تغطية صحفية لندوة “ما تبقى لنا من نصر أبو زيد”
مجلة تفكير – القسم الثقافي
عنوان الندوة: “ما تبقى لنا من نصر أبو زيد”
المتحدث الرئيسي: جمال عمر (مؤسس صالون تفكير، جامع تراث نصر أبو زيد)
مديرة الحوار: إيمان رفاعي (مديرة تحرير مجلة تفكير)
التاريخ: ختام موسم الذكرى الخامسة عشرة لرحيل المفكر نصر حامد أبو زيد
رقم الندوة: 12 (الأخيرة في الموسم)
بقلم: زوم

تمهيد: حوار في فكر منفتح
في جو فكري ثري، استضافت مجلة “تفكير” عبر منصتها الإلكترونية ندوة حوارية ختامية لموسم استمر 12 ندوة، احتفاءً بمرور 15 عاماً على رحيل المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد. دار الحوار تحت عنوان “ما تبقى لنا من نصر”، وأدارته الكاتبة إيمان رفاعي، مع ضيف الشرف جمال عمر، المؤسس الفكري لصالون “تفكير”، وجامع تراث أبو زيد.

المحور الأول: جوهر الإرث الفكري
استهل جمال عمر حديثه بالتشديد على أن ما تبقى من نصر أبو زيد ليس “أفكاراً ثابتة” أو “مقاماً” يُزار، بل هو نهج التفكير النقدي المستمر، والقدرة على إعادة النظر في الأفكار. وأوضح أن أبو زيد بدأ مساره الفكري متأثراً بأستاذه حسن حنفي ومدرسة أمين الخولي، ساعياً في سبعينيات القرن الماضي لاستعادة التراث العقلاني للمعتزلة في مواجهة الخطاب الديني الرسمي والجماعات الحركية.
لكنه أشار إلى أن أبا زيد لم يتوقف عند هذه المرحلة “الأيديولوجية”، بل أعاد النظر لاحقاً في أفكار المعتزلة وابن عربي، ونقل اهتمامه من سؤال “هل القرآن مخلوق أم قديم؟” إلى سؤال أعمق: “ما هو القرآن؟ وكيف تم التواصل به؟”. هذا التحول من الدفاع عن مواقف ثابتة إلى الانفتاح على إعادة القراءة هو جوهر إرثه.
المحور الثاني: من النص إلى الخطاب.. تحول جذري
أبرز الحوار التحول الأساسي في فكر أبو زيد المتأخر: الانتقال من اعتبار القرآن “نصاً” إلى اعتباره “خطاباً”. ووضح جمال عمر الفرق الجوهري:
- النص: منتج نهائي مكتوب، يُحلَّل بمعزل نسبي عن سياقه.
- الخطاب: حدث تواصلي حي يشمل (القائل، المخاطَب، السياق التاريخي والاجتماعي، نبرة الصوت، علاقات القوة). التعامل مع القرآن كـ”خطاب” يفتح الباب لفهم ديناميكي يتجاوز القراءة الجامدة.

وضرب عمر مثلاً بعبارة “ليس الذكر كالأنثى” من سورة آل عمران، مؤكداً أن فهمها كخطاب يقتضي سؤال: من القائل في السياق الأصلي؟ (امرأة عمران)، وما ثقافة ذلك الزمن؟ بدلاً من اعتبارها حكماً نهائياً مجرداً عن سياقه.
المحور الثالث: المعنى والمغزى.. وتجاوز المقاصد
تناول الحوار تمييز أبو زيد الشهير بين “المعنى” (وهو ما فهمه المعاصرون للنص في سياقه التاريخي) و“المغزى” (وهو ما ينتج عن تفاعل القارئ المعاصر بأسئلته مع النص). وأكد عمر أن “المغزى” متغير بتغير القارئ والزمن، وهو ما يضمن حيوية النص.
ورأى أن نظرية “المغزى” عند أبو زيد أوسع من نظرية “مقاصد الشريعة” التراثية، لأن الأخيرة تهدف أساساً لاستنباط أحكام فقهية، بينما يهدف “المغزى” إلى فتح الدلالة الأدبية واللغوية للنص على مصراعيها، لفهم أعمق للحياة والإنسان.
المحور الرابع: لماذا تعرض أبو زيد للأزمة دون غيره؟
بسؤال من الجمهور (نتاشا)، ناقش الحوار سبب تعرض نصر أبو زيد لهجوم مؤسسي واجتماعي عنيف، في حين أن مفكرين لاحقين مثل عبد الجواد ياسين تناولوا قضايا مشابهة ولم يتعرضوا لنفس الحدة. وعلل جمال عمر ذلك بعدة أسباب:
- الانتماء المؤسسي: أبو زيد كان أستاذاً بجامعة القاهرة ومر بآلية الترقية الأكاديمية التي تم عرقلتها، مما أعطى للقضية بعداً قانونياً وإدارياً.
- طبيعة الخطاب ووسائطه: خطاب أبو زيد كان أكثر تأثيراً وانتشاراً عبر كتب مثل “مفهوم النص” ووسائل الإعلام الرئيسية آنذاك.
- السياق السياسي المختلف: فترة التسعينيات التي تصاعد فيها الصراع مع الجماعات الإسلامية تختلف عن السياق اللاحق.
- نخبوية الخطاب اللاحق: بعض الخطابات النقدية اللاحقة كانت أكثر نخبوبة وأقل احتكاكاً بالمؤسسات التقليدية.
المحور الخامس: الإجابة على أسئلة الحضور
رداً على أسئلة الحضور:
- أكد عمر أن أبو زيد لم يكن يعتبر الإصلاح الديني بوابة النهضة الوحيدة، بل رأى أن الخطاب الديني هو انعكاس للخطاب العام المجتمعي.
- فيما يخص مقارنته بعبد الجواد ياسين، أشار إلى تشابههما في التأكيد على البعد التاريخي، لكن ياسين يحتفظ بـ”ثوابت” (كالتوحيد والأخلاق)، بينما يرى أبو زيد أن مصدر النص مسألة إيمانية يبدأ البحث من “خطاب القرآن” كما نطق به النبي.
- رفض عمر فكرة أن المؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر) قادت الهجوم على أبو زيد، مشيراً إلى أن الهجوم جاء من محامٍ وجماعات ضغط، بينما حافظت المؤسسة الرسمية على مسافة نسبية.
خاتمة وتوصية للقارئ الجديد
في ختام الحوار الذي استمر لأكثر من ساعتين، سألت إيمان رفاعي جمال عمر عن توصيته للقارئ الذي يريد بداية سلسة لفكر نصر أبو زيد. فكانت إجابته المباشرة: كتاب “أنا نصر أبو زيد” لجمال عمر نفسه، واصفاً إياه بأنه “خريطة” لحياة أبو زيد وفكره، كُتب بأسلوب سردي غير أكاديمي معقد، مناسب للقارئ العام.
الخلاصة: قدّمت الندوة قراءة متجددة لإرث نصر أبو زيد، مؤكدة أنه إرث منهج لا مذهب، وحركة عقل لا جمود فكر. وأن الانتقال من “النص” إلى “الخطاب”، ومن “المعنى” إلى “المغزى”، هو الطريق الذي رسمه أبو زيد للتعامل الحيوي مع التراث، طريق لا يزال بانتظار من يسير فيه.
للاستماع إلي تسجيل صوتي للقاء علي راديو تفكير علي تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للقاء على يوتيوب عبر الرابط التالي
لمشاهدة كل محاضرات الموسم علي قناة تفكير على يوتيوب اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد