جَنَّةُ القَصَاصِ… قصة… ترجمة: أنطونيوس نبيل

طبيب وشاعر وملحن.

d8a7d986d8b7d988d986d98ad988d8b3-d986d8a8d98ad984-d8b4d8a7d8b9d8b1-d988d985d984d8add986 جَنَّةُ القَصَاصِ... قصة... ترجمة: أنطونيوس نبيل

اِرْتَكَبَ تشارلي دالتون رائدُ الفَضَاءِ القَادِمُ مِنْ كَوْكَبِ الأَرْضِ أَبْشَعَ الجَرَائِمِ النَّكْرَاءِ بَعْدَ سَاعَةٍ مِن هُبُوطِهِ عَلَى الكَوْكَبِ الثَّانِي التَّابِعِ للنَجْمِ العِمْلَاقِ الأَحْمَرِ “أَنْتَارِيس”؛ فَقَدْ أَزْهَقَ رُوحَ أَحَدَ المُوَاطِنِينَ الأَنْتَارِيسيِّينَ.
يُعَدُّ القَتْلُ جُنْحَةً فِي مُعْظَمِ الكَوَاكِبِ وفِعْلًا جَدِيرًا بالثَّنَاءِ فِي بِضْعَةِ كَوَاكِبَ، لَكِنَّهُ جَرِيمَةٌ كُبْرَى عُقُوبَتُهَا الإعدامُ فِي كَوْكَبِ “أَنْتَارِيس الثَّانِي”.

قَالَ القَاضِي الأنْتَارِيسِيُّ الجَلِيلُ: “أَحْكُمُ عَلِيْكَ بالإِعْدَامِ رَمْيًا بالنِيرانِ اللِّيزَرِيَّةِ فَجْرَ الغَدِ.” وكَانَ هَذَا حُكْمًا بَاتًّا لَا يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيهِ بِاسْتِئْنَافٍ أَوْ بِنَقْضٍ.
اُقْتِيدَ تشارلي إلى الجَنَاحِ الخَاصِّ بالمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ، لِيَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الجَنَاحَ يَضُمُّ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ غُرْفَةً فَخْمَةً وأَنَّ كُلَّ غُرْفَةٍ مِنْهَا مُجَهَّزَةٌ تَجْهِيزًا كَامِلًا بِصُنُوفٍ شَتَّى مِمَّا لَذَّ وطَابَ مِنْ طَعَامٍ وشَّرَابٍ، ومُزَوَّدَةٌ بِسُرُرٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وعَلَى كُلِّ سَرِيرٍ تَرْقُدُ حَسْنَاءُ كَأَنَّهَا مِنْ حُورِ الجِنَانِ، ومُتْرَعَةٌ بِمَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَتَوَدُّ الآذانُ مِمَّا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ إنْسَانٍ.

صَاحَ تشارلي فِي ذهُولٍ: “هَلْ مَا أَرَاهُ حَقٌّ أَمْ وَهْمٌ؟ أَيَكْذِبُنِي بَصَرِي وَهِيَ صَدُوقٌ؟”
أَجَابَهُ الحَارِسُ الأَنْتَارِيسِيُّ مُطَأطِئًا رَأْسَهُ: “إنَّهُ العُرْفُ المُتَّبَعُ فِي كَوْكَبِنَا، أَنْ نُعِدَّ للمَحْكُومِ عَلَيْهِ بالإعدامِ فَجْرًا مَا يَسُرُّهُ فِي لَيْلِتِهِ الأَخِيرةِ وَيُذْهِلُهُ عَنِ وَطْأَةِ الانتظارِ الألِيمِ، وَأَنْ نَهِبَهُ كُلَّ مَا يَتَمَنَّاهُ مِنْ أَسْبَابِ النَّعِيمِ.”
قَالَ تشارلي: “يكادُ يَسْتَحِقُ هذا النَّعِيمُ أَنْ يَكُونَ الإعدامُ ثَمْنًا بَخْسًا لَهُ.” ثُمَّ اِلْتَفَتَ نَحْوَ الحَارِسِ الأَنْتَارِيسِيِّ مُتَسَائِلًا: “مَا إنْ هَبَطْتُ عَلَى كَوْكَبِكُمْ حَتَّى تَوَرَّطْتُ فِي شِجَارٍ؛ فَلَمْ يَتَسَنَّ لِي أَنْ أَتَحَقَّقَ مِنْ تَقْوِيمِ الكَواكِبِ الخَاصِّ بِي، أَخْبِرْنِي أَيُّهَا الحَارِسُ، كَمْ تَبْلُغُ مُدَّةُ اللَّيلِ هُنَا؟ كَمْ عَدَدُ السَّاعَاتِ التي يَسْتَغْرِقُهَا هذا الكَوْكَبُ لِيُكْمِلَ دَوْرَتَهُ حَوْلَ نَفْسِهِ؟”
أَجَابَهُ الحَارِسُ بِنَبْرَةٍ مُرْتَبِكَةٍ: “عَدَدُ السَّاعَاتِ؟ السَّاعَات؟ لا بُدَّ أَنَّهُ مُصْطَلَحٌ أَرْضِيٌّ يَغْمُضُ عَلَيْنَا -نَحْنُ الأَنْتَارِسيِّينَ- إِدْرَاكُ دَلَالَتِهِ. سَأَتَّصِلُ بالفَلَكِيِّ المَلَكِيِّ للوقوفِ عَلَى فَارِقِ التَّوْقِيتِ بَيْنَ كَوْكَبِكُمْ وكَوكَبِنَا.”

اِتَّصَلَ الحَارِسُ بالفَلَكِيِّ المَلَكِيِّ وَطَرَحَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ وَأَنْصَتَ هُنَيْهَةً ثُمَّ أَخْبَرَ تشارلِي: “أَثْنَاءَ فَتْرَةٍ وَاحِدةٍ مِنَ الظَّلَامِ عَلَى كَوكَبِنَا أَنْتَارِيس الثَّانِي، يَدُورُ كَوكَبُكُمْ [الأَرْضُ] ثَلَاثًا وتِسْعِينَ دَوْرَةً كَامِلةً حَوْلَ نَجْمِكُم [الشَّمْسِ]، أَيْ أَنَّ لَيْلَةً واحِدَةً عَلَى كَوكَبِنَا تُعَادِلُ ثَلاثًا وتِسْعِينَ مِنْ سِنِينِ كَوْكَبِكُمْ.”

أَطْلَقَ تشارلي صَفِيرًا مُنَغَّمًا خَفِيضًا مِنْ فَرْطِ دَهْشَتِهِ، وتَسَاءَلَ فِي نَفْسِهِ صَامِتًا: أَيَكُونُ خَلَاصُهُ مِنْ الإعدامِ فَجْرًا قَدْ تَجَلَّى لَهُ فِي صُورَةِ لَيلَةٍ لا تَنْجَلِي! أَمَّا الحَارِسُ الأَنْتَارِيسِيُّ -الذي تَجَاوَزَ عُمْرُهُ عِشْرِينَ أَلفَ عَامٍ- فَقَدْ أَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِطْرَاقَةً مُعْرِبَةً عَنْ تَعَاطُفِهِ العَمِيقِ ثُمَّ تَقَهْقَرَ مُغَادِرًا جَنَاحَ المَحْكُومِ عَلَيْهِ بالإعدامِ.

أَخَذَ تشارلي دالتون يَلِجُ لَيْلَتَهُ الأَخِيرَةَ مُنْغَمِسًا فِي نَشْوَةٍ صَاخِبَةٍ: يَلْتَهِمُ بِنَهَمٍ ويَشْرَبُ بِشَرَهٍ ويَنْغَمِسُ فِيمَا سِوَاهُمَا مِنْ لَذَائِذِ الأُمُورِ. لَمْ تَأتِ أَفْعَالُهُ قَطْعًا وَفْقًا لِذَلِكَ التَّرْتِيبِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَهَّلْ طَرْفَةَ عَيْنٍ فِي وَطءِ الحَسْنَاواتِ اللواتي بِجَمْرِ بَهَائِهُنَّ الخَلَّابِ قَدْ أَلْهَبْنَ شَهْوَتَهُ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهِ دَهْرٌ فِي يَهْمَاءِ الفَضَاءِ لَا يَجِدُ فِيهِ مَنْ يُؤْنِسُ وَحْشَتَهُ كَأَنَّ عُزْلَتَهُ وَحْشٌ يَفْتَرِسُ أَيَّامَهُ والزَّمْهَرِيرَ سِجْنٌ مُطْبِقٌ يَعْتَصِرُ عِظَامَهُ.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات