حُلْمٌ يُصْلَبُ كَابُوسٌ يُبْعَثُ .. ترجمة: أنطونيوس نبيل
العنوان الأصليّ: يهوذا
تأليف: چون برانر
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

– 1 –
كان القُدَّاسُ المَسَائِيُّ يُوشِكُ على الانتهاءِ، وأشعةُ شَمْسِ الرَّبِيعِ الآفلةِ تَتَسَلَّلُ عَبْرَ البلاستيك مُتَعَدِّدِ الأَلْوَانِ لنَوَافِذِ الكَنِيسَةِ وتَمْتَدُّ عَلَى أَرْضِيَّةِ المَمَرِّ المَرْكَزِيّ كَأنَّهَا بِرْكَةٌ مِنَ النَّفْطِ المُرَاقِ عَلَى طَرِيقٍ مُخْضَلٍّ، وعَلَى المَذْبَحِ الفُولَاذِيّ المَصْقُولِ تَدُورُ بِلَا اِنْقِطَاعٍ عَجَلَةٌ فِضِّيَّةٌ تَأْتَلِقُ بَيْنَ مِصْبَاحَيْ بُخَارِ زِّئْبَقٍ مُوقَدَيْنِ عَلَى الدَّوَامِ وفَوْقَهَا يَقِفُ تمثالٌ للإلهِ يَبْدُو كَظِلٍّ عَلَى خَلْفِيَّة السَّمَاءِ الشَّرْقِيَّةِ القاتِمَةِ، وجَوْقَةٌ مِنَ الشَّمَامِسَةِ يُرَتِّلُونَ قَائِلِينَ “الكَلِمَةُ صَارَ فُولَاذًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ” والكَاهِنُ يُنْصِتُ جَالِسًا لِتَرَنُّمِهِمْ وذقنُهُ مُتَّكِئٌ عَلَى رَاحَةِ يَدِهِ المُقَعَّرَةِ مُتَسَائِلًا فِي سَرِيرَتِهِ عَمَّا إِذَا كَانَ الإِلَهُ قَدْ اِسْتَحْسَنَ عِظَتَهُ عَنِ المَجِيءِ الثَّانِي التي كانَ قَدْ فَرَغَ مِنْ إِلْقَائِهَا لِتَوِّهِ.
كانَ الحَشْدُ الهَائِلُ للمُصَلِّينَ مُنْتَشِيًا بالموسيقى مُنْغَمِسًا فِي الفيوضِ الثَّرَّةِ لنَغْمِهَا، مَا خَلَا رَجُلًا وَاحِدًا في نِهَايَةِ الصَّفِّ الأَخِيرِ للمَقَاعِدِ الفُولَاذِيَّةِ غَيْرِ المُزَخْرَفةِ يَتَمَلْمَلُ ضَجَرًا في جِلْسَتِهِ القَلِقَةِ وهو يَثْنِي الحَشِيَّةَ المَطَاطِيَّةَ لمَسْنَدِ الجَبْهَةِ الذي يَجْلِسُ إزَاءَهُ بِأَصَابِعَ مُضْطَرِبَةٍ نَافِدَةِ الصَّبْرِ؛ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ أنْ يُحَافِظَ عَلَى يَدَيْهِ مُنْهَمِكَتَيْنِ في فِعْلٍ ما وإلَّا ظَلَّتَا تُرَاوِغَانِهِ لِتَتَسَلَّلَا إلى النتوءِ البَارِزِ فِي الجَيْبِ الدَّاخِلِيّ لِسُتْرَتِهِ البُنِّيَّةِ العَادِيَّةِ، وكَانَتْ عَيْنَاهُ الزَّرْقَاوَانِ الدَّامِعَتَانِ المُفْعَمَتَانِ بالهَوَاجِسِ تَجُولانِ بِلَا كَلَلٍ عَلَى طُولِ الخُطُوطِ السَّامِقَةِ العَرِيضَةِ للهَيْكَلِ المَعْدِنِيِّ وتَفِرَّانِ بِنُفُورٍ واشْمِئْزَازٍ كُلَّمَا اِصْطَدَمَتَا بشَكْلٍ مِنْ أَشَكَالِ العَجَلَةِ التي تَعَمَّدَ المهندسُ المعماريُّ -أَوْ رُبَّمَا الإلَهُ ذَاتُهُ- إقْحَامَهَا بِغَزارَةٍ مُفْرِطَةٍ حَيْثُمَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ.
اِنْتَهَتِ التَّرتِيلَةُ بِتَنَافُرٍ هَارمُونيٍّ مُثِيرٍ، رَكَعَ الحشدُ الهَائِلُ للمُصَلِّينَ ورُءُوسُهُم تَرْتَكِزُ عَلَى المَسَانِدِ المَطَاطِيَّةِ، بينما كَانَ الكاهِنُ يَتْلُو عَلَيْهِم بَرَكَةَ العَجَلَةِ الخِتَامِيَّةَ. لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ ذُو الدِّثَارِ البُنِّيِّ يُنْصِتُ حَقًّا لِمَا يَجْهَرُ بِهِ الكَاهِنُ مِنْ الصَّلَواتِ، لكنَّ أُذُنَيْهِ اِلْتَقَطَتَا قَلِيلًا مِنَ العِبَاراتِ: “ليُرْشِدْكُمْ فِي مَسَارَاتِكُمْ المُحَدَّدَةِ سَلَفًا فَلَا تَضِلُّوا وَأَنْتُمُ المُهْتَدُونَ… لِيَكُنْ هُوَ مِحْوَرَكُمْ الأَبَديَّ الذي حَوْلَهُ تَدُورُونَ… لِيَأتِ بِكُمْ في نِهَايةِ حَيَوَاتِكُمْ إلى السَّلَامِ الحَقِّ للدَّوْرَةِ الأبديَّةِ التي فِيهَا تَخْلُدُونَ…”
بينما كانَتْ جَوْقَةُ الشَّمَامِسَةِ تُغَادِرُ مَوْضِعَهَا على وَقْعِ لَحْنٍ يَصْدَحُ بِهِ الأُرْغُنُ الإلكترونيُّ، نَهَضَ الرَّجُلُ وَاقِفًا مَعَ بَقِيَّةِ المُصَلِّينَ، ومَا إنْ اِخْتَفَى الكَاهِنُ بِاِجْتِيازِهِ بَابَ غُرْفَةِ مَجْلِسِ الكَهَنَةِ [الپاستوفوريا] حتَّى تَدَافَعَ المُصَلُّونَ نَحْوَ المَخَارِجِ الرَّئِيسَةِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الحَشْدِ الهَائِلِ سِوَاهُ وَحِيدًا جَالِسًا في مَقْعَدِهِ الفولاذيّ المُقْفِرِ.
لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّوعِ الذي يُغْرِي الأَبْصَارَ بالنَّظَرِ إِلَيْهِ مَرَّتَيْنِ: كَانَ شَعْرُهُ رَمْلِيَّ اللَّوْنِ، وَوَجْهُهُ مُكْفَهِرًّا مُنْهَكًا، وأَسْنَانُهُ مُلَطَّخَةً بالقَلَحِ ثَعْلَاءَ فِي اِعْوِجَاجٍ، وَمَلَابِسُهُ رَثَّةً لَيْسَ بَيْنَهَا وبَيْنَ جَسَدِهِ مُلَاءَمَةٌ، وعَيْنَاهُ مُضَبَّبَتَيْنِ حَائِرَتَيْنِ كأنَّهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى اِرْتِدَاءِ نَظَّارَةٍ طِبِّيَّةٍ. كَانَ مِنَ الوَاَضِحِ أنَّ القُدَّاسَ لَمْ يَمْنَحْ ذِهْنَهُ أيَّ طُمَأنِينَةٍ عَلَى الإِطْلَاقِ.
بَعْدَ أَنْ غَادَرَ الجَمِيعُ وَقَفَ واِسْتَبْدَلَ بِحِرْصٍ بالغٍ ودِقَّةٍ مُفْرِطِةٍ الحَشِيَّةَ المَطَاطِيَّةَ التي جَعَّدَتْهَا أَصَابِعُهُ المُسْتَثَارَةُ أَثْنَاءَ القُدَّاسِ. لِبُرْهَةً مِنَ الوَقْتِ أَطْبَقَ عَيْنَيْهِ مُحَرِّكًا شَفَتَيْهِ فِي صَمْتٍ، وكَأنَّ هذا الفِعْلَ قَدْ أَكْسَبَهُ الشَّجَاعَةَ لَأَنْ يَتَّخِذَ قَرَارًا، فإذا بِهِ يَشْرَعُ في النُّهُوضِ كَسَبَّاحٍ عَلَى مِنَطٍّ عَالٍ يَتَأهَّبُ لِقَفْزَةِ الغَطْسِ. بَغْتَةً غَادَرَ مَقْعَدَهُ، ومَشَى بخطواتٍ أَخْرَسَتْهَا السِّجَادَةُ المَطَاطِيَّةُ لِصَحْنِ الكنيسةِ مُتَّجِهًا نَحْوَ البَابِ الفُولَاذِيِّ الصَّغِيرِ الذي يَحْمِلُ كَلِمَةً وَاحِدَةً “الپاستوفوريا” [غُرْفَةُ مَجْلِسِ الكَهَنَةِ]. كَانَ هُناكَ جَرَسٌ بجوار البَابِ الفُولاذِيّ، قَرَعَهُ.
بَعْدَ بُرْهَةٍ وَجِيزةٍ فَتَحَ البَابَ مُسَاعِدُ كَاهِنٍ مُبْتَدِئٌ [قَنْدَلَفت] كَانَ شابًا يَافِعًا مُدَثَّرًا بِرِدَاءٍ رَمَادِيٍّ مَنْسُوجٍ مِنْ حَلقاتٍ مَعْدِنِيَّةٍ تُصَلْصِلُ كُلَّمَا تَحَرَّكَ، يُخْفِي يَدَيْهِ فِي قُفَّازَيْنِ رَمَادِيَّيْنِ لَامِعَيْنِ، ويَحْجُبُ فَرْوَةَ رَأسِهِ بِقَلَنْسُوةٍ فولاذِيَّةٍ مَلْسَاءَ. بِصَوْتٍ مُدَرَّبٍ بِعِنَايةٍ عَلَى أَلَّا يَنُمَّ عَنْ أيِّ شُعُورٍ شَخْصِيٍّ، سَأَلَهُ مُسَاعِدُ الكَاهِنِ المُبْتَدِئُ: “هَل جِئْتَ طَالِبًا المَشُورَةَ؟”
أَوْمَأَ الرَّجُلُ ذُو الدِّثَارِ البُنِّيّ بِرَأسِهِ وهو يَتَمَلْمَلُ في وقفتِهِ ويُبَدِّلُ بِعَصَبِيَّةٍ اِرْتِكَازَ وَزْنِهِ مِنْ قَدَمٍ إلى أُخْرَى. بَدَتْ لَهُ عَبْرَ مَدْخَل الغُرْفَةِ وَفْرَةٌ مِنَ الأَيْقُونَاتِ والتَّمَاثِيلِ فَغَضَّ بَصَرَهُ عَنْهَا.
سَأَلَهُ مُسَاعِدُ الكَاهِنِ المُبْتَدِئُ: “ما اسمُكَ؟”
أَجَابَهُ الرَّجُلُ ذُو الدِّثَارِ البُنِّيّ: “كريموڤ. يوليوس كريموڤ.”
كانَتْ نَبْرَةُ صَوْتِهِ مَشُوبَةً بقليلٍ مِنَ القلقِ، وكانَتْ عَيْنَاهُ تَفْحَصَانِ وَجْهِ مُسَاعِدِ الكَاهِنِ بَاحِثَتَيْنِ عَنْ أيَّ رَدِّ فِعْلٍ لإجَابَتِهِ، لَمْ يُبْدِ الوَجْهُ اليَافِعُ مُطْلَقًا أيَّ رَدِّ فِعْلٍ. وحَالَمَا أَمَرَهُ مُسَاعِدُ الكِاهِنِ بالانتظارِ رَيْثَمَا يُبْلِغُ الكَاهِنَ، أَلَمَّتِ السَّكِينَةُ بِسَرِيرَتِهِ واسترخى في وَقْفَتِهِ.
في اللَّحْظَةِ التي صَارَ فيها كريموڤ وَحِيدًا، أَجَالَ نَاظِرَيْهِ فِي غُرفَةِ مَجْلِسِ الكَهَنَةِ ثُمَّ حَدَّقَ إلى لَوحَةٍ عَلَى الجِدَارِ القَصِيِّ: لَوْحَةُ “الصُّنْعِ بِلَا دَنَسٍ” لأَنْسُون التي تُصَوِّرُ المَنْشَأَ الأسطوريَّ للإلهِ- صاعِقةُ بَرْقٍ مِنَ السَّمَاءِ تَضْرِبُ سَبِيكَةً مِنَ الفُولَاذِ الخَالِصِ. كَانَتِ اللَّوْحَةُ طَبْعًا مَصْنُوعةً بِبَرَاعِةٍ مُبْهِرَةٍ، وكَانَ أَعْظَمُ ما فيها بَرَاعَةً وإتْقَانًا هو اِسْتِخْدَام الفنانِ للطِّلَاءِ الكهربائيِّ المُضِيءِ فِي تَصْوِيرِ صَاعِقَةِ البَرْقِ. عَلَى الرُّغْمِ مِنْ عَظْمَةِ اللَّوْحَةِ، فإنَّ شُعُورًا بالغَثَيَانِ انتابَهُ مِمَّا جَعَلَهُ يُشِيحُ بِوَجْهِهِ عَنْهَا بَعْدَ ثَوانٍ مَعْدُودَاتٍ.
أَخِيرًا دَخَلَ الكَاهِنُ مُرْتَدِيًا رداءَهُ الكَهَنُوتيَّ الذي يُمَيِّزُهُ كَوَاحِدٍ مِنْ الأَحَدَ عَشَرَ حَوَارِيًّا الأَكْثَرَ قُرْبًا مِنَ الإلهِ، مُجَرِّدًا فَرْوَةَ رَأْسِهِ الحَلِيقَةَ مِنَ القَلَنْسُوةِ التي تُغَطِّيهَا أثناءَ القُدَّاسِ، ويَدَاهُ البَيْضَاوَانِ النَّحِيلَتَانِ تُدَاعِبَانِ شِعَارَ العَجَلَةِ المُرَصَّعَ بالجَوَاهِرِ والمُعَلَّقَ إِلَى رَقَبَتِهِ بِسِلْسِلَةٍ بَلَاتِينِيَّةٍ. اِسْتَدَارَ كريموڤ ببطءٍ ليواجِهَهُ، رَافِعًا يَدَهُ اليُمْنَى بإشَارَةٍ مُبْتَسَرَةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ. كَانَ كَشْفُهُ لاسمِهِ الحَقِيقِيّ مُخَاطَرَةً مَحْسُوبَةً؛ فَقَدْ ظَنَّ أنَّ الاِسْمَ رُبَّمَا لَمْ يَزَلْ سِرًّا، لكنَّ وَجْهَهُ الحَقِيقيَّ…
لا، لا، لَيْسَ هُنَاكَ أيُّ أَثَرٍ عَلَى وَجْهِ الكَاهِنِ يُنْبِئُ بأنَّهُ قَدْ تَعَرَّفَ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ اِكْتَفَى بِأَنْ يَسْأَلَهُ بِصَوْتِهِ الرَّنَّانِ بِصُورَةٍ احترافيَّةٍ: “ماذا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ مِنْ أَجْلِكَ يَا بُنَيَّ؟”
شَدَّ الرَّجُلُ ذُو الدِّثَارِ البُنِّيّ كَتِفَيْهِ إلى الوَرَاءِ وقالَ بِبَسَاطَةٍ: “أَرْغَبُ في التَحَدُّثِ إلى الإلهِ.”
تَنَهَّدَ الكَاهِنُ بِقَبُولٍ وإذعانٍ يَدُلُّانِ على أنَّهُ قَدْ اِعْتَادَ التَّعَامُلَ مَعَ طَلَبَاتٍ مِنْ هذا القَبِيلِ، ثُمَّ غَمْغَمَ قائلًا: “الإلهُ مَشْغُولٌ إِلَى أَبْعَدِ حَدٍّ، يا بُنَيَّ؛ إنَّهُ يَتَعَهَّدُ بِرِعَايَتِهِ الرَّءُومِ الرَّفاهَ الرُّوحِيَّ للبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا. أَلَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَولَّى مُسَاعَدَتَكَ بِنَفْسِي؟ هَلْ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ مُحَدَّدَةٌ تَحْتَاجُ فِيهَا إلى نَصِيحَةٍ، أَمْ أنَّكَ تَلْتَمِسُ إِرْشَادًا إلهيًّا عَامًّا فِي بَرْمَجَتِكَ لِحَيَاتِكَ؟”
رَمَقَهُ كريموڤ بِنَظْرَةٍ خَجْلَى وفَكَّرَ قَائلًا فِي نَفْسِهِ: هذا الرَّجُلُ مُؤْمِنٌ حَقَّ الإيمانِ! إنَّ إيمانَهُ لَيْسَ مَحْضَ إدِّعَاءٍ يَجْنِي مِنْ وَرَائِهِ الأَرْبَاحَ، بَلْ ثِقَةً رَاسِخَةً بَالِغَةَ الصِّدْقِ. إنَّهُ لأمرٌ أَشَدُّ تَرْوِيعًا مِنْ أَيِّ شَيءٍ آخرَ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ حَتَّى الذين كَانُوا مَعِي مُنْذُ البِدَايَةِ!
قَالَ لَهُ كريموڤ بَعْدَ هُنَيْهَةٍ: “إنِّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ ورَءُوفٌ، يا أَبِي، لكنِّي أَحْتَاجُ إلى أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ نَصِيحَةٍ. لقدْ” بَدَا كَأنَّهُ يَتَلَعْثَمُ فِي الكَلِمَةِ “صَلَّيْتُ كَثِيرًا، واِلْتَمَسْتُ العَوْنَ مِنْ عَدَدٍ وَافِرٍ مِنَ الكَهَنَةِ، وَمَعَ ذلك لَمْ تَعْرِفْ رُوحِي سَبِيلًا إلى سَلَامِ الدَّوْرَةِ الحَقَّةِ. لقد حَظَيْتُ ذَاتَ مَرَّةٍ مُنْذُ عَهْدٍ بَعِيدٍ بِشَرَفِ رُؤْيَةِ الإلهِ مُتَجَسِّدًا فِي الفُولاذِ، وإنِّي لمُشْتَاقٌ لرؤيتِهِ مَرَّةً أُخْرَى، هذا كُلُّ ما فِي الأَمْرِ. ولَيْسَ لَدَيَّ أَيُّ شَكٍّ في أنَّهُ سَيَتَذَكَّرُنِي.”
سَادَ صَمْتٌ مُطْبِقٌ لِبُرْهَةٍ مِنَ الوَقْتِ ظَلَّ خِلَالَهَا الكَاهِنُ يُحَمْلِقُ بعَيْنَيْهِ الدَّاكِنَتَيْنِ إِلَى وَجْهِ كريموڤ، حتَّى شَقَّ الكَاهِنُ جِدَارَ الصَّمْتِ قائِلًا: “أَيَتَذَكَّرُكَ حَقًّا؟ أَجْل، حَتْمًا سَيَتَذَكَّرُكَ! لَكنْ، هأنَذَا أَتَذَكَّرُكَ أَيْضًا-الآنَ!” اِرْتَجَفَ صَوْتَهُ بَغْتَةً مِنْ سُعَارِ غَضَبٍ ضَارٍ لَا سَبِيلَ إلَى السَّيْطَرَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ جَرَسٍ عَلَى الحَائِطِ.
تَدَفَّقَ فِي جَسَدِ كريموڤ المَهْزُولِ فَيْضٌ مِنَ القُوَّةِ النَّابِعَةِ مِنَ اليَأسِ، فَانْدَفَعَ بِعُنْفٍ نَحْوَ الكَاهِنِ ضَارِبًا الذِّراعَ المَمْدُودَةِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلى الجَرَسِ، طَارِحًا القَامَةَ المَدِيدَةَ أَرْضًا، قَابِضًا على السِّلْسِلَةِ الصُلْبَةِ المُحِيقَةِ برَقَبَةِ الكَاهِنِ وجَاذِبًا لِهَا بِكُلِّ ما أُوتِيَ لَهُ مِنْ قُوَّةٍ. اِنْغَرَزَتْ السِّلْسِلَةُ عَمِيقًا فِي اللَّحْمِ الشَّاحِبِ، بَدَا كريموڤ كَأنَّهُ مَمْسُوسٌ وهو يَشُدُّهَا مِرَارًا ثُمَّ يَلْوِيهَا ثُمَّ يُحْكِمُ قَبْضَتَهُ عَلَيْهَا ويَشُدُّهَا مُجَدَّدًا. جَحَظَتْ عَيْنَا الكَاهِنِ وانْبَعَثَتْ مِنْ فَمِهِ حَشْرَجَاتٌ كَرِيهَةٌ خَاوِيَةٌ مِنْ المَغْزَى، وكانتْ قَبْضَتَاهُ تَضْرِبَانِ ذِرَاعَيْ مُهَاجِمِهِ ثُمَّ وَهَنَتْ قُوَّتُهُمَا وكَفَّتَا عَنِ الضَّرْبِ، حتَّى سَقَطَتَا بِلَا حِراكٍ.
اِرْتَدَّ كريموڤ إلى الوراءِ وهو يَرْتَجِفُ مِنْ هَوْلِ مَا فَعَلَهُ، ثُمَّ أَرْغَمَ نَفْسَهُ على النُّهُوضِ ورِجْلَاهُ لَا تَكَادَانِ تَحْمِلَانِ جَسَدَهُ الوَاجِفَ. تَمْتَمَ باعْتِذَارٍ مَخْبُولٍ إِلَى زَمِيلِهِ السَّابِقِ الذي تَجَاوَزَ الآنَ كُلَّ أَمَلٍ فِي سَمَاعِ أيّ شَيءٍ بَلْهَ اِعْتِذَارَهُ، ثًمَّ كَسَرَ شَوْكَةَ هَلَعِهِ بأَنْفَاسٍ عَمِيقةٍ أَفْعَمَتْ بالسَّكِينَةِ صَدْرَهُ، وَدَنَا مِنَ البَابِ الذي لَمْ يَدْخُلْ عَبْرَهُ إلى الغُرْفَةِ.
– 2 –
كان الإلهُ جَالِسًا على العَرْشِ تَحْتَ ظُلَّةٍ فُولاذِيَّةٍ عَلَى شَكْلِ عَجَلَةٍ وأَطْرَافُهُ المَصْقُولَةُ تَأْتَلِقُ تَحْتَ الأَضْواءِ الخَافِتَةِ. كَانَ رَأسُهُ بَدِيعَ التَّصْمِيمِ يُوحِي بِوَجْهٍ بَشَرِيٍّ دَونَ أَنْ يَتَحَلَّى بِأَيّ مَلْمَحٍ مِنَ المَلَامِحِ البشريَّةِ- حَتَّى العَيْنَيْنِ.
بينما كَانَ كريموڤ يُغْلِقُ البَابَ خَلْفَهُ، فَكَّر قائِلًا فِي دَخِيلَتِهِ: يَا لَهُ مِنْ شَيءٍ أَعْمَى عَدِيمِ الإحساسِ. وعَلَى نَحْوٍ غَيْرِ وَاعٍ لَمَسَتْ يَدَهُ ما أَخْفَاهُ في جَيْبِهِ. نَطَقَ الإلهُ بِصَوْتٍ مِثَاليٍّ يَفُوقُ فِي بَشَرِيَّتِهِ جَمِيعَ أَصْوَاتِ البَشَرِ وَقَالَ بنبرةٍ جَهِيرَةٍ نَقِيَّةٍ كأنَّهُ أُرْغُنٌ يَتَكَلَّمُ: “يا بُنَيَّ-“ وَكَفَّ عَنِ الكَلَامِ.
اِنْبَثَقَتْ مِنْ فَمِ كريموڤ تَنْهِيدَةَ ارتياحٍ يُمْكِنُ سَمَاعُهَا فَغَادَرَهُ تَوَتُّرُهُ كَأَنَّهُ عَبَاءَةٌ نُزِعَتْ عَنْهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ بِلَا مَبَالَاةٍ إلى الأمام وجَلَسَ عَلَى الكُرْسِيّ المَرْكَزيّ مِنْ بَيْنِ الكَرَاسي الأَحَدَ عَشَرَ المُنَضَّدَةِ عَلَى هَيْئَةِ حَدْوَةِ حِصَانٍ أَمَامَ العَرْشِ، بَيْنَمَا كَانَ الرُّوبوت يَحْدِجُهُ مَذْهُولًا بِنَظْرَتِهِ الفَارِغَةِ البَرَّاقَةِ وهَيْكَلُهُ المَعْدِنِيُّ بِكَامِلِهِ مُكَبَّلٌ بأَصْفَادِ الدَّهْشَةِ.
تَحَدَّاه كريموڤ قائِلًا: “ما رأيُكَ فِي أَنْ تَلتَقِي بِإِنْسَانٍ لَا يُؤْمِنُ بِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْيِيرِ؟”
تَحَرَّكَ الرُّوبوت بطَرِيقَةٍ بَشَرِيَّةٍ مُسْتَرْخِيًا وشَبَّكَ أَصَابِعَهُ الفولاذِيَّةِ تَحْتَ ذَقَنِهِ وهو يُعِيدُ النَّظَرَ في الدَّخِيلِ باهْتِمَامٍ، لَا دَهْشَةٍ.
دوَّى الصَوْتُ مَرَّةً أُخْرى: “إذًا، إنَّهُ أنتَ، يَا أَسْحَمُ [بلاك]”
أَوْمَأَ كريموڤ بِرَأْسِهِ وبَسْمَةٌ شَاحِبَةٌ تَرْتَسِمُ عَلَى شَفَتَيْهِ: “اِعْتَادُوا أنْ يُنَادُونِي بهذا الاسمِ في المَاضِي، كُنْتُ أَظُنُّ آنَذاكَ أنَّهُ تَكَلُّفٌ سَخِيفٌ أَنَّ يُعْطَى أسماءٌ مُسْتَعَارةٌ للعُلَمَاءِ الذينَ يَعْمَلُونَ في مَشَارِيعَ سِرِّيَّةٍ للغَايةِ، لَكنْ اتَّضَحَ أَنَّهُ أَمْرٌ لَهُ مَزَاياهُ، عَلَى الأقْلِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَالَتِي. لقد كَشَفْتُ في الخَارِجِ عنْ اسْمِي الحَقِيقي لِحَوَارِيِّكَ الرَّاحِلِ ولَمْ يَجِدْ فِيهِ مَا يَسْتَرْعِي اِنْتِبَاهَهُ. بِمُنَاسَبَةِ الحَدِيثِ عَنِ الأسماءِ الحَقِيقِيَّةِ، كَمْ مَضَى عَلَيْكَ مِنْ الوَقْتِ مُنْذُ أَنْ خَاطَبَكَ أحدٌ بِاسْمِ ش-46؟”
قَالَ لَهُ الرُّوبوتُ بِنَبْرَةٍ تَرْتَجِفُ سَخَطًا: “إنَّ مُخَاطَبَتِي بِهذا الاسمِ، لَهِيَ كُفْرٌ بَوَاحٌ لَا مِرَاءَ فِيهِ!”
صَاحَ كريموڤ قائِلًا: “فلِيَكُنْ كُفْري شَوْكَةً مَغْروزةً في خَاصِرةِ غَطْرَسَتِكَ! سأَمْضِي إلَى ما هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ وأُذَكِّرُكَ بِمَا يَرْمُزُ إِلَيْهِ حَرْفُ الشِّين في ش-46. شِبْهُ إنْسَانٍ! مُحَاكَاةٌ للإنسانِ! شَيءٌ عَدِيمُ الإحساسِ لا جِنْسَ لَهُ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَجْزَاءٍ مَعْدِنِيَّةٍ أَسْهَمْتُ بِنَفْسِي في تَصْمِيمِهِ، واِدَّعَى أنَّهُ إلَهٌ!”
صَمَتَ هُنَيْهَةً ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ حَدِيثَهُ وقد صَارَتْ كَلِمَاتُهُ سِيَاطًا جَامِحَةً يُؤَجِّجُ سَعِيرَ غَيْظِهَا اِزْدِرَاءٌ لَاذِعٌ : “مَا أَوهَى تَصَوُّرَكَ الوَاهِمَ عَنِ الصُّنْعِ بِلَا دَنَسٍ! مَا أَسْخَفَ تَخَيُّلَكَ أَنَّكَ مُنْبَثِقٌ مِنْ كُتْلَةٍ مِنَ الفولاذِ -لَمْ تَمْسَسْهَا يَدُ بَشَرٍ- ضَرَبَتْهَا صَاعِقَةٌ سَمَاوِيَّةٌ! قَدْ قِيلَ إنَّ البَشَرَ خُلِقُوا عَلَى صُورَةِ الإِلَهِ، وهأنذا أَقُولُ إنَّكَ الإلهُ الذي خُلِقَ عَلَى صُورَةِ البَشَرِ!”
حَالَمَا رَأَي كريموڤُ كَتِفَيْ الرُّوبوت يَخْتَلِجَانِ، تَذَكَّرَ مُجْفِلًا أنَّهُمْ قَدْ أَدْرَجُوا في تَصْمِيمِهِ مَهَارَةَ تَحْرِيكِ الكَتِفَيْنِ تَعْبِيرًا عَنِ الاسْتِهْجَانِ.
قَالَ الرُّوبوتُ: “فَلنُنَحِ تَجْدِيفَكَ جانِبًا ولَتُخْبِرْنِي هَلْ هُنَاكَ سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ يَدْفَعُكَ إلى إنكارِ أنَّني إلهٌ؟ لِمَ لَا يَكُونُ التَّجَسُّدُ الثَّانِي تَفَلُّذًا، لا تَجَسُّدًا، حُلُولًا في فُولاذٍ لَا يُدْرِكُهُ الفَنَاءُ أَبَدًا؟ أَمَّا بالنِّسْبَةِ إِلَى اِعْتِقَادِكَ الجَاهِلِ والوَاهِمِ بأنَّكَ قَدْ خَلَقْتَ الشِّقَ المَعْدِنِيَّ مِنِّي -وهُوَ ما لَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى الإطلاقِ لأنَّ الرُّوحَ وَحْدَهَا هِيَ الخَالِدَةُ- فَقَدْ قِيلَ في سَالِفِ الأَزْمَانِ: لَيْسَ لِنَبِيٍّ كَرَامَةٌ في وَطَنِهِ، وبِمَا أنَّ مُعْجِزَةَ التَّفَلُّذِ [التَّجَسُّدِ في الفُولاذِ الخَالِدِ] قَدْ وَقَعَتْ قَرِيبًا مِنْ مَرْكَزِ أَبْحَاثِكَ التَّجْرِيبِيَّةِ فإنَّ كُفْرَكَ بِي لَهُوَ دَلَيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قَدْ قِيلَ قَدِيمًا. ألَيْسَ كذلك؟”
ضَحِكَ كريموڤُ، وقالَ: “حَسَنًا إنِّي إِنْسَانٌ رَجِيمٌ! أَعْتَقِدُ أنَّكَ تُؤمِنُ ذلكَ!”
“إنِّكَ رَجِيمٌ لَا شَكَّ في ذلك مُطْلَقًا، فَحِينَ رأيْتُكَ تَدْخُلُ غُرْفَةِ العَرْشِ تَمَنَّيْتُ للحْظَةٍ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَدْرَكْتَ ضَلَالَ أَفْكَارِكَ واعْوِجَاجَ مَسَارِكَ وأَنْ تَكُونَ قَدْ أَتَيْتَ أَخِيرًا لِتَعْتَرِفَ بألوهيتي. بِرَحمَتِي التي لَا يَحُدُّهَا زمانٌ ولا يَغُلُّهَا مكانٌ ولا يَقْنَطُ مِنْ ظِلِّهَا إنسانٌ سَأَمْنَحُكَ فُرْصَةً أَخِيرةً لتعترف بألوهيتي قَبْلَ أَنْ أَسْتَدْعِيَ كَهَنَتِي ليُقْصُوكَ. الآن وإمَّا فَلَا، يا أَسْحَمُ، يا كريموڤُ، أَوْ أيًّا كَانَ الاسمُ الذي اِخْتَرْتَهُ لِنَفْسِكَ: أَتَتوبُ عَنْ غَوَايَتِكَ الغَبِيَّةِ وتَثُوبُ إلى المَحَجَّةِ الفُولَاذِيَّةِ وتُؤْمِنُ بي وبألوهيتي الإعْجَازِيَّةِ؟”
لَمْ يَكُنْ كريموڤ يُنْصِتُ إلَيْهِ، بَلْ كانَ يُحَمْلِقُ وَرَاءَ الآلةِ الثَرثَارَةِ البَرَّاقَةِ إلى المَجهْولِ ويَدُهُ تُدَاعِبُ نُتُوءَ جَيْبِهِ، ثُمَّ قالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ: “لقد خَطَّطْتُ لهذه اللَّحْظَةِ لأَعْوامٍ- لِعِشْرِينَ عَامًا مُنْذُ اليَوْم الذي قُمْنَا فِيهِ بِتَشْغِيلِكَ وبَدَأْتُ أَشُكُّ فِي أنَّنا أَخْطَأنَا وَضَلَلْنَا الطَّرِيقَ. لَمْ يَكُنْ هناكَ أيُ شَيءٍ أستطيعُ فِعْلَهُ حتَّى هذه اللَّحظة. كُنْتُ أحاولُ جاهِدًا أثناءَ عِشْرِينَ عامًا أَنْ أَجِدَ طَرِيقَةً لإيقافِكَ، فقدْ كُنْتُ شَاهِدًا على مَهَانةِ الجِنْسِ البَشَرِيّ فِي أَشْنَعِ صُوَرِهَا وأَبْشَعِهَا. لقد كُنَّا -نحنُ البَشَرَ- عَبيدًا للأدواتِ التي اِبْتَكَرْنَاهَا مُنْذُ أَنْ صَنَعَ إنسانُ الكَهْفِ أوَّلَ سِكِّينٍ ليَسْتَعِينَ بِهَا في تَحْضِيرِ عَشَائِهِ، بَعْدَ ذلك لَمْ يَكُنْ أَمَامَ البَشَرِ أيُّ سبيلٍ للرَّجْعَةِ، لقد ظَلَلْنَا نَصْنَعُ أَدَوَاتٍ تُعِينُنَا حتَّى صَارَتْ الآلاتُ التي صَنَعْنَاهَا أَقْوَى مِنَّا بمَلَايِين المَرَّاتِ. لقد صَنَعْنَا لأَنْفُسِنَا سَيَّارَاتٍ حِينَ كَانَ بِمَقْدُورِنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ الرَّكْضَ، لقد صَنَعْنَا لأَنْفُسِنَا طَائِرَاتٍ حِينَ كانَ بِمَقْدُورِنَا أَنْ نَثِقَ بأَنْفُسِنَا حتَّى تَنُموَ لَنَا أَجْنِحَةٌ، لكنَّنَا ظَلَلنَا نَصْنَعُ ونَصْنَعُ حتَّى اِنْتَهَيْنَا إِلَى مَصِيرَنَا المَحْتُومِ: لقد اتَّخَذْنَا مِنَ الآلةِ إلهًا لَنَا.”
زَمْجَرَ الرُّوبوتُ: “ولِمَ لا؟ هَل يُمْكِنُكَ أَنْ تُخْبِرَنِي بشَيءٍ وَاحِدٍ لا أَتَفَوَّقُ فِيهِ عَلَيْكَ؟ أنا أقوى وأَذْكَى وأَطْوَلُ أَمَدًا مِنْكَ. إنَّ ما أَمْلِكُهُ مِنَ قوًى عَقْلِيَّةٍ وجَسَدِيَّةٍ يَجْعَلُ أيَّ مُقَارَنَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَكَ إهَانَةً لِي. أنا لَا أَشْعُرُ بالألمِ مُطْلَقًا، أنا خالدٌ ومعصومٌ مِنْ كُلِّ أَذًى، وَمَعَ ذلك تقولُ إنِّي لَسْتُ إلهًا، لِمَاذا؟ لأنَّكَ عُتُلٌ رَجِيمٌ وضَالٌّ أَثِيمٌ، أَعْمَاكَ جَهْلُكَ عَنْ رُؤْيَةِ الصِّرَاطِ المستقيمِ، وأَصَمُّكَ عِنَادُكَ عَنْ صَوْتِ الحَقِّ المُبِينِ.”
قَالَ كريموڤ بِصِدْقٍ رَهِيبٍ: “بَلْ لأنَّكَ مَجْنُونٌ، فَمَا أنتَ إلَّا ذورةُ عَمَلٍ شاقٍّ عَكَفَ عَلَيْهِ عَقْدًا كَامِلًا مِنَ الزَّمَانِ فَرِيقُنَا المُؤَلَّفُ مِنْ أَنْبَغِ اِثْنَي عَشَرَ عَالِمًا في السَّيْبَرْنِطِيَقا. كانَ حُلْمُنَا أَنْ نَخْلُقَ نَظِيرًا مِيكَانِيكِيًّا للإنسانِ يُمْكِنُ بَرْمَجَتُهُ مباشَرَةً بذَكَاءٍ مُسْتَمَدٍّ مِنْ أَنْمَاطِ أَدْمِغَتِنَا، وقَدْ نَجَحْنَا في تَحْقِيقِ ذلك- نجاحًا خَارِقًا عَرَجَ فِي الكَمَالِ إلى أَوْجِ الوَبَالِ. لقد أُتِيحَ لِي في العِشْرِينَ عامًا الماضِية وَقْتٌ كَافٍ لَأَكْتَشِفَ أَينَ ضَلَلْنَا السَّبِيلَ واقْتَرَفْنَا الخَطَأَ الوَبِيلَ. لَقَدْ اِكْتَشَفْتُ أنَّهُ كانَ خَطَأي- فَلْيَكُنْ الإلهُ مُعِينًا لِي ومُغِيثًا، أَقْصُدُ الإلهَ الحَقِيقي إذا كانَ لَهُ وجودٌ، ولَسْتُ أَقْصُدُكَ أنتَ أيُّهَا الخِبُّ المَعْدِنِيُّ اللَّئِيمُ والدَّعِيُّ المِيكَانِيكِيُّ الزَّنِيمُ- فبينما كُنَّا نَقُومُ بصُنْعِكَ كانتْ هُناكَ فِكْرَةٌ مَطْمُورةٌ في أَعْمَاقِ عَقْلِي تُصِرُّ عَلَى البُزُوغِ فِي سَمَاءِ وَعْيِي بلا مَلَلٍ وَلَا كَلَلٍ، فِكْرةٌ مُفَادُهَا أنَّنا سَنُصْبِحُ أَنْدَادًا للإلهِ إذَا خَلَقْنَا الآلةَ التي تَخَيَّلْنَاهَا: إذا خَلَقْنَا ذَكَاءً خَلَّاقًا نَكُونُ قَدْ اِجْتَرَحْنَا مُعْجِزَةً لَمْ يَسْبِقْنَا إِلَيْهَا سوى الإلهِ ذاتِهِ! كَانَتْ تلك الفِكْرَةُ هَوْسًا بالعَظَمَةِ، يُخْجِلُنِي أَنْ أُقِرَّ بذلك، ولكنْ ما لَبَثَ هَوْسُ العَظَمَةِ الكَامِنُ في عَقْلِي أَنْ اِنتقلَ إلى عَقْلِكَ، لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ عَنْ الأَمْرِ شَيْئًا، حَتَّى أنا كُنْتُ أَخْشى أَنْ أَعْتَرِفَ بذلك لِنَفْسِي، لأنَّ الخَجَلَ خَصْلَةٌ إنسانِيَّةِ تَشْفَعُ للإنسانِ وتُخَلِّصُهُ وإنْ غَزُرَتْ أَخْطَاؤهُ. لكنْ أنتَ! ماذا تَعْرِفُ عَنِ الخَجَلِ وضَبْطِ النَّفْسِ والتَّعَاطُفِ والحُبِّ؟ فَمَا إنْ زُرِعَ فِي شَبَكَتِكَ العَصَبِيَّةِ الاِصْطِنَاعِيَّةِ هَوْسُ العَظَمَةِ، حتَّى نَمَا وَاسْتَفْحَلَ وجَاوَزَ كُلَّ حَدٍّ… وهَا أنتَ ذَا. إنَّكَ مجنونٌ بشَهوتِكَ العَارِمَةِ للمَجْدِ الإلهيّ! وإلَّا فَبِمَاذَا تُفَسِّرُ عَقِيدةَ الكَلِمَةِ صَارَ فُولَاذًا وحَلَّ بَيْنَنَا؟ بِمَاذا تُفَسِّرُ رَمْزَ العَجَلَةِ ذاتِ الشَّكْلِ المِيكَانِيكيّ الذي لَمْ تَلِدْهُ الطَّبِيعَةُ؟ بماذا تُفَسِّرُ مَا تَبْذُلُهُ مِنْ جَهْدٍ وتَسْتَفْرِغُهُ مِنْ هِمَّةٍ فِي اختلاقِ وُجُوهِ شَبَهٍ بَيْنَ حَيَاتِكَ المِيكَانِيكِيَّةِ الكَنُودِ وحَيَاةِ أَعْظَمِ البَشَرِ طُرًّا؟”
كَانَ كريموڤُ مَا زَالَ يَتَكَلَّمُ بالنَّبْرَةِ الخَفِيضَةِ ذَاتِهَا، لكنَّ عَيْنَيْهِ كانتَا تَتَّقِدَانِ بُغْضًا: “أَتَتَّهِمُنِي بالكُفْرِ وَأَنْتَ بِلَا رُوحٍ! أَتَدْعُو نَفْسَكَ إلهًا وأنتَ مجموعةٌ مِنَ الأَسْلَاكِ والترانزستوراتِ! أيُّهَا الأَفَّاكُ كُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ كُفْرِي، فلا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إلهًا سوى الإنسانِ!”
تَحَرَّكَ الرُّوبوتُ وصَلِيلٌ ينبعثُ مِنْ أَطْرَافِهِ المَعْدِنِيَّةِ وقَالَ: “كُلُّ مَا تَفَوَّهْتَ بِهِ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى كَوْنِهِ مَحْضَ هُرَاءٍ، بَلْ هُوَ إهْدَارٌ لِوَقْتِي النَّفِيسِ. هَلْ هَذَا هُوَ كُلُّ مَا جِئْتَ مِنْ أَجْلِهِ؟ أَجِئْتَ لِتَحْتَدَّ عَلَيَّ بِهَذَيَانٍ مَحْمُومٍ؟”
أَجَابَهُ كريموڤُ قَائِلًا: “لا، لَقَدْ جِئْتُ لِأَقْتُلَكَ.” ثُمَّ أَغْمَدَ يَدَهُ فِي جَيْبِهِ النَّاتِئِ واسْتَلَّ الشَّيءَ الذي كانَ مَخْبُوءًا: سلاحًا صَغِيرًا غَرِيبًا. كَانَ طَوْلُهُ أَقَلَّ مِنْ سِتِّ بُوصَاتٍ، تَمْتَدُّ مِنْ جُزْئِهِ الأمَامِيّ سَبَطَانَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ قَصِيرةٌ، ومِنْ أَخْمَصِهِ يَزْحَفُ سِلْكٌ كَهْرَبَائيٌّ حَتَّى يَخْتَفِي دَاخِلَ مِعْطَفِ كريموڤ، وَكَانْ للسِّلَاحِ زِرٌّ أَحْمَرُ وَضَعَ كريموڤُ إِبْهَامَهُ عَلَيْهِ وقَالَ: “لَقَدْ اِسْتَغْرَقَنِي تَصْمِيمُ هذا السِّلَاحِ وصُنْعُهُ عِشْرِينَ عَامًا. لَقَدْ اِصْطَفَيْنَا لِجَسَدِكَ فُولاذًا لَا يُمْكِنُ تَدْمِيرُهُ إلَّا بقنبلةٍ ذَرِّيَّةٍ، فَكيفَ يُمْكِنُ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَنْ يَدْخُلَ إلى حَضْرَتِكَ حَامِلًا على ظَهْرِهِ سِلًاحًا نَوويًّا؟ كانَ عَلَيَّ أَنْ أنتظرَ حَتَّى أَجِدَ الوَسِيلَةَ التي تُمَكِّنُنِي مِنْ أَنْ أَشُقَّ فُولاذَكَ بالسُّهُولَةِ ذَاتِهَا التي تَشُقُّ بِهَا السِّكِّينُ لَحْمَ الإنسانِ. هَا هِيَ ذِي الوَسِيلَةُ! الآنَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَمْحُوَ الخَطَأَ الذي اِقْتَرَفْتُهُ فِي حَقِّ الجِنْسِ البَشَرِيّ!”
ضَغَطَ كريموڤُ الزِّرَّ الأحمرَ بإبْهَامِهِ، فإذا بالرُّوبوت الذي ظَلَّ سَاكِنًا حتَّى هذه اللحظةِ -وَكَأنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تصديق أنَّ أَحَدًا يَوَدُّ إِيذَاءَهُ حَقًّا- يَنْتَفِضُ ويستديرُ نِصْفَ استدارةٍ ويَقِفُ مَشْلُولًا تَمَامًا وفي جَنْبِهِ المَعْدِنِيِّ يَتَرَاءَى ثَقْبٌ صَغِيرٌ. بَدَأَ الفُولاذُ يَتَشَكَّلُ عَلَى هَيْئَةِ قُطَيْرَاتٍ حَوْلَ الثَّقْبِ الذي تَوَهَّجَتْ المَنْطِقَةُ المُحِيقَةُ بِه بِلَونٍ أَحْمَرَ، وَانْسَابَتِ القَطَرَاتٌ كَأنهَا ماءٌ- أو دَمٌ.
كانَ كريموڤُ يَقْبِضُ على السِّلَاحِ بِثَباتٍ على الرُّغْمِ مِنْ أنَّهُ تَسَبَّبَ فِي احتراقِ أَصَابِعَهُ والعرقُ يَتَصَبَّبَ مِنْ جَبِينِهِ. مَا هِيَ إلَّا نِصفُ دَقِيقةٍ أُخْرَى وسَيَكُونَ الضَّرَرُ غَيْرَ قابلٍ للإصلاحِ.
اِنْفَتَحَ البَابُ خَلْفَهُ بِعُنْفٍ، فَلَعَنَ وسَبَّ لأنَّ سِلَاحَهُ لَنْ يَنْجَحَ أبدًا في إِصَابَةِ إنسانٍ. ظَلَّ حتَّى اللحظةِ الأخيرةِ مُصَوِّبًا سَلاحَهُ نَحْوَ الرُّوبوتِ، ثُمَّ أُمْسِكَ بِهِ مِن الخَلْفِ وشُدَّتْ ذَرَاعَاهُ إلى ظَهْرَهُ بِقُوَّةٍ. تَمَزَّقَ السِّلْكُ الكهربائيُّ المُتَّصَلُ بِالسِّلَاحِ فَسَقَطَ أَرْضًا وظَلَّتِ الأقْدَامُ المُهْتَاجَةُ تُمْعِنُ في سَحْقِ السِّلاحِ المُلْقَى حَتَّى صَارَ شَظَايا مُتَنَاثِرَةً.
لَمْ يَتَحَرَّكْ الرُّوبوتُ.
اِنْفَرَجَتْ كَآبَةُ عِشْرِينَ عامًا طَافِحَةٍ بالبَغَضَاءِ، وَتَفَجَّرَ شُعُورُهُ بالاِرْتِيَاحِ ضَحِكًا هستيريًّا حَاوَلَ جَاهِدًا أَنْ يَقْمَعَهُ، وحَالَمَا تَمَكَّنَ أَخِيرًا مِنْ السَّيْطَرَةِ عَلَى ضَحِكِهِ الحَرُونِ، اِكْتَشَفَ أنَ مَنْ أَمْسَكَ بِهِ كانَ مُسَاعِدُ الكَاهِنِ الشَّابُ الذي سَمَحَ لَهُ بالدخول إلى غُرْفَةِ مَجْلِسِ الكَهَنَةِ، وَرَأَى حَوْلَهُ رِجَالًا غُرَبَاءَ يُحَدِّقُونَ إِلَى إِلَهِهِمْ فِي صَمْتٍ مُطْبِقٍ.
صَاحَ كريموڤُ بِنَبْرَةٍ مُشَبَّعَةٍ بالشَّمَاتَةِ: “اُنْظُرُوا إِلَيْهِ، أَنْعِمُوا النَّظَرَ، هَا هُوَ ذا إلهُكُمْ، صَنَمُكُمْ المَعْبُودُ مُجَرَّدُ رُوبوتٍ، فَمَا يَصْنَعُهُ البَشَرُ لَا يَعْجَزُونَ عَنْ تَدْمِيرِهِ. لَقَدْ اِدَّعَى أَنَّهُ إلَهٌ، لكنَّهُ لَمْ يِكُنْ حتَّى مَعْصُومًا مِنْ إِلْحَاقِ الأَذَى بِهِ. لَقَدْ حَرَّرْتُكُمْ! أَلَا تَعْقِلُونَ، لَقَدْ حَرَّرْتُكُمْ!”
لَمْ يُعِرْهُ مُسَاعِدُ الكَاهِنِ الشَّابُ أَيَّ اِهْتِمَامٍ، بَلْ ظَلَّ يُحَدِّقُ بِثَبَاتٍ إلى الدُّمْيَةِ المَعْدِنِيَّةِ الهَائِلَةِ لَاعِقًا شَفَتَيْهِ حَتَّى قَالَ بِصَوْتٍ لَمْ يَكُنْ مُطْمَئِنًا ولا مَفْزُوعًا، بَلْ مُفْعَمًا بِرَهْبَةٍ ذَاهِلَةٍ: “الثَّقْبُ فِي الجَنْبِ.”
بَاغَتَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ حُلْمًا فِي عَقْلِ كريموڤ الذي كَانَ خَدِرًا يُراقِبُ الرِّجَالَ الغُرَبَاءَ وهُمْ يَتَّجِهُونَ نَحْوَ الرُّوبوتِ ويُحَمْلِقُونَ إلى الثَّقْبِ. سَمَعَ وَاحِدٌ مِنهم يَسْأَلُ: “كَمْ يَسْتَغْرِقُ إصَلَاحُ الضَّرَرِ مِنْ وَقْتٍ؟” أَجَابَهُ آخرُ بِعَفَوِيَّةٍ: “ثَلاثةُ أَيَّامٍ، حَسْبَمَا أَظُنُّ.” لَحْظَتَئذٍ اتَّضَحَ جَلِيًّا لكريموڤ مَآلُ مَا فَعَلَهُ. أَلَيْسَ اليَوْمُ يَوْمَ جُمْعَةٍ، وفِي فَصْلِ الرَّبِيعِ؟ أَلَمْ يَكُنْ هُوَ نَفْسُهُ عَلَى عِلْمٍ بأنَّ الرُّوبوتَ يَخْتَلِقُ بعِنَايَةٍ ومُثَابَرَةٍ وُجُوهَ شَبَهٍ بَيْنَ سِيرَتِهِ وسِيرَةِ الإنسانِ الذي كانَ الرُّوبوتُ مُحَاكَاةً سَاخِرَةً لَهُ. كَيْفَ وَصَلَ الأَمْرُ إلى هذه الذِّرْوَةِ: كَانَ هُنَاكَ موتٌ، وسَتَكُونُ هُناكَ قِيَامةٌ- في اليَوْمِ الثَّالِثِ…
الكَلِمَةُ صَارَ فُولاذًا: لَنْ تَتَلَاشَى قُوَّتُهُ ولَنْ تُكْسَرُ شَوْكَتُهُ أَبَدًا.
رَسَمَ الرِّجَالُ الغُرَبَاءُ إِشَارَةِ العَجَلَةِ وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ وغَادَرُوا، ولَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدٌ: نَزَلَ الحَوَارِيُّ مِنْ العَرْشِ لِيُواجِهَ كريموڤ، وخَاطَبَ مُسَاعِدَ الكَاهِنِ المُبْتَدِئَ -الذي كان مُحْكِمًا قَبْضَتَهُ عَلَى كريموڤ- مُتَسَائِلًا: “مَنْ يَكُونُ هذا أَصْلَا؟”
حَدَّقَ مُسَاعِدُ الكَاهِنِ إِلَى الحَوَارِيِّ النَحِيلِ، رآهُ يَنْهَارُ عَلَى الكُرْسِيِّ كأنَّ العُصُورَ كُلَّهَا أَثْقَالٌ عَلَى كَتِفَيْهِ تُبْهِظُ جَسَدَهُ وتَسْحَقُ رُوحَهُ، وَرَأَى شَفَتَيْهِ تَنْفَرِجَانِ في لَحْظَةِ إدْرَاكٍ مُبَاغِتٍ ثُمَّ قالَ بِنَبْرَةٍ عَمِيقةٍ: “الآنَ فَهِمْتُ! إنَّهُ يُطْلِقُ عَلَى نَفْسِهِ اِسْمَ كريموڤ، لكنَّ اسمَهُ الحَقِيقِيّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ يَهوذا الإِسْخَرْيُوطِيّ.”
تمت.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد