روح خارج الخدمة! … بقلم: مروة هجرس
بقلم/ مروة هجرس

لم ترَ شيئًا.
لا نفقَ أبيض، ولا أقارب يلوّحون، ولا ملائكة تقيس وزن القلب.
حين أطبق الطبيب قناع التخدير على وجهها، انطفأت ببساطة.
كما تنطفئ شاشة هاتف نُزعت بطاريته.
لم يكن هناك ظلام حتى. كانت في منطقة اللاشيء.
ثم عادت.
استفاقت الفتاة على سقف أبيض مليء بالشقوق في غرفة تبدو كغرفة مستشفى، وظلّت تحدّق فيه كمن يحاول تذكّر اسم شخص يعرفه جيدًا ولا يحضره الآن. حاولت النهوض، فخانها نصف رأسها الأيسر. حاولت تذكّر اسمها، فحضر صوت الممرضة قبل الاسم.
إنتِ بخير… حصل لكِ ارتجاج ونزيف بسيط، كانت حادثة كبيرة بس الحمد لله ربنا ستر.
الحمد لله. مرّت عليها الكلمة، كإشارةٍ ضعيفة لم يلتقطها الدماغ.
في الأيام التالية، اكتشفت أن بعض الذكريات اختفت.
لا تعرف أين ضاعت بالتحديد، ولا متى. كأن عقلها قرّر فجأة أن يُفرغ مساحة تخزينه.
لم تنسَ اللغة، ولا الأرقام، ولا طريقة ربط الحذاء.
لكنها نسيت لماذا كانت تكره القهوة سادة، ولماذا كانت تحب صوت فيروز صباحًا، ولماذا كانت تبكي فجأة دون سبب لدى رؤية طفل رضيع.
سألت الطبيب:
– هو ده طبيعي؟
قال وهو يعدّل نظارته
الدماغ زي شبكة كهربا… لمبة تضرب، لمبة تنوّر. كله وارد.
شبكة كهرباء!!!!!!!
لم يقل: الروح تاهت.
لم يقل: جزء منكِ غادر.
قال: لمبة.
في الليلة الأولى بعد خروجها من المستشفى، حدّقت في المرآة طويلًا.
لم تشعر أن الفتاة المقابلة لها غريبة، لكنها أيضًا لم تشعر أنها هي.
قالت لها:
– إنتِ مين؟
لم تُجب المرآة.
لسوء الحظ، الزجاج لا يمتلك آراءً فلسفية.
كانت بحاجة عن إجابات لتلك الأسئلة التي صارت تنهش عقلها نهشًا، ثم بدأت الرحلة…
ذهبت أولًا إلى عرّاف مشهور، قيل لها إن له اتصالًا مباشرًا بالعوالم الخفية. جلس أمامها، قلب أوراقًا، أغلق عينيه، ثم قال بوقار:
– روحك تعبانة.
سألته:
– كانت فين وقت التخدير؟
فتح عينيه ببطء:
– كانت… معلّقة.
– فين؟
– فيما بين.
ابتسمت:
– ما بين إيه وإيه؟
سكت.
ثم قال:
– لاا.. دي فيها خمسميت جنيه.
خرجت وهي تشعر أن روحها – إن وُجدت – أذكى من أن تقع في فخ كهذا.
في صباح اليوم التالي قصدت شيخًا.
طرحت عليه السؤال ذاته، ذاك الذي لم يدعها تنعم بليلة هادئة منذ وقوع الحادث.
قال بصوتٍ وقور:
ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي.
سألته بهدوء:
– وهل يتأثر هذا الأمر بضربةٍ في الفص الجبهي؟ أم أن الأمر الإلهي كان يتضمّن الضربة منذ البداية؟
تأمّلها طويلًا، كمن يزن السؤال لا ليُجيب عنه، بل ليقرّر مصيره.
ثم قال:
– كثرة التفكير تفسد الإيمان.
ابتسمت.
يبدو أن التفكير أيضًا… له محظوراته.
لم تيأس.. في اليوم التالي ذهبت إلى راهب. كانت إجابته أكثر غموضًا:
– الروح خالدة.
سألته:
– طيب ليه ما طلعتش تتمشى شوية وأنا متخدّرة؟
ابتسم بحزن:
– لأن الجسد قيد.
قالت:
– غريب… القيد ده بيتفك بحقنة.
عادت إلى بيتها بلا إجابات، لكن برأس ممتلئة بالأسئلة.
جلست على الأرض، وفتحت كتاب أحياء قديم من أيام المدرسة.
قرأت عن الخلايا العصبية، عن التشابكات، عن النواقل الكيميائية.
قرأت أن الحب دوبامين، وأن الخوف أدرينالين، وأن الذكريات مسارات قابلة للمحو.
ضحكت فجأة.
ضحكة قصيرة، حادة.
يعني أنا جهاز؟
إذا كانت إصابة صغيرة قد غيّرت ذائقتها، وإن استطاع مخدّر محو وعيها تمامًا، وإن كانت الذاكرة تُمسح مثل ملف…
فأين كانت الروح حينها؟
تذكّرت لحظة التخدير.
لم يكن هناك انتظار.
لم يكن هناك “أنا” تراقب الغياب.
كان انقطاعًا كاملًا، كإطفاء نظام التشغيل.
راودها خوف سريع، خاطف.
فكرة أن فقدان الروح قد يبدو للبعض هاويةً مفتوحة؛ بابًا للعدمية، وإعلانًا صريحًا بأن الحياة بلا معنى. فالوعي، في هذه الحالة، مؤقّت. وإذا كان كذلك… فبِمَ يُقاس المعنى في هذه الحياة؟
ثم تسرّب إليها شعورًا آخر، أكثر غرابة: راحة.
لو لم تكن هناك روح تراقب من أعلى، ولا سجلّ سماوي يُراجع التفاصيل،
فذلك يعني أن هذه اللحظة.. “الآن”، هي كل ما تملكه.
لا لأنها بوابة إلى حياة أخرى، بل لأنها لحظة حقيقية، مكتملة، لا نسخة بديلة لها ولا تعويض.
ربما لا نمتلك روحًا على الإطلاق.
ربما نكون نحن التجربة نفسها: عابرة، هشّة، وواعية.
في اليوم التالي، خرجت تمشي بلا هدف.
جلست على مقهى شعبي، شربت شايًا رديئًا، استمعت لضحك عالٍ بلا سبب، راقبت يدها وهي تمسك الكوب.
شعرت بشيء. ليس ساميًا.. ليس أبديًا، لكنه حقيقي.
فكرت:
ربما لسنا أرواحًا تملك أجسادًا.
ربما نحن تجارب واعية مؤقتة، تومض قليلًا… ثم تنطفئ.
والمعنى؟
ربما لا يكمن المعنى في الخلود.
بل في أن هذه الضحكة لن تتكرر بنفس الشكل أبدًا.
وفي أن هذا الشاي السيئ لن يُشرب مرتين بنفس الوعي.. بنفس الطعم والشعور.
في المساء، كتبت على ورقة ولصقتها على الحائط:
لا بأس إن ظلّت الروح بلا تعريف، فأنا على الأقل حاضرة هنا والآن.
وذلك… كافٍ.
ثم أطفأت النور،
وتركت الدماغ – هذا الجهاز العجيب – يواصل عمله.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد