رواية “شرف” لصنع الله إبراهيم والمعاناة… أنسام النجار

ضمن مهرجان نادي كتاب تفكير لقراءة أعمال الأديب صنع الله إبراهيم قدمت أنسام النجار في الجلسة الثانية قراءة لراوية شرف. المهرجان من إعداد د. أكمل صفوت.

370306419_834585131307725_3108527809575351894_n رواية "شرف" لصنع الله إبراهيم والمعاناة... أنسام النجار

أكمل صفوت: وأخيراً، مسك الختام رواية تُصنف كواحدة من أهم مائة رواية في الأدب العربي الحديث، وهي رواية “شرف”، وستقدمها لنا أنسام النجار.

أنسام النجار:
مساء الخير. الرواية التي سأتحدث عنها اليوم هي رواية “شرف”. قبل أن أبدأ في الحديث عنها، لا بد من تقديم نبذة صغيرة عن صنع الله إبراهيم. هو مواليد 1937 في حي العباسية، وكان لوالده أثر كبير في حياته. درس القانون ثم انصرف للسياسة والصحافة، وهو اسم اختاره له والده متأثراً بالآية الكريمة “صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعه”. اعتُقل سنة 1959 وكان عمره 22 عاماً في سجن الواحات، ومن الواضح من خلال روايته أن السجن أثر فيه بشكل كبير جداً. الظروف التي عاشها كشاب صغير دخل السجن وتعرض لظروف اعتقال صعبة أثرت على نفسيته، وربما على مجرى حياته كلها. عندما بحثت عنه، لم أجد أنه تزوج – صنع الله تزوج –  أو أنجب أو عاش حياة طبيعية، بل عاش حياة بسيطة وزاهدة، وكان مهتماً جداً بمشاكل المجتمع، فكل كتاباته تحمل معاناة.

داخل رواية “شرف”

تحكي الرواية عن شاب صغير، ربما في نفس العمر الذي دخل فيه صنع الله المعتقل. اسمه “أشرف عبد العزيز”، وكلمة “شرف” هنا ليست مجرد اسم بل لها معنى ودلالة. بدأت القصة بأن أشرف كان يعيش حياة بسيطة مع أسرته، وكان لديه طموحات وأحلام كأي شاب، لكن الواقع لم يكن في صالحه.

%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9_%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%81_%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9_%D8%B4%D8%B1%D9%81 رواية "شرف" لصنع الله إبراهيم والمعاناة... أنسام النجار

ذات يوم، وهو يحضر فيلماً في السينما، عرض عليه أجنبي أن يحضر معه حفلة في الفندق، ثم طلب منه الذهاب إلى بيته. ذهب معه وسهرا وشربا، ثم بدأ الأجنبي يعرض عليه عرضاً غير مقبول (مقابلاً جنسياً). رفض أشرف هذا العرض رغم أنه كان مقابل مادي قد يحسن وضعه، لأنه رأى في ذلك مساً بشرفه. هنا في بداية الرواية شعرت بالرمزية، رمزية الشرف: هل يقصد مشكلة شاب واحد، أم مشكلة أي دولة أو مجتمع في الثمن الذي يدفعه إذا حاول الحفاظ على كرامته؟ إما أن يتنازل عن شرفه ليحصل على مميزات، أو يُنسحق مثلما حصل لأشرف الذي دخل المعتقل بسبب رفضه.

أسلوب السرد والبيئة

لاحظت أن أسلوبه سرد وثائقي، يعتمد على تقارير ومقالات، ويتكلم كثيراً عن القوانين ويعرض شخصيات أساسية تقابلنا داخل الرواية: الضباط، الدكتور رمزي، رجال الدين، رجال الأعمال، وتجار المخدرات. مسرح الأحداث كان السجن، ولغته كانت مباشرة وواقعية وجافة، لأنها لغة أقرب للكتابة الوثائقية.

داخل السجن، يسرد أولاً عن تجربة أشرف، ثم يدخلنا في قصة الدكتور رمزي بطرس نصيف وأوراقه، وخصص لها جزءاً كبيراً. تكلم كثيراً عن ظروف الاعتقال غير الآدمية: الروائح الكريهة، عدم النظافة، وجود طبقات داخل السجن، سوء المعاملة من الضباط وظروف الاحتجاز الصعبة. المعاناة الشخصية واضحة جداً لشاب في بداية حياته يتعرض لمثل هذه الظروف.

شخصيات السجن ورموزه

من بين الشخصيات التي قابلها داخل السجن:

  • رجال الدين: كان لهم قوة وسلطة داخل السجن، حتى على المساجين والضباط. كلمتهم كانت مؤثرة جداً، وكانوا يحددون ما هو حلال وحرام.
  • مرتكبو “جرائم الشرف”: قابل أشرف أناساً ارتكبوا جرائم شرف بمعنى آخر، كرجل قتل أخته، وكان الجميع يتوقع خروجه سريعاً لأنها “جريمة شرف”. فسأل نفسه: أنا دافعت عن شرفي عندما تعرضت لمحاولة اعتداء، فلماذا يعاقبوني؟
  • رجال الأعمال: كان وضعهم داخل السجن مشابهاً للمجتمع الخارجي، يعيشون في غرف متميزة ولهم تأثير وقوة.
  • تجار المخدرات: كانت المخدرات وسيلة لتسهيل حياة المساجين وتحمل الأوضاع السيئة. وصف بالتفصيل كيف يتم تهريبها وإدخالها بطرق مقززة، لكن الناس تقبلها لأنها تساعدهم على تحمل الضغط والمعاناة.

قصة الدكتور رمزي والفساد

كان مأمور السجن مهتماً بالدكتور رمزي، وهو صيدلي قبض عليه وكان يحمل أوراقاً خاصة يحاول إخفاءها. كانت هذه الأوراق تتعلق بفضيحة كبيرة عن الأغذية الفاسدة والشحنات المنتهية الصلاحية التي تدخل البلاد، والشركات المتورطة في ذلك، وكيف يتم تمريرها عبر الجمارك بالرشاوى. يتكلم بإسهاب عن الفساد الصحي والاقتصادي، وعن تلوث الماء والهواء والطعام، وكيف أن كل ما نعانيه هو نتيجة تراكم أخطاء وإهمال.

العرض المسرحي ورمزية التضحية

في جزء من الرواية، نظم الدكتور رمزي عرضاً مسرحياً بمناسبة احتفال أكتوبر 1973، حيث مثل المساجين شخصيات تتكلم عن أحداث مرت في مصر، مثل الصراع العربي الإسرائيلي وثورة 1919. كان هناك مشهد مؤثر لعروسة تمثل جندياً بسيطاً اسمه “خلف قندس منس” من سوهاج، أصيب بشلل نصفي منذ حرب أكتوبر وحرم من الزواج والحياة الطبيعية، وعولج لسبع سنوات ثم وصل إلى “جمعية الوفاء والأمل”. الرواية تسأل: ماذا عن مصير آلاف الجنود الذين قدموا حياتهم ومستقبلهم؟ التبرعات لا تصل إليهم، وبعد فترة يُطلب منهم إخلاء أماكنهم لاستقبال مصابين جدد. فترد عروسة أخرى: “كنا نؤمن أننا نؤدي واجبنا، ولكننا نتساءل الآن: من أجل ماذا كانت تضحيتنا؟”.

النظرة العامة والمعاناة

النظرة الغالبة على كل سطر في الرواية هي نظرة إنسان عنده معاناة كبيرة، يرى الحياة بعين المعاناة. يتكلم عن مجتمع صامت لا يعترض على الأخطاء. كما يتناول تأثير المخدرات داخل السجن وخارجه كوسيلة لجعل الناس يتقبلون أوضاعهم.

كما يقدم شخصيات ضحية داخل السجن، مثل عامل بسيط في الصرف الصحي قبض عليه وأصيب بأمراض جلدية بسبب عمله، فيتهم بالإهمال بينما هو في الحقيقة ضحية للإهمال والفقر.

الخاتمة والأسلوب

الرواية مليئة بالهوامش والتفاصيل والأرقام والتواريخ الدقيقة، مما يجعل القارئ يشعر أحياناً أنه يقرأ كتاباً وثائقياً أكثر من رواية. النهاية كانت مفتوحة، لم ينصف القانون “شرف”، بل انتهى المشهد باستسلامه. الفقر والقهر والعجز قد يجعلان الإنسان في النهاية يقبل بشيء كان قد دخل السجن من اجل رفضه.

أسلوب صنع الله إبراهيم ليس عاطفياً على الإطلاق، لا توجد مشاعر خلال الرواية. نظرته للواقع هي نظرة إنسان عانى كثيراً، ولم يحاول تقديم حلول للأزمات، بل قدم الواقع كما يراه من خلال معاناته. جو الرواية كئيب بلا شك، وليس هناك تفاؤل.

شكراً.

شرف: عرض وقراءة أنسام النجار.
للاستماع للتسجيل الصوتي على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو لمداخلة أنسام عبر الرابط التالي:

لمشاهدة كل تسجيلات المهرجان فيديو اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات