صِرَاعُ الآلِهَةِ فِي مَرَايَا العَابِدِينَ.. الجزء الثاني .. ترجمة: أنطونيوس نبيل

طبيب وشاعر وملحن.

d8a7d986d8b7d988d986d98ad988d8b3-d986d8a8d98ad984-d8b4d8a7d8b9d8b1-d988d985d984d8add986 صِرَاعُ الآلِهَةِ فِي مَرَايَا العَابِدِينَ.. الجزء الثاني .. ترجمة: أنطونيوس نبيل

أَصْغَيْنَا نَحنُ ولَجْنَةُ التَّحْقِيقِ الأَرْضِيَّةِ إِلَى ما دَارَ في دِمَاغِ رَوْتَاڨَارَا مِنْ نَشَاطٍ، وأَبْصَرْنَاهُ. واِشْتَرَكْنَا فِي إدْراكِ مَا قَدْ حَدَثَ، لكنَّنَا اِخْتَلَفْنَا فِي تَقْيِيمِنَا لَهُ: فَبَيْنَما رَأَى الأرضيُّونَ السِّتَّةُ أنَّهُ شَيءٌ كَرِيهٌ وَمُؤْذٍ، رَأَيْنَاهُ نَحْنُ شَيئًا بَدِيعًا ومُفِيدًا لَنَا ولرَوْتَاڨَارَا؛ لأنَّنَا مِنْ خَلَالِ دِمَاغِهَا المَعْطُوبِ -الذي أَعَادَهُ إلى حَوْمَةِ الحَيَاةِ روبوتٌ قَلِيلُ الإدْرَاكِ- صِرْنَا عَلَى اتِّصَالٍ بالعَالَمِ الآخرِ والقُوَى المُهَيْمِنَةِ عَلَيْهِ.
لَقَدْ أثَارَ رَأْيُ الأَرْضِيِّينَ فِي الأَمْرِ اِسْتِيَاءَنَا.
قَالَ المُتَحَدِّثُ بِاسْمِ الأَرْضِيِّينَ: “إنَّهَا تُعَانِي مِنَ هَلْوَسَةٍ نَاجِمَةٍ عَنْ حِرْمَانِهَا المُطْلَقِ مِنْ جَمِيعِ صُنُوفِ الإشارَاتِ الحِسِّيَّةِ؛ وذلك لأنَّ جَسَدَهَا قَدْ فَارَقَتْهُ الحَيَاةُ. اُنْظُرُوا عَاقِبَةَ مَا فَعَلْتُمْ بِهَا!”
أَكَّدْنَا لَهُمْ أَنَّ أجنيتا رَوْتَاڨَارَا كَانَتْ تَنْعَمُ بالسَّعَادَةِ.
قَالَ المُتَحَدِّثُ بِاسْمِ الأَرْضِيِّينَ بِحَزْمٍ: “مَا يَجِبُ عَلَيْنَا القِيَامُ بِهِ هُوَ إِيقَافُ دِمَاغِهَا عَنِ العَمَلِ.”
اِعْتَرَضْنَا قَائِلِينَ: “لكنَّنَا بِذلك نَقْطَعُ صِلَتَنَا بالعَالَمِ الآخرِ! إنَّهَا فُرْصَةٌ ثَمِينَةٌ لَا نَظِيرَ لَهَا تُمَكِّنُنَا مِنْ رُؤْيَةِ الحَيَاةِ الآخرةِ، وإنَّ دِمَاغَ أجنيتا رَوْتَاڨَارَا، هُوَ العَدَسَةُ الوَحِيدَةُ التي تُتِيحُ لَنَا أَنْ نُرَاقِبَ مِنْ كَثَبٍ مَا لَمْ نَكُنْ لِنَلْمَحَهُ مِنْ دُونِهَا. إنَّهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِقَوَانِينِ الجَاذِبِيَّةِ، تَرْجَحُ فِيهِ كِفَّةُ الكَفَاءَةِ العِلْمِيَّةِ وَتَخِفُّ فِيهِ كِفَّةُ القِيَمِ البَشَرِيَّةِ.”
كَانَ هذا هُوَ المَوْقِفَ الذي اتَّخَذْنَاهُ أَثْنَاءَ التَّحْقِيقِ، وكَانَ مَوْقِفُنَا نَزِيهًا وصَادِقًا ولَيْسَ نَفْعِيًّا يَتَحَيَّنُ الغَنَائِمَ أَوْ يَتَهَيَّبُ الخَسَائِرَ.
قَرَّرَ الأَرْضِيُّونَ أَنْ يُبْقُوا عَلَى دِماغِ رَوْتَاڨَارَا فِي كَامِلِ نَشَاطِهِ، مَعَ نَقْلِ مَا يَدُورُ بِهِ صَوْتًا وصُورَةً وهُوَ مَا يَتِمُّ تَسْجِيلُهُ بِلَا شَكٍّ، وفِي هَذِهِ الأثناءِ عُلِّقَتْ مَسْأَلَةُ تَوْجِيهِ اللَّوْمِ لَنَا.

لَقَدْ وَجَدْتُ نَفْسِي مَأْخُوذًا بالتَّصَوُّرِ الأَرْضِيّ عَنِ المُخَلِّصِ الذي كَانَ بالنِّسْبَةِ لَنَا مَفْهُومًا عَتِيقًا وغَرِيبًا لَيْسَ لَأنَهُ ذُو طَابِعٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ لَأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى تَقْيِيمٍ لأَرْوَاحِ المَوتَى يُشْبِهُ تَقْيِيمِ الطُّلَابِ فِي الفَصَلِ الدِّرَاسِيّ: كَأنَّهُ يَنْطَوِي عَلَى لَوْحَةٍ تُسَجَّلُ عَلَيْهَا قَائِمَةٌ بالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وأُخْرَى بالأَعَمَالِ الطَّالِحَةِ وتُعَدُّ تَقْرِيرًا إلَهِيًّا شَبِيهًا بِتلك التَّقَارِيرِ المُسْتَخْدَمةِ في المَدَارِس لِتَّقِيِيم أَدَاءِ الأَطْفَالِ.

كَانَ هَذَا فِي نَظَرِنَا تَصَوُّرًا بِدَائِيًّا، وبَيْنَمَا كُنْتُ أُنْصِتُ وأُشَاهِدُ –أَيْ بَيْنَمَا كُنْتُ وبَنِي جِنْسِي نُنْصِتُ ونُشَاهِدُ كَكَيَانٍ وَاحِدٍ مُتَعَدِّدِ الأَدْمِغَةِ- تَسَاءَلْتُ عَمَّا سَيَكُونُ عَلَيْهِ رَدُّ فِعْلِ أَجْنيتَا رَوْتَاڨَارَا إنْ تَجَلَّى لَهَا “مُخَلِّصًا” أوْ “هَادِيًا للرُّوحِ” مُطَابِقًا لتَّصَوُّرِنَا عَنْ المُخَلِّصِ.
كَانَ دِمَاغُهَا في نَهَايَةِ الأَمْرِ يَعْتَمِدُ فِي حَيَاتِهِ عَلَى مُعِدَّاتِنَا: عَلَى الجِهَازِ الأصْلِيِّ الفَرِيدِ الذي حَمَلَهُ رُّوبوتُ الإنْقَاذِ إلى مَوْقِعِ الحَادِثِ. كَانْ فَصْلُ الجِهَازِ أَمْرًا مَحْفُوفًا بمَخَاطِرَ وَخِيمَةٍ؛ نَظَرًا لِمَا كَانَ قَدْ لَحِقَ بِدِمَاغِهَا مِنْ أَعْطَابٍ فَادِحَةٍ؛ لذلكَ تَمَّ نَقْلُ الجِهَازِ بأَكْمَلِهِ -وَهُوَ يَضُمُّ دِمَاغَهَا فِي رَحِمِهِ- إِلَى فُلْكٍ فَضَائيٍّ مُحَايِدٍ يَقَعُ بَيْنَ النِظَامِ القنطوري والنِّظَامِ الشَّمسِيّ اُتُّخِذَ مَقَرًّا للتَّحْقِيقِ القَضَائيّ.

لَاحِقًا تَحَدَّثْتُ إِلَى رِفَاقيِ بِصُورَةٍ سِرِّيَّةٍ مُقْتَرِحًا عَلَيْهِمْ أَنْ نُحَاولَ غَرْسَ تَصَوُّرِنَا الخَاصِّ عَنْ “هَادِي الرُّوحَ إلى الحَيَاةِ الآخرةِ” فِي دِمَاغِ أَجْنيتَا رَوْتَاڨَارَا الذي لَا يَشُدُّه إِلَى الحَيَاةِ إلَّا حَبْلًا مِنَ الدَّعْمِ الصِّنَاعِيّ. كَانَتْ وِجْهَةُ نَظَري أَنَّ مَعْرِفَةَ رَدِّ فِعْلِهَا تَجْاهَهُ سَيَكونُ أَمْرًا شَائِقًا ومُثِيرًا. عَلَى الفَوْرِ أَشَارَ رِفَاقِي إلى التَّنَاقُضِ الكَامِنِ في مَنْطِقِي؛ فَقَدْ كَانَتْ الحُجَّةُ التي قَدَّمْتُهَا أَثْنَاءَ التَّحْقِيقِ هِي أَنَّ دِمَاغَ رَوْتَاڨَارَا نَافِذةٌ تُطِلُّ عَلَى العَالَمِ الآخرِ ومِنْ ثَمَّ فإنَّ مَا قُمْنَا بِهِ مُبَرَّرٌ مِمَّا يُثْبِتُ بَرَاءتَنَا مِنَ التُّهَمِ المُوَجَّهَةِ إِلَيْنَا، والآنَ أُصَرِّحُ بأنَّ مَا شَهِدَتْهُ رَوْتَاڨَارَا هُوَ مُجَرَّدُ إِسْقَاطٍ ذِهْنِيٍّ لِفَرْضِيَّاتٍ مُسْبَقةٍ كَامِنَةٍ فِي حَنَايَا دِمَاغِهَا. قُلْتُ: “إنَّ الرَّأْيَيْنِ كِلَاهُمَا صَوَابٌ: إنَّ دِمَاغَ رَوْتَاڨَارَا نَافِذةٌ عَلَى العَالَمِ الآخر ومِرْآةٌ تَنْعَكِسُ عَلَى صَفْحَتِهَا النَّزْعَاتُ الثَّقَافِيَّةِ والعِرْقِيَّةِ الخَاصَّةُ بِهَا.”

إنَّ مَا لَدَيْنَا هُوَ فِي جَوْهَرِهِ نَمُوذَجٌ يُمْكِنُنَا أَنْ نُدْخِلَ عَلَيْهِ مُتَغَيِّرَاتٍ مُنْتَقَاةً بِعِنَايَةٍ، يُمْكِنُنَا أَنْ نُقْحِمَ فِي دِمَاغِ رَوْتَاڨَارَا تَصَوُّرَنَا الخَاصَّ عَنْ “هَاديِ الرُّوحِ” وهَكَذا نَسْتَطِيعُ بِطَرِيقَةٍ عَمَلِيَّةٍ لَا رَيْبَ فِيهَا أَنْ نَسْبِرَ غَوْرَ البَوْنِ بَيْنَ تَصَوُّرِنَا وتَصَوُّرِ الأَرْضِيِّينَ السَّاذَجِ. كَانَتْ هذه فُرْصَةً فَرِيدَةً تُمَكِّنُنَا مِنْ أَنْ نَبْلُوَ عَقِيدَتَنَا الدِّينِيَّةِ بَلاءً مُبِينًا، وَقَدْ رَأَيْنَا أَنَّنَا قَدْ بَلَوْنَا عَقِيدَةَ الأَرْضِيِّينَ بِمَا يَكْفِي ليَتَّضِحَ لَنَا ما فِيهَا مِن نَقْصٍ وعُقْمٍ.

قَرَّرْنَا تَنْفِيذَ المُقْتَرَحِ الذي عَرَضْتُهُ عَلَيْهِمْ، بِمَا أنَّنَا القَائِمُونَ عَلَى الجِهَازِ الذي يُبْقِي عَلَى دِمَاغِ رَوْتَاڨَارَا حَيًّا. بالنِّسْبَةِ لَنَا، كَانَ هذا الأمْرُ أَشَدَّ اِسْتِحْوَاذًا عَلَى اِهْتِمَامِنَا مِنْ نَتِيجَةِ التَّحْقِيقِ؛ فَمَا “اللُّومُ” إلَّا مَسْأَلَةٌ ثَقَافِيَّةٌ لَا تَتَخَطَّى الحُدُودَ الفَاصِلَةَ بِينَ الأَنْوَاعِ الحَيَّةِ. أَعْتَقِدُ أَنَّ الأَرْضِيِّينَ قَدْ يَظُنُّونَ أَنَّ نَوَايَانَا خَبِيثَةٌ؛ لَكِنِّي أُنْكِرُ ذَلِكَ، ونُنْكِرُهُ جَمِيعًا ككيانٍ مُفْرَدٍ مُتَعَدِّدِ الأذْهَانِ. فَلْتُسَمُّوا مَا سَنَقومُ بِهِ لُعْبَةً؛ فإنَّ مُشَاهَدةَ رَوْتَاڨَارَا وهِيَ تُوَاجِهُ مُخَلِّصَنَا عِوَضًا عَنْ مُخَلِّصِهَا سَيُوَفِّرُ لَنَا لَذَّةً جَمَالِيَّةً خَالِصَةً.

رَفَعَ الشَّخْصُ ذِرَاعَيْهِ وخَاطَبَ تراڨِسَ وإلمزَ وأجنيتا قَائِلًا: “أنَا هُوَ القِيَامَةُ والحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إلى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنُونَ بِهَذَا؟”
أَجْابَهُ إلمزُ: “أُومِنُ بِهَذَا حَقَّ الإيمانِ.”
صَاحَ تراڨِس: “هذا لَغْوٌ مَحْضٌ.”
فَكَّرَتْ أجنيتا رَوْتَاڨَارَا فِي صَمْتٍ، قَائِلةً فِي نَفْسِهَا: “لَسْتُ مُتَأكِدَةً، لَا أَدْرِي حَقًّا.”
قَالَ إلمزُ: “عَلَيْنَا أَنْ نَحْسِمَ أَمْرَنَا ونُقَرِّرُ مَا إذا كُنَّا سَنَمْضِي بِرُفْقَتِهِ أَمْ سَنُحْجِمُ. يا تراڨِس، إنَّكَ لَمِنْ الأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، لَا أَمَلَ لَكَ فِي الذِّهَابِ مَعَهُ ولَا مَكانَ لَكَ فِي فِرْدَوْسِ حِضْنِهِ. اُمْكُثْ فِي مَكَانِكَ وتَعَفَّنْ، هذا هُوَ مَصِيرُكَ الذي لا مَنْجَى لَكَ مِنْهُ.” ثُمَّ اِلْتَفَتَ إلى رَوْتَاڨَارَا وقالَ: “يا أجنيتا، أَتَمَنَّى لَكِ أَنْ تَهْتَدِي إلى المَسِيحِ وأَنْ تَفُوزِي بالحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ كَمَا سَأَفُوزُ بِهَا. أَلَيْسَ هذا صَحِيحًا يا سَيِّدِي؟”
أَومَأَ الشَّخْصُ بِرَأْسِهِ مُوَافِقًا.

قَالَتْ أجنيتا: “يا تراڨِس، أَعْتَقِدُ –أَوْ بالأحْرى أَشْعُرُ- أنَّهُ يَجْدُرُ بِكَ أَنْ تُوَافِقَ عَلَى الذِّهَابِ-” لَمْ تَكُنْ رَاغِبةً فِي التَّأكِيدِ عَلَى أَنَّ تراڨِسَ قَدْ مَاتَ، لَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْهَمَ المَوْقِفَ تَمَامَ الفَهْمِ لِكَيْلَا يَكُونَ مَصِيرُهُ –كَمَا قالَ إلمز- الفَنَاءَ. حَدَّقَتْ إِلَيْهِ وقالَتْ: “هَلُّمَ، لِنَذْهَبْ مَعًا.”
صَاحَ تراڨِسَ بِنَبْرَةٍ تَتَّقِدُ سُخْطًا: “أَتَذْهَبِينَ مَعَهُ حَقًّا؟”
أَجَابَتْهُ بِحَزْمٍ: “أَجَلْ.”
قَالَ إلمزُ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ وهو يَتَفَرَّسُ في الشَّخْصِ: “رُبَّمَا أَكُونُ مُخْطِئًا، لكنْ يَبْدُو لِي أَنَّ تَحَوُّلًا قَدْ طَرَأَ عَلَيْهِ.”
حَدَّقَتْ أجنيتَا إلى الشَّخْصِ، لكنَّهَا لَمْ تَرَ أَيَّ تَحَوُّلٍ، ومَعَ ذلكَ كَانَ إلمزُ يَرْتَجِفُ رُعْبًا.
تَقَدَّمَ الشَّخْصُ بِخطواتٍ وَئِيدةٍ -وهُوَ يَرْفُلُ فِي رِدَائِهِ الأَبْيَضِ- نَحْوَ تراڨِس الجَالِسِ إلى وِحْدَةِ التَّحَكُّمِ وَتَوَقَّفَ بالقُرْبِ مِنْهُ. ظَلَّ وَاقِفًا لِبُرْهَةٍ مِنَ الوَقْتِ ثُمَّ اِنْحَنَى واِلْتَهَمَ وَجْهَ تراڨِس.

صَرَخَتْ أجنيتا، وظَلَّ إلمزُ يُحَدِّقُ بِعَيْنَينِ ذَاهِلَتَيْنِ بلا حِراكٍ، وكَانَ تراڨِسُ حَبِيسًا فِي كُرْسِيِهِ يَنْتَفِضُ كَالمَسْعُورِ ويَخْبِطُ بِيَدَيْهِ وذِرَاعَيْهِ خَبْطَ عَشْوَاءِ، أَمَّا الشَّخْصُ فَكَانْ يَلْتَهِمُهُ بِهُدُوءٍ وتَأَنٍّ بالِغَيْنِ.

قَالَ المُتَحَدِّثُ بِاسْمِ لَجْنَةِ التَّحْقِيقِ: “الآنَ تَرَوْنَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الأَمْرُ مِنْ أَذًى وَشَرٍّ. يَجِبُ عَلَيْكُمْ إيقَافُ هذا الدِّمَاغِ عَنِ العَمَلِ فَوْرًا؛ فَإنَّ حَالَةَ دِمَاغِهَا قَدْ تَرَدَّتْ تَرَدِّيًا رِهِيبًا. هذه التَّجْرِبَةُ تُجَشِّمُهَا مُرَّ العَذَابِ الوَخِيمِ وتُذِيقُهَا أَلَمًا كَمُهْلِ الجَحِيمِ، فَيَجِبُ عَلَيكُمْ إنْهَاؤهَا فَوْرًا.”
قُلْتُ: “لا، إنَّنَا –نَحْنُ بَنِي النِّظَامِ القنطوريّ- نَجِدُ هذا التَّحَوُّلَ فِي مَسَارِ الأحْدَاثِ مُثِيرًا للاهْتِمَامِ عَلَى نَحوٍ بالِغٍ.”
صَرَخَ أَحَدُ الأَرْضِيِّينَ قَائِلًا: “لَكِنَّ المُخَلِّصَ يَأْكُلُ تراڨِس.”
أَجَبْتُهُ: “أَلَيْسَ فِي دِينِكُمْ أَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ جَسَدَ إلهِكُمْ وَتَشْرَبُونَ دَمَهُ؟ إنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ هُنَا هُوَ صُورَةٌ مَعْكُوسَةٌ لطَقْسِ التَّنَاوُلِ المُقَدَّسِ [سِرِّ الإِفْخَارِستيَا] الذي تُوَاظِبُونَ عَلَيْهِ لِتَنَالُوا بالحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.”
صَاحَ المُتَحَدِّثُ بِاسْمِ لَجْنَةِ التَّحْقِيقِ: “لَقَدْ أَمَرْتُ بإيقَافِ دِمَاغِهَا عَنِ العَمَلِ فَوْرًا!” وكَانَ وَجْهُهُ يَعْتَرِيهِ شُحُوبٌ شَدِيدٌ وجَبِينُهُ يَتَفَصَّدُ عَرَقًا.

قُلْتُ: “عَلَيْنَا أَنْ نَرَى المَزِيدَ قَبْلَ أَنْ نُنْهِيَ التَّجْرِبَةَ.” لَقَدْ وَجَدْتُ أَنَّ هَذَا العَرْضَ لسِرِّ قُرْبَانِنَا المُقَدَّسِ يَغْمُرُنِي بفُيُوضٍ مِنَ الإثَارةِ والنَّشْوَةِ. إنَّهُ أَعْظَمُ طُقُوسِنَا الدِّينِيَّةِ قَاطِبَةً، حَيْثُ يَلْتَهِمُنَا مُخَلِّصُنَا: حَيْثُ يَأْكُلُ الإلهُ الذينَ يَعْبِدُونَهُ.”

هَمَسَ إلمزُ: “أجنيتا، أَرَأَيْتِ مَا حَدَث؟ لَقَدْ اِلْتَهَمَ المَسِيحُ تراڨِسَ. لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا قُفَّازَاهُ وحِذَاؤهُ.
كَانَتْ أجنيتا رَوْتَاڨَارَا مَصْعُوقَةً تَتَسَاءَلُ فِي صَمْتٍ عَمَّا يَحْدُثُ، وبِصُورَةٍ غَرِيزِيَّةٍ ابتعدتْ عَنِ الشَّخْصِ ولَصِقَتْ بإلمز.

قَالَ الشَّخْصُ وَهُوَ يَلْعَقُ شَفَتَيْهِ بِلِسَانِهِ: “إنَّهُ دَمِي، وأنَا أَشْرَبُ هذا الدَّمَ: دَمَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ. عِنَدَمَا أَشْرَبُهُ، أَحْيَا إلى الأبَدِ. إنَّهُ جَسَدِي، وأَنَا لَا جَسَدَ لِي؛ إنِّي مَحْضُ بلازما. عِنْدَمَا آكُلُ جَسَدَهُ، أَنَالُ الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. هذه هي الحَقِيقَةُ الجَدِيدةُ التي أُعْلِنُهَا: إنِّي خَالِدٌ.”

قالَ إلمزُ: “إنَّهُ سَيَأْكُلُنَا نَحنُ أَيْضًا.”
قَالَتْ أجنيتا رَوْتَاڨَارَا لِنَفْسِهَا وهي صَامِتَةٌ: “سَيَأْكُلُنَا بالتَّأْكِيدِ. الآنَ أُدْرِكُ أنَّ هذا الشَّخْصَ واحدٌ مِنْ جِنْسِ الأدْنياءِ، شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الحَياةِ فِي نِظَام نَجْمِ القنطور الأَدْنَى. إنَّهُ عَلَى حَقٍّ، فَلَيْسَ لَهُ جَسَدٌ، والطَّرِيقَةُ الوَحِيدةُ التي تُمَكِّنُهُ مِنْ الحُصُولِ عَلَى جَسَدٍ هي-“
صَاحَ إلمزُ: “سَوْفَ أَقْتُلُهُ.” ثُمَّ اِسْتَلَّ البندقيةَ الليزريَّةَ المُخَصَّصَةَ للحالاتِ الطَّارِئَةِ وَوَجَّهَهَا نَحْوَ الشَّخْصِ.
قالَ الشَّخْصُ: “أيُّهَا الآبُ، لَقَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ.”
قالَ إلمزُ: “اِبْتَعِدْ عَنِّي.”
قالَ الشَّخْصُ: “بَعْدَ قَلِيلٍ، لَنْ تُبْصُرُونَنِي أَبَدًا مَا لَمْ أَشْرَبْ دِمَاءَكُم وآكُلُ أَجْسَادَكُم، مَجِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِتَكُونَ لِي حَيَاةٌ.”

تَقَدَّمَ الشَّخْصُ مِنْ إلمز فأَطْلَقَ الليزرَ مِنْ بندقيَّتِهِ. تَرَنَّحَ الشَّخْصُ وهو ينزفُ. أَدْرَكَتْ أجنيتا أَنَّ الدَّمَ المَسْفُوحَ هُوَ دَمُ تراڨِس ولَيْسَ دَمَهُ، فَغَطَّتْ وَجْهَهَا بِيَدَيْهَا وهِيَ تَرْتَجِفُ ذُعْرًا قَائِلَةً لإلمز: “أَعْجِلْ وقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذا البَارِّ، قُلْهَا قَبْلَ فَوَاتِ الأوانِ.”
قالَ إلمزُ: ” إنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذا البَارِّ.”

سَقَطَ الشَّخْصُ يَنزفُ وَما بَقِيَ مِنْهُ إلَّا حُشَاشَةُ مُحْتَضَرٍ. لَمْ يَعُدِ ذاكَ الرَّجُلَ المُلْتَحِي، بَلْ صَارَ شَيْئًا آخرَ، شَيْئًا لَمْ تَسْتَطِعْ رَوْتَاڨَارَا تَحْدِيدَ طَبِيعَتِهِ. قالَ الشَّيءُ الغَامِضُ: “إيلي، إيلي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟ [إلَهِي، إِلَهِي لِمَاذا تَرَكْتَنِي؟]”
ظَلَّ ألمزُ وأجنيتا يُحَدِّقَانِ إلى الشَّخْصِ المُلْقَى، حتَّى مَاتَ.
صَرَخَ إلمزُ: “لَقَدْ قَتَلْتُهُ، لَقَدْ قَتَلْتُ المَسِيحَ.” ثُمَّ أَمْسَكَ البندقيَّةَ الليزريَّةَ، سَدَّدَهَا نَحْوَ نَفْسِهِ وسَبَّابَتُهُ تَتَلَمْسُ طَرِيقَهَا إلى الزِّنَادِ.
قالتْ لَهُ أَجْنيتا: “لَمْ يَكُنْ هذا المَسِيحَ. كانَ شَيْئًا آخرَ: نَقِيضًا للمَسِيحِ.” ثُمَّ اِنْتَزَعَتْ البندقيَّةَ مِنْ يَدِ إلمز الذي طَفَقَ يَنْشِجُ باكِيًا.

كَانَ الأَرْضِيُّونَ يُشَكِّلُونَ الأَغْلَبِيَّةَ فِي لَجْنَةِ التَّحْقِيقِ، وَقَدْ صَوَّتُوا لِصَالحِ القَرَارَ الذي يُطَالبُ بالإيقافِ الفَوْري لجَمِيعِ أَنْشِطَةِ دِمَاغِ رَوْتَاڨَارَا وفَصْلِهُ فَصْلًا تامًّا عَنْ الأجْهِزَةِ التي تُبْقِيهِ حَيًّا. كَانَ هذا مُخَيِّبًا لآمَالِنَا ولكنْ لَمْ يَكُنْ بِوُسْعِنَا أَنْ نَفْعَلَ شيئًا لحَيْلُولَةِ دونَ تَنْفِيذِ القَرَارِ. لَقَدْ شَهِدْنَا باكُورَةَ تَجْرِبَةٍ عِلْمِيَّةٍ ذاتِ سِحْرٍ خَارِقٍ حَيْث يُطَعَّمُ دِينُ عِرْقٍ بِدِينِ عِرْقٍ آخرَ؛ إنَّ إِيقافَ دِمَاغِ الفَتَاةِ الأرْضِيَّةِ عَنِ العَمَلِ هُوَ فَاجِعَةٌ عِلْمِيَّةٌ بَلَا أَدْنَى شَكٍّ.
إنَّ الأَرْضِيِّينَ -عَلَى سَبِيل المِثَالِ- يَتَبَنُّونَ وِجْهَةَ نَظَرٍ مُنَاقِضَةً تَمَامًا لوِجْهَةِ نَظَرِنَا فِيمَا يَخُصُّ العِلَاقةَ مَعَ الإلهِ، وهذا قَطْعًا يُعْزَى إلى كَوْنِهِمْ عِرْقًا جَسَدِيًّا وكَوْنِنَا عِرْقًا بلازمِيًّا. إنَّهُمْ يَشْرَبُونَ دَمَ إلهِهِمْ ويَأكُلُونَ جَسَدَهُ؛ ليَنَالُوا الخُلُودَ، إنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ غَضَاضَةَ فِي هذا، لأنَّهُ مِنْ مَنْظُورِهِمْ شَيءٌ طَبِيعِيٌّ للغَايَةِ، أَمَّا مِنْ مَنْظُورِنَا فَإنَّهُ شَيءٌ بَشِعٌ ومُخْزٍ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَنَا أَنْ يَأكُلَ المُؤْمِنُ إلِهَهُ ويَشْرَبَهُ، فَقَدْ جَاءَ شَيْئًا إدًّا وجُرْمًا عَظِيمًا! إنَّهُ مِن مَنْظُورِنَا أَمْرٌ شَائِنٌ وبَغِيضٌ، بلْ رِجْسٌ وكُفْرٌ. يَنْبَغي للأعْلَى دَائِمًا أَنْ يَفْتَرِسَ الأَدْنَى، يَنْبَغِي للإلهِ أَنْ يَفْتَرِسَ مَنْ يَعْبُدُهُ.

لَقَدْ شَهِدْنَا إغْلاقَ قَضِيَّةِ رَوْتَاڨَارَا. أُغْلِقَتْ بإيقَافِ دِمَاغِهَا عَنِ العَمَلِ تَمَامًا: فَلَمْ يَعُدْ التَّخْطِيطُ الكَهْربَائِيُّ يُظْهِرُ أيَّ نَشَاطٍ دِمَاغِيٍّ ولَمْ تَعُدْ وِحْدَاتُ المُرَاقِبَةِ تُظْهِرُ أيَّ مُؤَشِّرَاتٍ تَدُلُّ عَلَى الحَيَاةِ. لَقَدْ شَعَرْنَا بَخَيْبَةِ أَمَلٍ مُطْبِقَةٍ لَا فِكَاكَ مِنْهَا، إذْ لَمْ يَقْتَصِرْ الأمرُ عَلَى ذلك، بَلْ تَمَكَّنَ الأَرْضِيُّونَ عَبْرَ التَّصْوِيتِ مِنْ إِصْدَارِ قَرَارٍ بتوجيهِ اللومِ لَنَا، تَنْدِيدًا بِمَا قُمْنَا بِهِ مِنْ إجراءاتٍ أَثْنَاءَ عَمَلِيَّةِ الإنقاذِ.

مَا أَعْجَبَ الهُوَّةَ العَمِيقةَ التي تَفْصِلُ بَيْنَ الأَجْنَاسِ التي تَطَوَّرَتْ فِي أَنْظِمَةٍ نَجْمِيَّةٍ مُتَبَايِنَةٍ! لَقَدْ حَاوَلْنَا جَاهِدِينَ أَنْ نَفْهَمَ الأَرْضِيِّينَ لِكَنَّنَا أَخْفَقْنَا فِي هذا إخْفَاقًا ذَرِيعًا، وإنَّا نَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّهُمْ أيضًا لَا يَفْهَمُونَنَا وأَنَّهُمْ أَيْضًا يَفْزَعُونَ مِنْ بَعْضِ شَعَائِرِنَا؛ فَقَدْ ظَهَرَ هذا جَلِيًّا فِي قَضِيَّةِ رَوْتَاڨَارَا، لَكِنْ أَلَمْ نَكُنْ نَخْدِمُ أَغْرَاضَ دِرَاسَةٍ عِلْمِيَّةٍ مُنَزَّهَةٍ عَنْ الهَوَى؟ أنا شَخِصِيًّا أُصِبْتُ بالدَّهْشَةِ مِنْ رَدِّ فِعْلِ رَوْتَاڨَارَا حينما رَأَتْ المُخَلِّصَ يَأْكُلُ تراڨِس. لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرَى هذا الطَقْسَ الدِينِيَّ المُقَدَّسَ -الذي لا يُضَاهِيهِ طَقْسٌ آخرُ فِي العَظَمَةِ والسُّمُوِّ- وَهُوَ يَكْتَمِلُ مَعَ الآخرِينَ، بِمَا فِيهِمْ رَوْتَاڨَارَا وإلمز.

لَكِنَّنَا حُرِمْنَا مِنْ رُؤْيَةَ جَلَالِ كَمَالِ الطَّقْسِ الأعْظَمِ؛ لذلك فإنَّ التَّجْرِبَةَ مِنْ مَنْظُورِنَا قَدْ فَشِلَتْ. وهَا نَحْنُ ذا أُولَاءِ نَعِيشُ الآنَ تَحْتَ طَائِلَةِ الحَظْرِ تَطْبِيقًا لِقَرَارٍ جَائِرٍ بتَوْجِيهِ اللَّوْمِ الأخْلَاقِيِّ لَنَا.

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات