلَةِ المَوْءُودَةِ فِي أَرْحَامِ العُقُولِ.” فَتُبَاغِتُنِي نَفْسِي هَامِسَةً: “أَتَكُونُ الأَسْئِلَةُ ذَاتُهَا أَجْوِبَةً ذَبِيحةً تُقَدِّمُهَا عُقُولُنَا قَرَابِينَ لَنَا؛ لِنَغْتَرَّ بِهَا فَلَا نُصَارِحَ أَنْفُسَنَا بأَنَّنَا مَحْضُ زَوَائِدَ دُودِيَّةٍ تَبْزُغُ فِي أَحْشَاءِ كَوْنٍ -يَعْكُفُ فِيهِ اليَائِسُونَ عَلَى شَحْذِ شَفَرَاتِ وَعْيِهِم وَيُمْعِنُونَ فِي تَطْهِيرِهَا بِنَبِيذِ الصَّمْتِ مِنْ جَرَاثِيمِ لُغَةٍ لَا تُفْصِحُ إلَّا عَنْ عَجْزِهَا، قَبْلَ أَنْ يَشْرَعُوا فِي تَشْرِيمِ شَرَايِين أَحْلَامِهِمْ العِجَافِ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ التَّلَوِّثِ بِجُذَامِ الكَذِبِ العُضَالِ مِمَّا يُحَرِّضُ المَوْتَ عَلَى الاشْمِئزازِ مِنْ مُلَامَسَتِهَا وَيَحُضُّ الحياةَ عَلَى الإحْجَامِ عَنْ مُعَانَقَتِهَا؛ لِتَتَلَبَّثَ جُثَثًا ذَاهِلةً عَلَى صِراطٍ مِنَ الشَّفَرَاتِ المَشْحُوذَةِ وأَقْدَامُهَا تَذْرِفُ عِطْرًا لَاذِعًا لَا تَسْتَسِيغُهُ إلَّا الفَرَاشَاتُ الظَّمأَى المَصْلُوبَةُ عَلَى قَوَائِمِ العُرُوشِ وأَعْيُنُهَا تَبْصُقُ صَدِيدًا يَانِعًا لا تُصْبَغُ بِهِ إلَّا الشِّعَاراتُ الغَضْبَى المَرْقُومَةُ عَلَى بَيَارِقِ الجُيُوشِ وَمِنْ بَيْنِ شِفَاهِهَا يَنْبَثِقُ خَرَسُ إلهٍ لا يَرْحَمْ مَنْ يَشُكُّ فِي وَاسِعِ رَحْمَتِهِ يُمَازِجُهُ أَنِينُ رَضِيعٍ يَحْبُو وَسْطَ الحُطَامِ؛ لِيَلْتَقِمَ عَبَثًا ثَدْيَ امرأةٍ ذَبِيحَةٍ- هُوَ نَفْسُهُ زَائِدَةٌ دُودِيَّةٌ تَلْتَهِبُ فِي أَحْشَاءِ إِلَهٍ مُتَجَهِّمٍ هُوَ نَفْسُهُ زائِدَةٌ دُودِيَّةٌ تَنْفَجِرُ فِي أَحْشَاءِ أَرْوَاحِ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنْ مُصَارَحَةِ أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَحْضُ زَوَائِدَ دُودِيَّةٍ؟” قَاطَعْتُهَا قَائِلًا: “فِي مرآةِ سُؤَالِكِ يَتَجَلَّى لِي الأوروبوروس بِشَكْلٍ مَعْكُوس: الأفعى تَتَقَيَّأُ نَفْسَهَا عِوَضَ أَنْ تَلْتَهِمَ ذَيْلَهَا!” وكَأنَّهَا لَمْ تَرَ فِي مرآةِ قَوْلِي إلَّا صَمْتًا مُرَقَّشًا بِنُدُوبٍ لَهَا هَيئَةُ الأَحْرُفِ، اِسْتَطْرَدَتْ سَائِلَةً: “أَيَكُونُ العَقْلُ مَشِيمَةً كَانَ هَلَاكُهَا مَحْتُومًا فَوْرَ وِلَادَتِنَا فَقَرَّرَتْ أَنْ تَمْكُرَ بِنَا وَتَحْيَا تَوْأَمًا لَنَا: شَاطَرَتْنَا خُبْزَ السَّغَبِ وخَمْرَ الظَّمَإِ، فَسَمَّمَتْهُمَا بِمَا فِي لُعَابِهَا القَانِئُ مِنْ رَهْجِ قَبْرٍ هَجَرَتْهُ قَبل أَنْ يَجْهَرَ بِتَوْقِهِ إليها وتَرَكَتْهُ ثُقْبًا آسِنًا وجُرْحًا أَخْرَسَ كَعَينٍ سُمِلَتْ بِشَظَايا نُورٍ لَمْ يَمْسَسْهَا إلَّا لِمَامًا فِي ظُلْمَةِ الرَّحِمِ؟ أَيَكُونُ العَقْلُ مَشِيمَةً نَبْضُ لَحْمِهَا ظِلٌّ مُتَخَثِّرٌ لصَمْتِ قَبْرٍ أَرِقٍ أَبِقَتْ مِنْ رِبْقَتِهِ؛ لتَلُوذَ بِزَمْهَرِيرِ أَنْفَاسِنَا اللَّاهِثَاتِ مِنَ دِفءِ مَوْتٍ خَالٍ مِنْ أَشْوَاكِ الذِّكْرَيَاتِ ومَنَاخِسِ الخَيْبَاتِ وعِظَامِ الأَحْلَامِ الهَالِكَاتِ المُهْلِكَاتِ؟” قُلْتُ فِي نَفْسِي لِنَفْسِي: “أَتَكُونُ نَفْسِي مَشِيمَةً آبِقَةً مِنْ قَبْرِ وِلَادَتِي أَمْ أَكُونُ أَنَا المَشِيمَةَ الآبِقَةَ مِنْ قَبْرِ وِلَادَتِهَا؟ أَتَبْتَلِعُ المَشِيمَةُ الجَنِينَ وتَسْتَعِيرُ مَلَامِحَهُ وتَتَحَيَّنُ لَحْظَةَ المَخَاضِ؛ كَيْ تُولَدَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ وَتَرْضَعَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقِمَهَا العَدَمُ؟”
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد