طاقة الأنوثة أم طاقة الطاعة؟ .. بقلم: مروة هجرس
بقلم: مروة هجرس

في السنوات الأخيرة، لم تعد الأسواق تبيعنا فقط الشامبو الخالي من السلفات أو الزيوت الطبيعية، بل أضافت إلى الرفوف منتجًا جديدًا: “طاقة الأنوثة”. يُسوَّق لكِ كأنه كريم ليلي معجزة: ضعي منه جرعة قبل النوم، ونامي على وسادة من الرضا، وسيأتيكِ الرجل في الصباح محمَّلًا بالحب والورود… بشرط أن تتذكري الوصفة السحرية: لا تقودي، لا تبادري، ولا تفكري كثيرًا. باختصار: “كوني جهاز استقبال هوائي على هيئة امرأة.”
تفتحين كتب “التنمية” فتجدين قائمة مواصفات الأنثى المثالية: رقيقة كمناديل ورق، لطيفة كإعلان شوكولاتة، صبورة كخدمة العملاء، ومستعدة دائمًا للابتسام حتى لو كانت تحترق من الداخل. في المقابل: الرجل قوي، قائد، عقلاني… نسخة بشرية من الثلاجة المزودة بفريزر No Frost.
وحين تعترضين على هذه الثنائية، يُقال لك: “هذه ليست أعرافًا اجتماعية، هذه قوانين الكون!” وكأن المجرات اجتمعت في مؤتمر صحفي لتعلن: “الذكر يقود، والأنثى تبتسم.”
المفارقة أن هذا الخطاب لا يختلف عن النظام الأبوي القديم، لكنه الآن يُقدَّم في عبوة جديدة: علبة لامعة مكتوب عليها “تنمية ذاتية”، وبداخلها حبوب طاعة بطعم الفانيليا.
ولأن المسرح لا يكتمل بلا ضحية، وُضِعت المرأة دومًا في مقعد الاتهام: إن طلّقها زوجها قيل إنها أضاعَت أنوثتها، وإن خانها اعتُبرت مذنبة لأنها أنهكَته بطاقة الذكورة. بل حتى لو انهار كوكب الأرض وسقطت النيازك فوق الرؤوس، لقالوا ببساطة: لم تكن المرأة مفتوحة الهوائي بما يكفي لاستقبال إشارات الكون.
المفارقة أن الخضوع بات يُسوَّق كقانون كوني منزّل، لا كقيد اجتماعي مصنّع. يشبه تمامًا تلك الاشتراكات الخفية؛ تظنين أنك وقّعتِ على خدمة مجانية، ثم تكتشفين لاحقًا أن الخضوع كان البند المطبوع بحروف متناهية الصغر في أسفل العقد.
أما التحرر الحقيقي، فليس في تشغيل زرّ “الذكورة” أو إطفاء لمبة “الأنوثة”، بل في قطع التيار عن لوحة التحكم التي صنعها النظام الأبوي، فاللين، والقوة، والمبادرة، والهدوء… كلها صفات بشرية، لا علامات تجارية محجوزة باسم نوع بيولوجي معين.
فإذا قالت امرأة: “أنا أحب أن أكون ناعمة وهادئة.” لن يعترض أحد. لكن السؤال: هل هذا خيارك الحر؟ أم أنكِ مثل برنامج قديم أُعيد تشغيله مرارًا حتى صدّقتِ أن هذه هي هويتك؟
الحقيقة أن المرأة تستطيع أن تجمع بين الحزم والحنان، بين القيادة والهدوء، بين النجاح والنعومة. لكن المجتمع يُصرّ أن يبيعها بطاقة أنثوية جاهزة، مقاس واحد، مع ضمان استرجاع في حال لم تُعجب الرجل. الأنوثة ليست عطرًا موحدًا تفرضه دار الأزياء الاجتماعية، ولا عقد اشتراك إلزامي مع الكون. الأنوثة ـ كما الرجولة ـ هي مساحة اختيار. وفي كل مرة تتصرفين، اسألي نفسك: هل هذا يعبر عني، أم عن خوف من الرفض؟
فربما الطاقة الوحيدة التي تستحق أن نُعيد شحنها ليست الأنوثة ولا الذكورة… بل بطارية الحرية.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اترك رد