زلزال الإسلام وأصول الحكم ومئة عام من الضحك..بقلم: أشرف قنديل

بقلم: أشرف قنديل

havt زلزال الإسلام وأصول الحكم ومئة عام من الضحك..بقلم: أشرف قنديل

 أثار صدور كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبد الرازق من مئة عام جدلًا فكريًا ودينيًا غير مسبوق في مصر (ولا يزال). لم يكن الخلاف حول مضمون الكتاب بكونه مجرد نقاش علمي/معرفي حول العلاقة بين الدين والسياسة، بل تحول إلى ساحة لصراع أيديولوجي عبّرت عنه الصحافة المصرية بمختلف تياراتها، الحزبية والدينية والمستقلة. فقد كان للصحف والمجلات دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام حول القضية، حيث تباينت المواقف بحسب الانتماءات السياسية والفكرية، وانقسمت الصحافة ما بين الهجوم العنيف والدفاع المبدئي، وما بين التحليل الموضوعي والنقد المتحيز.

بين حرية الفكر وصراع الأيديولوجيا

تراوح موقف الصحف الحزبية من الكتاب بين الهجوم والدفاع، حيث تجلّى الموقف الأكثر دعمًا لعبد الرازق في مجلة “السياسة الأسبوعية”، لسان حال حزب الأحرار الدستوريين -الذي ينتمي له عبد الرازق- والتي أدارها المفكر محمد حسين هيكل. دافَع هيكل عن الكتاب بوصفه اجتهادًا داخل المذهب السني، مؤكدًا أن الخلافة ليست من أركان الإسلام، وسخر في مقاله الشهير “تعال نضحك” في (14 أغسطس 1925) من خصوم عبد الرازق، معتبرًا أنهم أعادوا الأزهر إلى أصوله الشيعية حين رفضوا ما أجمعت عليه الأمة عبر تاريخها السني، وأن ما قاله عبد الرازق يتماشى مع ما أجمع عليه أهل السنة عبر العصور، وأن خصوم عبد الرازق وعلى رأسهم هيئة كبار العلماء بالأزهر، هم من خرقوا ذلك الإجماع الراسخ عند أهل السُنة والجماعة، وكأنهم قد عادوا بالأزهر إلي أصله الشيعي يوم بناه الفاطميون!

قال هيكل في مقدمة مقاله موجهاً كلامه لعبد الرازق بطريقة ساخرة: (تعال نضحك… فقد كان كتابك مصدر التغير الأرثوذكسية في الإسلام، ولست أنت الذي غيرها أيها الطريد المسكين، وإنما غيرها الذين طردوك وأخرجوك من الأزهر… نعم … كان أهل السُنة وما زالوا يرون أن الخلافة ليست ركناً من أركان الدين، وأن الشيعة فسقوا حين عدوها كذلك، فلما قلت للناس في كتابك ما أجمع عليه أهل السُنة، غضب عليك أهل الأزهر، ورموك بالابتداع والإلحاد….).

في المقابل، قادت الصحف المناوئة لحزب الأحرار الدستوريين وعلى رأسها الصحف الوفدية مثل “البلاغ” و”كوكب الشرق” حملة مضادة شرسة ضد الكتاب، معتبرة إياه تفكيكًا لسلطة الإسلام السياسية في لحظة حرجة عقب سقوط الخلافة العثمانية. وتماهى هذا الهجوم الحزبي المؤدلج مع الخطاب المحافظ، ما جعل موقفها ربما أكثر تشددًا حتى من بعض الصحف الدينية.

أما الصحافة الدينية فقد دافعت بكل الطرق عن فكرة الخلافة وهاجمت عبد الرازق، وتحدثت عما يمكن تسميته بالدفاع عن “الإجماع المهدد”، فمجلات دينية كـ”نور الإسلام” و”الهداية الإسلامية”، المرتبطة بالأزهر، عبّرت عن رفض قاطع للكتاب، واعتبرته خروجًا على إجماع الأمة. وكان لهذا الضغط الإعلامي أثر مباشر في إحالة عبد الرازق إلى هيئة كبار العلماء، التي قضت بفصله من زمرة العلماء.

أما المجلات المستقلة غير الحزبية فكان موقفها هو الحياد المائل للاجتهاد، فقد تبنت مجلة “الهلال” على سبيل المثال خطابًا أكثر توازنًا، عارضةً آراء متباينة بين المدافعين والرافضين، مع ميل واضح نحو حرية الفكر وحق الاجتهاد، وفتحت صفحاتها لنقاش شارك فيه نخبة من الأدباء والمفكرين من مختلف الاتجاهات.

فكر أسير السياسة ومازال

لم يكن التفاعل الصحفي مع قضية الكتاب مجرد انعكاس لاختلافات معرفية في الرؤى الفكرية، بل كان امتدادًا لصراعات حزبية وأيديولوجية عميقة وتعبيرًا عنها. شكلت هذه اللحظة مفصلًا مهمًا في العلاقة بين الدين والفكر والدولة، ولا تزال أصداؤها تُسمع حتى اليوم في النقاشات الفكرية وما زلنا وللمفارقة في نفس المربع الفكري لم نبرحه إن لم نكن قد تقهقرنا عنه. وكأن دعوة محمد حسين هيكل الساخرة والتي أطلقها قبل قرن للضحك من موقف خصوم عبد الرازق المتناقضة مع ذاتها ما تزال راهنة، لكن مع اختلاف بسيط وهو أن ضحكنا اليوم قد أضحي ضحكاً كالبكاء، فشر البلية كما يُقال هو ما يُضحك فعلاً.

انضم مع 3 مشتركين

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات