عن حلم “عبد الباري” المؤجل… بقلم: مؤمن عبد الباري

بقلم: مؤمن عبد الباري

مؤمن-عبد-الباري عن حلم "عبد الباري" المؤجل... بقلم: مؤمن عبد الباري

لا أفهم. ثمة انقباض في القلب، وحش هلامي بذر بذوره بداخلي، ها هو يتعاظم يوما بعد يوم. روحي مفتتة، الحياة صاخبة مزدحمة وأنا مشوش عاجز. منذ فقدتك يا بابا، (سنة مرت!؟) وأنا متورط في متاهة بلا مخرج أو نهاية. لا أقوى على الاستسلام، الهروب أو حتى الصراع. ما المطلوب؟ في داخلي سلطة تقمعني، تطحني، لا أعرفها فكيف أقاومها؟

تنقلب الحياة في لحظة، لم أجد أي عزاء، حاولت مرارا أن أتخطى، أفهم معنى من اللامعنى. قرأت كثيرا عن الفقد، مراحله، كيفية مواجهته. أُبحر في محيط متلاطم، أريد الوصول لشاطئ القبول، عاجز عن السباحة، لا أعرف الطريق والموجات تصدني. ولأنها معادلة بسيطة -بديهية- وإن جاء استيعابها متأخرا: أن الموت هو المركز واليقين، والحياة الهامش والنسبي. بابا مات، والغياب دائم، لم الشمل مستحيل. فما الحل؟ حتى لو تجسد الموت (كرجل مثلا)، فكيف السبيل لصرعه أو حتى محاربته؟

ماذا لو كانت الكتابة سلاحي ضد الغياب، طريق من طرق مقاومة الموت؟ سأكتب لك، عنك. عسى أن يكون للسحر وجود فيحملها لك -مثلا- على غلالة من نور. فهل بالكتابة نستعيد المفقود؟ جوهرنا المفقود.

حبيبي بابا، 
أعلم أنك سعيد في جنات النعيم، فهل يعكر صفوك الغياب؟ لكن، أنا مش كويس يا بابا، (مش تمام). وحشتني. وإن لم تسعفني الكلمات. فإن جوهر رسالتي أني أحبك يا بابا. 

ليست لدي فكرة متماسكة الآن. أجرب الحياة دونك لأول مرة. لم أتوقعها. بعد عام من غيابك، ما زلت مشوش. لم أكن مستعدا للفقد، ولم أفكر قبل ذلك عن معنى الغياب. الآن أحاول ترتيب معنى للحياة. كل ما أريده صرخة ضد الفناء، رسالة تحمل إليك، تخبرك أنك نفحة مقدسة، تتجسد فيك كل معاني الأبوة والإنسانية، مقام من مقامات الحب. كنت عالم وحدك. ما زلت أراك في كل مكان. طيفك هنا وهناك وفي كل مكان. في البيت، في مكان جلوسك الدائم رأيتك أكثر من مرة، بعد ثواني أدركت أنك ذهبت، فانفجر الدمع من عيني. نعم، قد تأخذني الحياة، أتذكر غيابك فيتملكني ألم لا يمكن وصفه مع إحساس متواصل بالخوف. فكيف لمشاعر الثكل أن توصف؟

الثكل، الغياب والفقد. كيف أعرف ما لا يعرف يا بابا؟ تتلاشى قدرتي على التعبير. الفراق قارة مجهولة مهما وصفتها، لن تكتشف قبل أن تطأها قدم كل فرد. الثكل ذاتي ولكنه مدرسة كاملة، شمولية وقاسية. تعلمني مشاعر لم أدركها من قبل، أفكار لا تخطر في البال. وحتى اللغة محدودة لها سقف فكيف التعبير عن هذا الكم من الألم وخيبة الأمل؟ أمواج فوق أمواج من الهزيمة، الحزن، الغضب، الإحباط، القسوة، اللامعنى، الإحساس بالذنب، اللوم، الوحدة، العجز، الاشتياق، الصدمة، التكذيب أو الإنكار. درجات ألم فوق ألم، اغتراب فوق الاغتراب. دموع تنهك الأعصاب والعضلات. خيبة أمل، آمال مبتورة. بابا، تراودني فكرة ماذا لو كنت أحلم؟ كما انقلبت الحياة فجأة، أصحو من الحلم فأجدك كما كنت. وهل أصبح الحلم هو المهرب الوحيد للقائك؟ لا، الحلم لا يكفي.

منذ عام، منذ غيابك، وعبارة كنت تستحق الحياة تتكرر، تلح علي باستمرار، أريد أن أحارب الغياب، أتحداه، أقف له الند للند. ستكون الكلمات رصاص ضد الموت. إذا كان الموت هو الغياب، فالكلمات حضور. لو كان الموت فناء، فالكتابة مقاومة قبل أن تكون خلود. الكتابة حياة، الكتابة فعل وجود. بالكتابة عنك، أو بالكتابة إليك أقبض على الزمن أحوله لكلمات، أعيد الشريط، أجمع الذكريات، سأكتب عنك رواية تستعيدك، مشروع طموح (مؤجل) لكنها الطريق لتحقيق الخلود، خلودك.

تعلم يا بابا أنني حلمت دوما بأن أكون روائيا، غرقت في الحاضر وفي مشاريع لا تنتهي. (بالمناسبة يا بابا، لا تلوح في الأفق أي نهايات لأي رواية، دعواتك). في أحلامي الروائية، وضعت مشروع مؤجل. رواية عنك وعن حياتك. مشروع طموح يربط الخاص بالعام. حياتك التي بدأت من طفل في قرية مهمشة من صعيد مصر، إلى أن أصبحت نائب رئيس محكمة النقض. كانت المسودة تتبع تاريخ مصر الاجتماعي من خلال تاريخ فرد. رواية بانورامية عن التاريخ المصري متمثلا خطى نجيب محفوظ (مثلا في التأريخ الاجتماعي) كانت الطموحات عالية من تأريخ لسيرة القضاء المصري، تطور الاقتصاد وأثره على المجتمع، الفرص في الترقي الاجتماعي، أهمية التعليم، ومحطات السياسية. لكنني لم أتخيل أن الدائرة ستدور، والزمن بطبعه غادر، والموت لا يبالي. فلما أجلت حلم رواية عبد الباري؟ 

بابا، يعصرني الألم. كان أملي أن تمسك كلماتي مطبوعة (كتابي وكتابك)، أن تفخر بي. كنت آمل أن أحقق شيء. في مخيلتي الساذجة: ظننت أن الوقت متاح (الآن تخنقني الكتابة بصيغة الماضي). تخيلت أننا سنجلس ساعات تخبرني بالتفصيل عن حياتك وأنت طفل، مشاعرك، كنت أتمنى تسجيل عشرات الساعات بصوتك ليكون العون لي في إنتاج ما أردت. رواية اجتماعية تمتزج فيها أحلام الفرد الذاتية بالمجال العام، ما حققت وما تمنيت أن تحقق. بابا أنت تعلم أن الرواية نوع من الاعتراف، الإمساك بالهوية، كيف تشكلت ذاتيا وموضوعيا. أعلم عنك الكثير، لكنني كنت أطمع للغوص في أعماق أفكارك. استعادتك جزءا جزء من الداخل. سأعيد خلقك من جديد، سأخلد عالمك. لا. لا الطموح أكبر. ستكون قصتك قصة العالم كله. حياتك رمز لتاريخ الجمال. وصراعك يجسد التوتر في العالم بين الخير والشرور. بابا يقولون أن الكتابة تحرر، أنا خائف، فالكتابة قد تحررني من سجن الخوف. لا أريد للرواية أن تحررني منك. أريدها سجل حي. سجل لا يموت، سأكتب لأعرفك حقا، سأجعل القارئ يتوحد معك. سأخلق سحر لا يقاوم. لتكون دوما هنا، سنخلق معا رابطة جديدة مع الخلود.

بابا سأضيف فصولا لم تكن في الحسبان عن الموت والفقد والغياب. عن المحاولات الفاشلة للعودة والإمساك بالحياة. عن قسوة العالم الذي لا يعبأ بأحد فما زال الزمن يجري وتجمد عندي، والبحار كما هي وأنا أنضب، ولون السماء أزرق لا أحمر أو أسود. تغيرت رؤيتي للأشياء، واستولى الجنون على العالم. يمارس الموت علينا سلطة مطلقة. معاناة مستمرة. أهو أرسطو من قال أن المعاناة صورة ذهنية مخبأة وتظهر على السطح لأننا لا نستطيع توقعه بشكل مناسب في الخيال. لم أتوقع الخسارة المخفية في زمن يدور بقسوة. فالمعاناة ضرورة وتحتاج القوي النابه للتخلص منها. وأنا يا بابا ضعيف متعب. فلم ذهبت؟

بابا، كنت محظوظ طوال عمري لأنك هنا، سأكتبني معك. أنا امتداد لك. أنا شبهك، أفعل مثلك. كلي كلك. طريقي طريقك. أشعر بالغضب لم تكن تستحق الموت. أشعر بالذنب، بالتأكيد كان بوسعي أن أكون ابنا أفضل. لن أخذلك. روايتنا محاولة لتفكيك الهزيمة، لفهمها. أكتب يا مؤمن قبل أن تموت. قبل أن يلعب الزمن ويغدر. 

بابا، لم أنتهي منك بعد، ولن أنتهي منك. كان العالم قابلا للعيش لأنك فيه. لذا أتصور الرواية (روايتنا) كطعنة للموت والزمن والمرض، لكل ما ساهم في غيابك. بسيطة الحبكة هي عن رجل مثالي، حالم في زمن عفن، حاول وحاول ألا يتسخ مما حوله. حاول خلق معنى في عالم خالي من المعني. يقين في عالم متزعزع. كيف لم تخضع للدنيا. وبالنسبة لنا، أولادك، كنت حائط الأمان. كنت الجسر، الوسط أو الرمز بين عالم الحياة القاسي وعالم الجمال الخالص. كان العالم قابلا للعيش لأنك هنا. من القائل: ما قيمة الشعب الذي ليس له لسان؟ لا أعرف ولا أهتم. الآن ما قيمة الكلمات، الأدب أو حتى اللغة التي لا تخلد سيرتك؟ لو كان لي نصيب من أدب سأرويك. سأروي للعالم كله. وإن لم يكن سأتعلم لأوريك. فالكلمات نجاة. سأكتب لأني لا أستطيع الصمت. حينما تلوح سيرتك، صورتك، ذكرياتنا معا، تدمع عيني. وأتعهد أن أحول الدموع لكلمات. القسوة كل القسوة أنك لن تقرأ روايتنا. جدار الغياب محكم، فاصل أبدي. لكنني سأكتب عن عبد الباري، هذا وعد.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات