جبـران: سيمفونية وجودية بلحن الكلمات – بقلم/ رشا ماهر البدري
رشا ماهر البدري
كاتبة وباحثة دكتوراة الآداب في الفلسفة السياسية.

يملك لغة شاعرية خلابة تجسد الطبيعة ككيان حي متناغم مع الإنسان وخلجاته، ويبث فيك طاقة روحانية تجعلك تتكشف داخلك من جديد، وكأنه يمثل صوتًا داخليًا عميق الغور يحاورك في سكون وقداسة… يعانق أحزانك، ويبارك أفراحك، ويتركك متأملًا في رهبة الكلمة وسر الوجود.
جبران خليل جبران، الذي انبثق من ظلال جبال لبنان، وحلق في سماوات الفكر والفن والإبداع. إنه شاعر وفيلسوف وفنان رصين، كلماته تحمل عبق الوجد والحكمة. ولد في بشرى السادس من شهر يناير لعام 1883، وكانت رحلته الشاقة إلى أمريكا بداية لرحلة فكرية وفنية بالغة التعقيد والتنوع؛ فأعماله الأدبية ليست مجرد كلمات بل أنشودة روح تبحث عن الحقيقة في أعماق الكون والإنسان، تبحث بشغف وإصرار في النور والظلمة وعواصف الوجود العاتية.

مقتطفات إبداعية
في “الأجنحة المتكسرة” (1912) تجد حديث يفوح بعذوبة عن الحب الضائع، والحزن، والألم الدفين، والفقد، والتمرد، وصراع لروح أبيّة ترفرف في سماء الحرية لكنها تتعثر وتحبط فيتكسر جناحيها، ورغم السقوط المفجع فإن كل كسر يحدث في أجنحة التمرد والتحرر بمثابة دعوة للارتقاء والارتفاع والصعود من جديد. إنها رواية نثرية قصيرة، تكشف البعد الإنساني والعاطفي البديع لجبران، قصة حب مأساوية مليئة بالتأملات الثرية حول الحب، والحرية، والأغلال الاجتماعية، يقول فيها: “الحب هو الزهرة الوحيدة التي تنمو وتزهر بلا معاونة الفصول”.
وفي أبرز أعماله الشعرية ديوان “المواكب” (1918) تتراءى معالم لرحلة فلسفية وروحية تبصر إشكالات عدة، كالموت والحب والحرية والطبيعة والوجود والفناء والخلود. بلغة رمزية يؤكد جبران هشاشة الحياة الإنسانية والتحديات التي يواجهها في سعيه لفهم ذاته وماهيته وأثره في هذا العالم. ويأتي “الناي” ليعبر عن الروح التي انفصلت عن أصلها الإلهي، تتألم وتئن، وتبقى بعد أن يفنى الجسد: “أعطني الناي وغنّ، فالغنا سر الخلود، وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود”…
أما “العواصف” (1920) تجد روحًا ثائرة رغم سكونها الظاهري في تأملها لمعاناة الإنسان وصراعاته، روحًا عطشة لتحقيق العدالة، تُدين الاستسلام للأغلال، وتكشف زيف الحياة الدنيوية، وتهافت التقاليد الاجتماعية، وتكافح حتى الرمق الأخير ضد الهيمنة، والظلم، والتعصب، والعنصرية، والطائفية، والعبودية الذاتية والمجتمعية… فيقول: “ها قد مر سبعة آلاف سنة على ولادتي، وللآن لم أر غير العبيد المستسلمين”، و”أنت تنظر بعين الوهم فترى الناس يرتعشون أمام عاصفة الحياة؛ فتظنهم أحياء، وهم أموات منذ الولادة، ولكنهم لم يجدوا من يدفنهم، فظلوا متطرحين فوق الثرى…”، و”الإنسانية امرأة يلذ لها البكاء والنحيب على أبطال الأجيال… الإنسانية طفلة تقف متأوهة بجانب الطائر الذبيح”. لكنه يصف تلك الروح بـ”الجبار المهيب”، كإشارة بلاغية منه إلى عظمة الروح الإنسانية رغم قيودها… ليقول: “إلى اللقاء أيها الجبار المهيب، فإن لم يكن اللقاء في هذا العالم القريب، فسيكون في عالم الأشباح حيث تجتمع أرواح الملوك بأرواح الشعراء”.
بينما يأتي أيقونته “النبي” (1923) ليعبر عن الوجه الآخر لجبران، فيظهر لنا ذاك الجانب الروحاني الصوفي الحكيم… النبي/المختار/المصطفى/الحكيم بمثابة سيمفونية أدبية تلامس جوهر الروح الإنسانية؛ تتقاطع فيها عمق الحكمة مع جمال التعبيرات الفنية واللغة الشعرية المرهفة… يقف النبي الحكيم على شاطئ الرحيل، يتأمل الحياة والوجود وما وراءهما، ويعرفنا العالم المادي وما يحمله من تناقضات، والعالم الروحي الذي يتجلى في أسمى صور الجمال. لا يقدم لنا إجابات شمولية وقطعية، بل يفتح باب عجيب بداخلك، باب للحوار المستمر، ورحلة تأملية فردية في أعماق الكون الأصغر (النفس) والكون الأكبر (العالم)… “إنك تقول قد وجدت الحقيقة، ولكنك بالأحرى وجدت حقيقة تراها بعينك… فقولك: لقد وجدت الطريق الحق، ليس إلا بداية رحلتك فيه”.
في “حديقة النبي” (1933) يعود المصطفى إلى الجزيرة التي كانت مسقط رأسه، فيتحدث عن علاقة الإنسان بالله والكون وأسرار الوجود، وعن الروح والجسد والزمن… ويعد هذا العمل استكمالًا روحيًا وأدبيًا لكتاب النبي -رغم صدوره بعد وفاة جبران- يتحدث فيه المصطفى إلى أتباعه وأصدقائه في لحظات تأملية أخيرة قبل مغادرته، في مشهد يذكرنا بالطابع الوجداني البديع للعشاء الأخير، حيث يتحدث المسيح إلى حوارييه عن الحكمة والفداء والمصير قبل الرحيل. ويضفي جبران على هذه اللحظة المقدسة شعورًا بالرهبة والجلال وهو ما يتناغم مع الشعور المقدس الذي يتردد في لوحة دافنشي.
جماليات اللغة
أما اللغة لديه فليست للتواصل أو لمجرد التعبير عن شيء ما، إنما هي فن قائم بذاته؛ تجد في لغته الحيّة دفء الحب وقوة الحكمة، صخب الحياة وسكينة التأمل، بل ويجعل من كل جملة لوحة فنية مبهرة، حيث الصور البلاغية الإبداعية التي تحرك الكلمات من ظاهرية المعنى إلى عمق وجدان المتلقي ومشاعره. ومن جهة أخرى، تتماوج الكلمات بتناغم فريد فتحول النص إلى ترنيمة روحية مليئة بالإيقاعات الشعرية والرسائل الفلسفية… في جل أعماله تجد نفسك تحلق في سماء تجربة شعورية وفكرية ثرية وممتعة: “وما هو حديثكم إلا تبديد لصمتكم، وما هو فكركم إلا رماد لقلبكم المتوقد”، ففي الكلمة قوة، وفي الصمت حكمة، وفي اللغة النابضة بالحياة تجسيد للحق والخير والجمال.
الفلسفة الوجودية
وفي قلب معاناة الإنسان الوجودية يتراءى جبران -الحالم والمتأمل- كصوت يحمل قداسة الروح وسط صخب الوجود، لتتقاطع رؤاه مع صرخات الفلاسفة الوجوديين، وكأنهم ينحتون -سويًا- جدارية الباحث عن المعنى، والمتشبث بالحرية وخلق الهوية… يهمس إلى سارتر بأن الحرية ليست هروبًا من القيود أو عبئًا وجوديًا، بل التزام عميق تجاه الذات والآخر: “الحر الحقيقي هو الذي يحمل أثقال العبد المقيد بصبر وشكر”، ويصافح كيركجارد ليؤكد معه أن المعاناة شرط جوهري للوجود الأصيل. ويُسمِع هايدجر تغريدة مختلفة عن الموت والفناء؛ فهو مجرد جسر إلى اللامحدود: “إذا فرغت من حل جميع أسرار الحياة تتوق إلى الموت؛ لأنه سر من أسرار الحياة. الولادة والموت مظهران من أنبل مظاهر الشجاعة”. بينما أعلنوا أن “الوجود يسبق الماهية”، وعلى الإنسان أن يخلق تلك الماهية، فإن جبران أعاد تشكيل هذا الصراع ببلاغة شاعرية، وجعل الإنسان خالق لذاته ولكنه في ذات الوقت يحمل بذور وجوده بداخله.
الأنثى… صوت الحياة
كثيرًا ما احتفى بالأنوثة في أعماله، وجعلها رمز للخلق والعناية والحكمة، وقوة حية تعبر عن الطبيعة الإبداعية للوجود… “بين أضلعك تنبض قلوب الكائنات، وفي عينيك مرآة النجوم”، فالأنثى ليست مصدر الحياة فحسب، بل تحتوي الكون بداخلها، ومرآة للكون والوجود ذاته. رمزًا للأمل والجمال والتجدد المستمر “أنتِ لستِ ملكة، ولكنك منبع للجمال الذي يعجز البشر عن فهمه”، وهي شعاع النور الداخلي، ومصدر الإلهام والإبداع… “أنتِ حلمي الذي لا ينتهي، فيكِ كل الجمال وكل العطاء، ولا يمكن للزمان أن يعبرك دون أن يترك في قلبه أثرًا”. وهي سر الوجود ذاته: “أنتِ سر الوجود، يمر في جسدك الفجر ويغني في شعرك الليل”… إنها الجوهر الرقيق العذب والقوي الجبار في آن معًا.
درب الصوفية
سمة أرواح أبت أن تظل أسيرة الأرض، فحلقت في سماء المعنى. البحث عن الحقيقة، العشق الإلهي الخالص، الفناء في المطلق، وحدة الوجود، الكشف والوصول والشهود… وغيرها من دروب المتصوفة الكبار كالحلاج، وابن عربي، والرومي… تتناغم رؤاهم كما ألوان شروق الفجر، وتنساب أصواتهم في نهر واحد، يصب في محيط المطلق… وفي جوهر عالم المعنى هذا يقف جبران شامخًا.
تارة يتحد مع “الحلاج” في صرخة الحق، فيقول في النبي: “كلكم تسيرون نحو غاياتكم، وكلكم محمولون في ذواتكم. إن الحق في أعماقكم”، وتارة ينصت إلى تأملات “ابن عربي” في وحدة الوجود… “أنا الحياة في خفائها، والموت في جلائه. أنا البذرة والحبة، والنبتة والثمرة”، فالإنسان والطبيعة والحياة مرايا لتجلي الحضور الإلهي. وتارة يذوب كقطرة تنتمي لمحيط فيشاطر “الرومي” في رقصة العشق المحركة للأفلاك… “لأن النفس إذا أحبت ترى الكون أجمعه يشبه محبوبها”، و”الحب لا يملك شيئًا، ولا يُملك؛ لأن الحب كافٍ لنفسه”… إنها نفحات صوفية جلية، تعكس فلسفة روحية أصيلة ترى في الحياة رحلة فردية نحو المطلق.
ويبقى الأثر
إن نصوص جبران عابرة للأزمنة، وتفيض بروحانية خلابة تتجاوز الحدود الدينية التقليدية. يؤمن بأن الروح الإنسانية قادرة على التواصل مع خالقها مباشرة، دون وسطاء أو طقوس محددة جوفاء، لذا يتحدى المفاهيم التقليدية عن الحياة والموت، والكون والطبيعة، والسماء والجحيم… إلى آخره، وهذا الإيمان بالروحانية الفردية قد يُفسر أحيانًا كإلحاد، لكنه في الحقيقة مجرد تعبير عن رفضه للتقاليد المتزمتة وسلطة المؤسسات الدينية وليس لفكرة الله (عزوجل)… “لم يجئ يسوع ليعلم الناس بناء الكنائس الشاهقة والمعابد الضخمة في جوار الأكواخ الحقيرة والمنازل الباردة المظلمة، بل جاء ليجعل قلب الإنسان هيكلًا، ونفسه مذبحًا، وعقله كاهنًا” (العواصف)، و”المتعصب بالدين خطيب بالغ الصمم” (رمل وزبد)
لم يكن شاعرًا وقاصًا وأديبًا مبدعًا فحسب، بل كان ناقدًا لاذعًا لكل أوجه القهر والتسلط والتعصب والخنوع والعنف والظلم… “الكاهن هو ذاك الرجل الذي يعلمكم كيف تسجدون أمام الأصنام الحجرية، بينما ينصب نفسه إلهًا فوقكم. هو الذي يطفئ في قلوبكم نور العقل ليملأها بدخان التعصب.” (الأرواح المتمردة)
بروحه التي لا تعرف الانكسار، يحثنا في سائر أعماله على التحرر من القوالب الصماء، والانطلاق في فضاءات الفكر المستنير والإبداع، ويعلمنا كيفية قبول الآخر، وقبول ذواتنا والتصالح معها، واكتشاف جوهر وجودنا وقوتنا الداخلية. وفي ليلة باردة توقف مداد حبره، وترجل عن صهوة جواده، ليرحل بعيدًا عن عالمنا المادي المحتدم -عام 1931- تاركًا خلفه نور لا ينطفئ… فكما قال: “لا يموت الإنسان حين تنتهي حياته، بل حين يُنسى”، وجبران بألق فكره وعظمة كلماته لم ولن ينسى أبد الدهر.
ومن هنا يمكن القول إنّه أحد الرواد الأوائل في تأسيس نزعة إنسانية ذات طابع روحي في الثقافة العربية الحديثة؛ نزعة سبقت في بعض معالمها ما قدّمه عباس محمود العقاد (1889-1964) الكاتب والمفكر المصري الذي عُرف بسعة معارفه وتعدد مجالات إنتاجه، وصاحب السلسلة الشهيرة العبقريات، التي أبرز فيها البعد البطولي والجوهر الإنساني الرفيع في شخصية الرسول محمد ﷺ وبعض صحبه الكرام كعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، بل وأفاض أيضًا في تصوير عبقرية المسيح. كما أنّه سبق بلا ريب ما طرحه عثمان أمين (1905-1974)، الفيلسوف المصري وأستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، الذي اشتهر بكتابه الأيقوني الجوانية، حيث حاول بلورة فلسفة أصيلة تقوم على الإيمان والوجود الداخلي، بوصفها صيغة من الوجودية المؤمنة. هذه الرؤية تقترب في بعض خيوطها من قفزة سورين كيركجارد (1813-1855)، الفيلسوف الدنماركي الذي عُدَّ الأب المؤسس للوجودية الدينية. هذا الإرث التقطه لاحقًا كبار المفكرين المسيحيين مثل باول تيلش (1886-1965)، اللاهوتي والفيلسوف الألماني الذي حاول التوفيق بين الوجودية والإيمان البروتستانتي، ونيقولاس برديائيف (1874-1948)، الفيلسوف الروسي الذي جعل من الحرية الروحية محورًا لرؤيته الوجودية المسيحية الأرثوذكسية، وأيضًا جاك ماريتان (1882-1973)، المفكر الكاثوليكي الفرنسي الذي عمل على إحياء الفلسفة التوماوية وإعادة صياغتها في ضوء أسئلة الحداثة.
وعلى ضوء هذا الامتداد الفارق، يغدو النص الجبراني شاهدًا على عمق فكري وحس فلسفي مضمَر، يجاور خطابه الأدبي المباشر، ويكشف كيف استطاع أن يجعل من الأدب قناة للفلسفة، ومن الروح جسرًا بين الإبداع الشعري والرؤية الوجودية.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد