حوار حول التشدد بقناة تفكير يُقلِّب مواجعي… بقلم: مروة هجرس
بقلم/ مروة هجرس

منذ اللحظة الأولى التي رأيت فيها العنوان، شعرتُ كأن يدًا خفية لمست روحي وهزّتني برفق: “شهادات من قلب التشدد”
التشدّد؟!
كأن الكلمة خرجت من كتاب سيرتي أنا، لا من عنوان حلقة. اسمٌ يطوّق أكثر من نصف عمري، ويغطي، في حروف معدودة، سردابًا طويلًا من خوفٍ على الله، وخوفٍ منه، وغيرةٍ عليه، وحيرةٍ أمامه، في آنٍ واحد.
ثم جاء الصوت.
صوت رغد صفوت؛ صوت إذاعيّ بامتياز؛ عميق، رقيق، دافئ، لكنه في الوقت ذاته متماسكٌ وقوي، صوتٌ يجعلك تشعر كأنك في عيادة طبيبٍ نفسيّ يعرف كيف يفتح جراحك بأقل قدرٍ من الألم. رحبت بمحمد ومهدت لكلامه، ثم بدأ هو الحديث…
بدأ عوض حديثه عن شخصٍ “يشبهه لكنه ليس هو”..
رجلٌ آخر يحمل اسمه وملامحه، لكن الزمن مرّ فوقه كما تمرّ العصور على الخشب في أسطورة سفينة ثيسيوس؛ لوح يُستبدل، ثم آخر، ثم آخر… حتى لا ندري في النهاية: أهي نفس السفينة، أم سفينةٌ جديدة وُلدت من صلب القديمة؟
نسخته الماضية… يُمسك بها من بعيد، يراقبها من خارج الإطار، دون أن يُشهر في وجهها سيف الحُكم أو الإدانة، أو يرفع عليها راية الغضب أو الشفقة. فقط يراها، يصفها، يرويها… ثم يترك للقلب أن يفهم.
في تلك اللحظة وجدتُ سؤالًا يتسلل إلى رأسي:
كيف استطاع أن يتصالح مع تلك النسخة من نفسه إلى هذا الحد؟ أن يتحدّث عنها بهذه الأريحية، دون أن يتألم من الندم، أو الازدراء أو الشفقة؟
جاءني الجواب من فمه قبل أن أُفرغ السؤال منّي تمامًا:
إنه لا يطرح نسخته القديمة للحكم، بل للوصف. يكتفي أن يصف، لا أن يقضي. يرسم، لا يحاكم.
في تلك الجملة شعرتُ أن أحدهم أزاح كرسيًّا بجانبي وقال: هذا هو الباب الذي ظللتِ تبحثين عنه.
لطالما تمنيتُ أن أصل إلى نقطة أستطيع فيها أن أمدّ يدي لنسختي الماضية وأقول: أخطأتِ كثيرًا، آذتني اختياراتك… لكنني أسامحكِ. لا من علٍ، بل من ندٍّ لند.
كان هذا درس الحوار الأول، وربما الأثمن.
استرسل عوض في الحديث عن خلفيته:
أسرةٌ متوسطة في كل شيء، حتى التدين. لا إفراط ولا تفريط، لا تشدّد ولا تفلت. بيتٌ يمشي في منتصف الطريق، كما يُقال.
في الثمانينيات، حين كانت المملكة العربية السعودية تعيش بدايات موجةٍ واسعة لنشر الفكر الوهابي، كانت طفولته تمضي بهدوء، على هامش الخطاب الكبير. لم يتأثر كثيرًا؛ كان صغيرًا. لكن الأفكار، مثل البذور، لا تحتاج أن تستأذن. يكفي أن تسقط في تربةٍ ما، وستنتظر موسمها بصبرٍ ، حتى لو طال.

وهنا، على سطر الحكاية ذاته، خرج وجه أبي من الظل.
تذكّرتُ رحلته هو أيضًا إلى المملكة في الثمانينيات وبدايات التسعينيات، وعودته محمّلًا بكل ما استطاع حمله من أفكارٍ سلفيةٍ وهابية، لم يكتفِ أن ينثرها في بيتنا، بل سقاها للعائلة كلها، ثم للقَرية، ثم للمدينة. شبكاتٌ من الكلمات، خطبٌ في المساجد، نقاشاتٌ لا تنتهي في الجلسات… حتى صار الهواء نفسه مُثقَلًا بنبرةٍ واحدة، لا تقبل منافسًا.
عاد عوض إلى مساره، وانتقل بنا إلى مرحلة الجامعة.
هناك، حيث يُلقَى بالشاب على حافة العالم دون كتيّب إرشادات واضح. كان التيار قد تمدّد بالفعل، وامتدّ زحفه إلى قاعات المحاضرات، وأروقة الكليات، وممرّات المدن الجامعية. لم يعد للأسرة سلطةٍ على عقل شاب في بداية حياته؛ بالكاد يمكنهم الدعاء له عن بُعد، أما تفاصيل ما يؤمن به، ومن يجلس معه، فمن نصيب “الصحبة”.
يحكي عن صحبةٍ جديدة تعرّف إليها؛ جماعة دينية ما، لم يكن يعرف في البداية حدودها ولا خرائطها. لكنه عرف أثرها: كانت نقطة تحوّل كبيرة. ربما الأولى.
الشعور بالذنب من بعض التجارب السابقة، الفراغ الوجداني الذي خلّفته صدماتٌ عاطفية، سؤال المعنى الذي لا يجد جوابًا واضحًا… كل هذا كان يخلق في داخله فجوةً لا تُحتمل. فجوة تحتاج لشيءٍ يملأها: مُسكّنٌ من نوعٍ خاص. لا أقراص تُبتلع، بل “صحبةٌ” تُحتضن.
كانت المجموعة الجديدة منفصلةً عن العالم قليلًا، كجزيرةٍ صغيرةٍ وسط بحر هائج. وصفهم عوض بأنهم أهل بشاشةٍ وفعل خير واحتواء. وجوهٌ مطمئنةٌ إلى ما تؤمن به، أيدٍ تجيد الالتفاف حول كتفيك في لحظات الضعف، قلوبٌ تبدو لك قريبةً من الله، فتخجل أن تشك فيها.
اختلاف لباسهم لم يعد مهمًّا. ما قيمة اختلاف شكل القماش إذا كان يمنحك الإحساس بالأمان؟
وفي تلك النقطة بالذات تسلّل إلى صدى قصتي أنا من جديد.
ذلك التيه الذي سبق التعرف على مجموعةٍ من الصديقات المنتقبات، المتديّنات جدًا، الطيبات إلى حدٍّ يربك الشك. صديقاتٍ حريصات على الصلاة في وقتها، على حفظ كتاب الله، على قيام الليل، على فعل الخير، على إرضاء الله خوفًا من الآخرة، وهربًا من زيف الدنيا.
كنتُ أرى فيهن ملجأً من فوضى العالم، كما رأى هو في صحبته ملجأً من فوضى نفسه.

كُن أيضًا، كصحبته، حريصات على التقاط المتفوقات دراسيًا. أعرف ذلك الآن أكثر مما عرفته حينها.
اللامعون يجذبون اللامعين. المتفوّقون يصلحون واجهاتٍ لهذه الجماعات. فكرةٌ ذكية: أن تحشد حولك “نخبة” تُضفي على فكرتك نوعًا من الهيبة العلمية والأخلاقية في آنٍ واحد.
ثم جاء المنعطف الأهمّ في حكاية عوض:
الشيخ…..
الشيخ لم يكن مجرد عالمٍ يُسأل في مسألةٍ أو يُزار في مسجد، بل كان “منظّمًا عامًا” لحياة الجماعة كلها. أفكاره هي صحيح الدين، تفسيراته هي الطريق المستقيم، منهجه هو خارطة النجاة الوحيدة.
من جديد، وجدتني أتنفّس مع الذكرى:
كان لدينا نحن أيضًا “شيخة” في المقرأة نجتمع حولها أنا وصديقاتي كل يوم. تفسّر لنا الفقه من زاوية واحدة، وتقرأ لنا الدين من كتابٍ واحد، لا يقبل هوامش. لم نكن نرى ذلك حينها؛ كنّا نرى فقط الأمان في صوتٍ يعرف “كل الإجابات”.
يعود عوض ليتحدث عن جماعة الشيخ أسامة عبد العظيم.
الاسم ليس غريبًا على أذني؛ لطالما سمعته من عمّي المتعلّق بالسلفية ومشايخها، الذي كنت أقضي معه معظم إجازاتي الصيفية في القاهرة، فيأخذني من درسٍ إلى درس، ومن مسجدٍ إلى آخر، إلى مجالس نساءٍ منعزلةٍ عن الرجال، ننهل فيها من “العلم الشرعي”، كما كنا نظن.
يصف عوض بداية الطريق مع تلك الجماعة، فيجعلني أرى المشهد كأنني أجلس إلى جواره.
مجالس أشبه بحضرةٍ صوفية. انفصالٌ عن العالم وزينته، غوصٌ في أجواءٍ روحانية تملأ الفراغ الداخلي، إحساسٌ بأنك أخيرًا محظوظٌ بما يكفي لتُفتح لك أبواب “الخاصة”.
ثم تبدأ التفاصيل:
الجلوس الطويل بين الأذان والإقامة.
الاعتكاف غير المعلن بين العصر والمغرب.
ثلاثة أرباع اليوم تُقضى في المسجد…
تتساءل روحه، ثم لساني معه:
والوقت؟
والدراسة؟
والعمل؟
وماذا عن الحياة التي يفترض أن تُعاش خارج الجدران الأربعة؟
ماذا عن حريتي في أن أملك وقتي بعد الصلاة، لا أن يملكني هو؟
الجماعة تعمل بالآية الكريمة «وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدون» بتفسيرٍ واحد: أن تكون العبادة هي كلّ شيء، وما سواها ملحق لا قيمة له.
أنت مخلوقٌ للعبادة يا عوض.
أنت ملكٌ لله… بل أنت ووقتك، وأنفاسك أيضًا.
شيئًا فشيئًا، ينتقل الشيخ من تنقية النفس من حبّ الحرام إلى “اجتهاد” جديد: تنقية النفس من حبّ المباح.
تتحوّل التجربة من غذاءٍ للروح واقترابٍ من الله وملءٍ لفراغٍ داخليّ، إلى سيطرةٍ كاملةٍ على تفاصيل الحياة: من طريقة النوم، إلى مقدار النوم، إلى نوع الطعام، حتى تمرّ بنا فتوى تحريم استخدام الخل وكأنها أمرٌ طبيعي.
في تلك النسخة من التدين، كل كارثة تقع في العالم ستجد تفسيرها الجاهز: تقصير في العبادة.
فيضانات؟ زلازل؟ ظلم سياسي؟ انهيار اقتصاد؟
لا يهمّ. السبب واحد: الناس لا يصلّون بما يكفي، ولا يبكون في السجود بما يكفي. فإذا لم يكفِ الواقع لجلد البشرية، تولّى المرء جلد نفسه.
يبدأ المرض النفسي في التكوّن بهدوء: وساوس لا تهدأ، كراهية للذات، مراقبة مَرَضية للنوايا، دائرة لا تنتهي من العذاب بدلاً من الراحة، من القلق بدل الطمأنينة. مرحلة لا يحتملها من يمتلك في داخله نواة تفكيرٍ نقديّ، أو رغبة إنسانية بسيطة في الحرية.
ثم تأتي اللحظة التي أسمتها رغد في الحوار: لحظة التململ: مللٌ من النمط، من الثقل، من الضغوط غير المعلنة. تراكم ملاحظاتٍ صغيرة في عقل عوض: هذا لا يبدو طبيعيًا، هذا يُتعبني، هذا يضغط على أعصابي.
لم يعد يحتمل فكرة ألا يملك نفسه، ولا قراره، حتى في صغائر الأمور. إلى جانب شعورٍ دائمٍ بالذنب. مهما فعلت… فهناك دائمًا المزيد الذي كان ينبغي أن تفعله.
كل سؤالٍ يُطرح يُجاب عنه: “لو شغلت مخك هتضل.” وكم سمعتها أنا أيضًا، بنفس المعنى وإن اختلفت الصياغة.
فإن أصرّ العقل قليلًا، خرج السلاح الأثقل: “وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم”.
ويُسكت السؤال. مؤقتًا.
كنتُ أفكر: كيف خرج؟
كيف كسر تلك الفقاعة، وتحرّر من تلك الأغلال المغلّفة بحب الله وطاعته وعبادته؟
جاءت الإجابة في بساطةٍ مدهشة: كانت رحلة الحج بمثابة بوابة الخروج للحياة. ذهب عوض إلى الحج وحده، بعيدًا عن قافلة الشيخ وجماعته.
وفي تلك الرحلة رأى الفرق واضحًا بين عباداتٍ بسيطةٍ خفيفةٍ على الروح، وبين منظومة عبادةٍ خانقةٍ تتعامل معك كجنديٍّ في معسكر، لا كعبدٍ جاء يُجدد عهده مع ربه. هناك، في تلك المسافة القصيرة بين الطواف والسعي والدموع والعفو، أدرك أن الله أوسع بكثير من أسوار الجماعة.
فقرّر أن يتركها.
بعد ذلك، انتقلت رغد للحديث عن أثر التجربة على حياته ونفسه.
القرارات التي غيّرها ذلك التدين: فرص سفرٍ ضيّعها خوفًا من “الفتنة”، مجالات دراسةٍ أهملها تحسّبًا من مخالفات شرعية محتملة، روابط اجتماعية انقطعت، أقارب ابتعد عنهم، مجتمع فُقدت معه الصلة… كل هذا خوفًا من الوقوع في “المحظور”.
ثم الأثر الأعمق: فقدان الثقة في إمكانية الوصول إلى نقاء النفس والروح.
مهما فعلت، هناك دائمًا درجة أعلى من الورع، مستوى أرفع من الإخلاص، حالة أطهر من حالتك.
دائرة لا تنتهي من جلد الذات، لا تُفضي إلى السماء… بل إلى الإنهاك.
حين سُئل عن الإيجابيات، لم يرَ الكثير.
امتنانٌ لبعض الشخصيات التي عرفها، وبعض القلوب التي لم تَخلُ من الطيبة وسط كل ذلك التشدد.
أما أنا، وأنا أستمع، فرأيتُ إيجابية أخرى تلوح من بعيد:
من يخوض هذه الرحلة إلى نهاياتها، لا يعود بعدها سهل الانقياد لأي خطابٍ متشددٍ مرّة أخرى. تمرّ بك الفكرة من جديد، لكنك تراها مكشوفة، بلا هالة. تنظر إلى تلك الجماعات من الخارج ولا تراها أقرب إلى الله بالضرورة؛ تراها فقط أكثر ضجيجًا في عباداتها.
تلك الرحلة، بكل ما فيها من ألم، صارت بوابة للنظر إلى الحياة من زاوية أوسع. زاوية يُعاد فيها تعريف التصوف والتقرّب إلى الله، لا بوصفه انسحابًا من الحياة إلى زاوية مظلمة، بل اتساعًا في القلب يحتمل العالم ثم يختار أن يحب الله رغم ضجيجه، لا هربًا منه.
عند هذه النقطة تسلّل سؤال التصوف إليّ كهمسٍ قديم:
هل يتخيل أولئك أن التصوف هو الهرب من الحياة والفتن، والاختباء في زاوية بعيدة عن العالم؟
أين الاختبار إذن؟ أين المقاومة؟
أهو جهادٌ حقيقي للنفس أن تغلق كل الأبواب، أم أن الجهاد الحق هو أن تمشي في الأسواق، وتخالط الناس، وتتعرض لما يسمونه “الفتن”، ثم تختار بنفسك ألا تنحني لها؟
هل جهاد النفس هو أن تُصلّي ليلًا ونهارًا، منقطعًا عن الكون، أم أن تعمل وتتواصل وتحبّ وتُجرَح، ثم تُبقي خيطك موصولًا بالله رغم كل شيء؟
بدت لي الحلقة كلها؛ بصوت رغد الهادئ، وبحكاية عوض المترددة بين الندم والامتنان؛ محاولةً عميقة لفهم عقل الإنسان المتديّن حين ينغلق على ذاته. لن تفهم الشيخ ما لم تسأل: لماذا ترك ما وصل إليه من علم، واختار أن ينسحب إلى فقاعة المسجد، إلى ذلك الحزام الضيق من اليقين الذي لا يسمح بمرور نسمةِ سؤال؟
لن تفهم الجماعة ما لم تسأل: هل يدور هدفهم حول البحث عن معنى أكبر للحياة؟
عن إجابة نهائية لسؤال “لماذا وُجدنا؟”؟
هل يريدون الانتماء إلى جماعةٍ تشعرهم أنهم “الفرقة الناجية”؟ جماعة تمنحهم الدفء والدعم حتى تمرّ الحياة بقسوتها وعشوائيتها وفتنتها… دون أن يشعروا أنهم عراة؟
حين انتهت الحلقة، لم ينتهِ ما فيها مني.
بقي صوت رغد خلف المشهد يقودني إلى دواخل نفسي.
بقي وجه عوض بنسختيه: القديمة التي خاضت التجربة، والجديدة التي تحاول الفهم.
وبقي سؤال التصالح مع نسختي أنا، معلّقًا في الهواء:
هل أستطيع يومًا أن أجلس مع “أنا القديمة” كما جلس هو مع نفسه، فأصفها بدل أن أحاكمها، وأفهمها قبل أن أُدينها، ثم أقول لها بهدوءٍ حقيقي:
أنتِ لم تكوني عدوّي… كنتِ فقط مرحلةً مؤلمة من الطريق.
وما أنا عليه الآن، بكل ما فيَّ، قائمٌ على كتفيك.
للاستماع الى تسجيل صوتي للحلقة اضغط هنا
لمشاهدة فيديو للحلقة الرابط التالي
لمشاهدة الحلقات للموسم كله من في الضوء مع رغد اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد