عَدُوٌّ حَمِيمٌ مُدَجَّجٌ بالذِّكْرَيَاتِ.. ترجمة أنطونيوس نبيل.. الجزء الثاني
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

العنوان الأصليّ: في السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الحَرْب
بِتأليف: هارلان إليسون
أجابني باستخفافٍ قائلُا:
“اسمي چيري أولاندر.”
وأضافَ بصوتٍ يُحَاكِي بغرابةٍ وبراعةٍ نبرةَ صوتِ المُمَثِّلِ همفري بوجارت:
“يَجِبُ دائمًا على أحدٍ ما أنْ يَتَحَلَّى بالشَّجَاعةِ ويَتَكَّبَدَ العقوبةِ ككَبشِ فداءٍ، يا عزيزي.”
ثُمَّ أَرْغَمَنِي على الذهابِ إلى الفَرْعِ الرَّئِيسِ للمكتبةِ العامَّةِ كي أَتَفَحَّصَ جميعَ دفاترِ الهواتفِ. لَمْ يَكُنْ بمقدورِهِ أنْ يسيطرَ على أحبالي الصَّوْتيَّةِ أو أنْ يُجْبِرَ عقلي على الاتِّصَالِ على رقمِ 312-555-1212 الخاصِّ بموظفِ الاستعلاماتِ في شيكاجو؛ ليَتَيَقَّنَ مِنْ أنَّ السيدة كورلي لَمْ تَزَلْ تقطنُ في مدينةِ إيڨاستُن. لكنْ، كانَ بمقدورِهِ أنْ يجعلَ ساقيَّ يَحْمِلَانِ جَسَدِي إلى السَّيارةِ، وأنْ يجعلَ يدَيَّ في الساعةِ 11:50 والسَّاعةِ 12:05 تَحُطَّانِ أَصَابِعَهما على مِقْوَدِ السَّيَّارةِ وتَقْبِضَانِ عليهِ، وأنْ يجعلَ عَيْنيَّ تَتَصَفَّحَانِ الأعمدةَ الطافحةَ بالأسماءِ وأرقامِ الهواتفِ التي يَغُصُّ بها دليلُ هواتفِ إيڨاستُن الجَاثِمُ على أَرْفُفِ المكتبةِ. كانتْ تَقْطُنُ في المنزلِ ذاتِهِ، والعنوانِ ذاتِهِ، والعالمِ ذاتِهِ الذي جَمَعَنِي بها في طفولتي.
أَرْغَمَ چيري أولاندر جَسَدِي على أنْ يَقُودَ السَّيَّارةَ إلى مؤسسةِ الادِّخَار والإقراضِ حيثُ كانَ لديَّ رصيدٌ ضئيلٌ، وأَكْرَهَ يَدِي اليُمْنَى على أنْ تضع توقيعي على إيصالِ السَّحْبِ، وغَصَبَ فَمِي على الابتسامِ عندما سَلَّمَنِي الصَّيْرَفِيُّ خَمْسَمائةِ دولارٍ كانتْ آخرَ ما تَبَقَّى مِنْ رَصِيدي، ثُمَّ أَجْبَرَنِي على أنْ أُغَطِّي زجاجَ نافذةِ القَبْوِ بأشرطةٍ لاصقةٍ، قبلَ أنْ يَجْعَلَنِي أُحَطِّمُهُ بصَخْرَةٍ؛ ليَحُولَ دونَ تَنَاثُرِ شظايا الزُّجاجِ ويُبْكِمُ صَوْتَ تَهَشُّمِهِ. كنتُ أُقَاوِمُهُ في كُلِّ خطوةٍ أشدَّ مقاومةٍ، وعلى الرُّغْمِ مِن ذلك فإنَّهُ جَعَلَنِي أَجْتَازُ القَبْوَ بخطواتٍ خَرسَاءَ إلى الدَّرَجِ، وأَصْعَدُ الدَّرَجَ إلى المطبخِ حيثُ وَجَدْتُ السيدةَ كورلي تُعِدُّ لنفسِها عشاءً نباتيًّا، ثُمَّ أَرْغَمَنِي على تَقْيِيدِ ذِرَاعَيْهَا وتَكْمِيمِ فَمِهَا.
لكنْ، عندما أَحْجَمْتُ عَنْ المُضِيّ قُدُمًا في تنفيذِ أوامرِهِ صَاغِرًا، بَدَأَ چيري أولاندر يَصْدَحُ بصَوتٍ يَبْعَثُ الأمواتَ الأحياءَ مِن مَقْبَرةِ الذَّاكرةِ كأنَّهُ لَحْنٌ سِحْريٌّ يَجْتَرِحُ المعجزاتِ، فَبُعِثَتْ جيفةٌ مُتَفَسِّخَةٌ أخرى وَزَحَفَتْ ببطءٍ لِتَشُقَّ طريقَهَا صعودًا مِنْ الدَرْكِ الأسفلِ لقَبرِ النِّسْيَانِ إلى الأُفُقِ الأعلى لأرضِ عَقْلِي، فَرَأَيْتُ نفسي طِفْلًا عائِدًا إلى بَيْتِهِ بَعْدَ أنْ أَمْضَى شهرًا رَهِيبًا في مُخَيَّمٍ صَيْفِيٍّ غُفْلٍ لا اسمَ لَهُ. لكنْ، ها هو ذا الاسمُ الذي ظَلَّ مدفونًا ثلاثين عامًا، يَلوحُ مُفْعَمًا بالحياةِ إلى سطحِ الذَّاكرةِ كأنَّني عُدْتُ إلى البيتِ أَمْسِ: مُخَيَّمُ بِلْفير على بحيرةِ بِل. كان ذاك المُخَيَّمُ بَغِيضًا إلى نفسي، وفي كُلِّ يومِ أَحَدٍ عندما كانَ أبي وأمِّي يَجِيئَانِ لرؤيتي كأنَّهمَا يَزُورَانِ شخصًا محكومًا عليه بالإعدامِ، كنت أتَضَرَّعُ إليهما قائلًا:
“أَتَوَسَّلُ إليكما أنْ تَأخُذَاني إلى البيت، أبي، أمي، أرجوكما، إنِّي أَكْرَهُ هذا المكان.”
لكنَّهما لَمْ يَفْهَمَا قَطُّ أنَّ بعضَ الأطفالِ يَرَوْنَ في الأنشطةِ المُنَظَّمةِ -التي لا يُحْرِزُونَ فيها نجاحًا أو تَمَيُّزًا- ضَرْبًا خاصًّا مِن الإهانةِ والإذلالِ.
عُدْتُ إلى البيتِ بعد انتهاء شهرٍ مِن عذابِ المُخَيَّمِ، لأري كلبي تشارلي، لأتسكعَ بحُرِّيَّةٍ في غُرْفَتِي مع قصصي المُصَوَّرةِ، وجهازِ الرَّاديو الذي لا يُشَاطِرُنِي فيه أحدٌ ألبتة، عُدْتُ لأتنسَّمَ رائحةِ غراءِ تيسْتور وأنا عاكفٌ على لَصْقِ أجزاءِ طَّائراتٍ مائيَّةٍ مِن طِرَازِ شتوكا ولايتنينج وجرومان، أُشَكِّلُهَا جميعًا مُسْتَخْدِمًا قِطَعَ لعبةِ إيركتور التي تَصْلُحُ لتركيبِ وبناءِ شتَّى الأشياءِ.
عُدْتُ وكان تشارلي قد مات. ثُمَّ سَمِعْتُ نفسي أقولُ بإرادتي دونَ إكْرَاهٍ مِن چيري أولاندر:
“هل تذكُرينَ ذلك الصَّيفَ يا سيدة كرولي؟ هل تذكرينَ ما أَخْبَرْتِ بِهِ الرَّجُلَ في مَأوَى الحيوانات مِن أنَّكِ وَجَدْتِ الكلبَ ضالًا لا زِمَامَ لَهُ منذُ أسبوعٍ؟ هل تذكرينَ أنَّك عَثَرْتِ على قلادةِ التَّعْرِيفِ الخاصَّةِ بتشارلي على شُجَيْرَةٍ في الفناءِ الخلفيّ لمنزلِك ولمْ تُسَلِّميها لأحدٍ؟ إنِّي أَذْكُرُ جيِّدًا يا سيدة كرولي، لأنَّكِ أخبرتِ السَّيدةَ أبرامز القاطنةَ بالمنزلِ المُجَاوِرِ والسَّيدةُ أبرامز أخبرتْ أمِّي وأنا قد تناهَتْ إلى مسامعي تلك الأخبارِ المشئومةِ عندما كانتْ أمِّي تُخبرُ بِهَا أبي. لقد كنتِ تعرفينَ تشارلي وتعرفينَ مَنْ هم أصحابُهُ. لقد عاش هنا عَشَرَةَ أعوامٍ، فلا بُدَّ أنَّكِ كنتِ تعرفينَ تمامَ المعرفةِ.”
ثُمَّ أَخْضَعْتُ السيدةَ كرولي لِتَجْثُوَ على رُكْبَتَيْهَا، وَأَدَرْتُ مفاتيحِ الفوهاتِ الأربع للمَوْقَدِ الغازيّ، وفَتَحْتُ بابَ الفُرْنِ وبينما كانت تقاوِمُنِي أَدْخَلْتُ رأسَها في جَوْفِهِ، وضربتُها بِعُنْفٍ ضَرْبةً واحدةً خَلْفَ أُذُنِهَا اليُسرى، وجَعَلْتُ مِن البابِ المفتوحِ للفُرْنِ وِسَادَةً لِرَأسِهَا، وتركتُهَا راكعةً هناك في صلاةٍ، صلاةٍ أَبَدِيَّةٍ… ثُمَّ غَادَرْتُ.
قالَ لي چيري أولاندر وأنا على مَتْنِ الطائرةِ عائِدًا إلى كاليفورنيا:
“إنَّ أَكْثَرَ ما أعْجَبَنِي مِن حَدِيثِكَ هو الجُزْءُ المُتَعَلِّقُ بقلادةِ التَّعْرِيفِ الخاصَّةِ بالكلبِ.”
في السَّنَةِ الرَّابعةِ مِنَ الحَرْبِ، أَمَرَنِي المُقِيمُ بدماغي ذو العبقريَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ بقتلِ سبعةِ أشخاصٍ، وقَدْ قَتَلْتُهم جميعًا بِمَنْ فيهم الخال كارل والسَّيدة كرولي. كُلَّمَا فَكَّرتُ في أحدٍ مِن هؤلاء القَتْلَى، تَقَزَّزْتُ مِن نفسي. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ ما إذا كانَ چيري أولاندر ثَمَرةً فاسِدَةٍ أَنْتَجَهَا عقلي على هيئةِ طَيْفٍ مَعْطُوبٍ وشائهٍ ومُخْتَلٍّ وحَقُودٍ لشخصيَّةٍ اِنْفَصَمَتْ تَحْتَ مَطَارِقِ البَأسَاءِ والضَّرَّاءِ، أَمْ رُوحًا بلا جسدٍ قد تكونُ إسقاطًا نجميًّا أو جِنًّا خَبِيثًا يحتالُ على البشرِ ليَجْعَلَ مِن أجسادِهم مَطايا لَهُ أو كائنًا فضائيًّا جَاءَ ليَعِيثَ في الجِنْسِ البَشَرِيِّ قَتْلًا، مُتَّخِذًا مِنِّي أداةً بلا مَشِيئَةٍ وسلاحًا بلا إرادةٍ في مُهِمَّتِهِ الدَّمَوِيَّةِ أو نَفْسًا نَجِسَةً سَلَخَها الموتُ مِن الجَسَدِ فظَلَّتْ تهيمُ في الأرضِ باحثةً عَنْ جَسَدٍ آخرَ تَسْتَحْوِذُ عليه ليكونَ وَجْرًا لَهَا وحِصْنًا.
لقد شاهدتُ مِنَ العروضِ السينمائيَّةِ وقرأتُ مِنَ القصصِ البُوليسيَّة وتابعتُ من البرامج التلفازيَّة ما يكفي لأعرف أنَّ الإجابةَ الأكثرَ انسجامًا مع المَنْطِقِ هي أنَّ الطَّبِيعَةَ الشريرةَ للإنسانِ بمقدورِهَا أنْ تَسْتَأثِرَ بأفكارِهِ وتَتَسَلَّطَ على أفعالِهِ وتَجْتَثُّ مِن صَحَرَاء قَلْبِهِ آخرَ زهرةٍ للرَّحْمَةِ.
لا يُوجَدُ مَا يُوجِبُ أنْ يكونَ كلامي جديرًا بالتصديقِ، لكنني أُقسمُ أَنَّ چيري أولاندر لَمْ ينبثقْ مِن داخلي، بَلْ كان شيئًا منبوذًا جاءَ مِن الخارجِ واتَّخَذَنِي مَسْكَنًا لَهُ: بدونَ موافقةٍ منِّي اِحْتَلَّنِي. كانتْ حَرْبًا شعواءَ بيننا، وكان النَّصْرُ حَلِيفَهُ في مَعْرَكَةٍ تِلْوَ الأخرى، وكنتُ أعلمُ أنَّهُ إنْ تَمَّ تَعَقُّبُ سلسلةِ جرائم القتلِ وقُبِضَ عليَّ، فلا بُدَّ أنَّني سأقضي ما بَقِيَ مِن حياتي حَبِيسًا في مشفى الأمراضِ النَّفْسِيَّةِ بالقِسْمِ الخَاصِّ بالسَّفَّاحِين المُخْتَلِّين عَقْلِيًّا. لكنْ، ماذا يُمْكِنُنِي أنْ أقولَ؟ ليسَ لديَّ مِنْ شهادةٍ تجعلني خَلِيقًا بالتصديق والإقناعِ إلَّا أنْ أَقولَ -بصَوْتٍ دِهَاقٍ تَفِيضُ نَبْرَتُهُ هدوءًا وبؤسًا- إنِّي لَمْ أَكُنْ چيري أولاندر.
وأخيرًا، وَقَعَتِ الكارثةُ التي ظَلَلْتُ أَتَرَقَّبُ أَوَانَها مُوقِنًا بمَجِيئهَا منذُ اللحظةِ التي أُمِرْتُ فيها بقَتْلِ الخال كارل؛ إذْ قالَ لي چيري أولاندر وقد أَوْشَكَتِ السَّنَةُ الرَّابعةُ مِنَ الحَرْب أَنْ تنتهيَ:
“الآنَ حانَ أَوَانُ قَتْلِ نانسي.”
صَرَخْتُ فِيهِ قائلًا:
“لا، لا، لن أفعل ذلك أبدًا، سأقتلُ نفسي قبلَ أنْ أَهُمَّ بِفِعْلِ ذلك. فلا سبيل لك عليَّ في ذلك الأمرِ: سأُذِيقُكَ مِن عَلْقَمِ البَأسِ ما لا يُرَدُّ، ولن تُصِيبَ مِن بُغْيَتِكَ إلَّا اليَأْسَ مِنْ إحرازِها، سَأُصَارِعُكَ بِكُلِّ ما أُوتِيتُ مِنْ قُوَّةٍ، ولن يكونَ بمقدورِك أبدًا أن تُكْرِهَنِي على فعلِ ذلك.”
كانتْ نانسي طليقتي، وعلى الرُّغْمِ مِنْ أنَّها كانتْ قد هَجَرتْنِي، فإنِّي لَمْ أَكُنْ أُضْمِرُ لَهَا أدنى قَدْرٍ مِن الضَغِينَةِ أو أَطْوِي كُشْحِي على ذَرَّةٍ واحدةٍ مِنَ السُّخْطِ عليها؛ لأنَّهَا أَعْرَبَتْ لي عَنْ الأسبابِ التي دَفَعَتْهَا إلى طَلَبِ الطَّلاقِ فَوَجَدْتُهَا أسبابًا مُقْنِعَةً وسَدِيدةً. كُنَّا قد تَزَوَّجْنَا في شَرْخِ شبابِنَا، ولمْ تكُنْ براعمُ صِبَانَا السَّاذَجِ قَدْ عَرَكَتْهَا الحياةُ بَعْدُ، وعلى مَرِّ الأعوامِ أَحْبَبْنَا بَعْضَنَا بَعْضًا. لكنْ، بدأتْ نانسي تَفْطِنُ إلى أنَّها أكثرُ مِنْ مُجَرَّدِ زَوْجٍ، وأَدْرَكَتْ أنَّها لمْ تَسْنَحْ لَهَا الفرصةُ لمعرفةِ ذَاتِهَا وتوسيعِ مَدَارِكِهَا وتحقيقُ أحلامِهَا. وانفصلنا بِمَوَدَّةٍ.
كانت نانسي تَقْطُنُ الآن في مدينة پاسادينا حيثُ تَعْمَلُ في شركةِ أحذيةٍ طبيةٍ اِبْتَكَرَتْ أحذيةً خاصَّةً للمُصَابِينَ بِدَاءِ الجُذَامِ. كانتْ تَنْعَمُ بحياةٍ زاخِرَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ حَافِلَةٍ بالمَسْئُولِيَّاتِ، وتَتَجَلَّى في أَوْجِ نُضُوجِهَا وَرَوْعَتِهَا. كُنَّا نتهاتَفُ بينَ الفَيْنَةِ والأُخْرَى، ولِمَامًا نتناولُ العَشَاءَ مَعًا. وإنِّي لا أَنْوِي قَطْعًا مَا قَدْ يَنْطَوِي عَلَى إلْحَاقِ أدنى أذًى بِهَا.
تَضَرَّعْتُ إلى چيري أولاندر وقُلْتُ مُسْتَجْدِيًا:
“كلُّ هذا عَبَثٌ محمومٌ لَمْ يَتَفَيَّأْ ظِلَّ المعنى، ونَفْثَةُ هُذَاءٍ لَمْ تَمْسَسْهَا شفاهُ المَنْطِقِ قَطُّ. أرجوكَ، اِصْرِفْ سِيَاطَ صَوْتِكَ عَنْ أحشاءِ عَقْلِي. دَعْنِي أقتلُ نفسي إنْ كانَ في ذلك ما يَمْنَحُكَ قُطَيْرَاتٍ مِن سَلْسَبِيلِ اللَّذَّةِ وَقَدْ لَفَحَتْكَ غُلْمَةُ القَتْلِ بأُوَارِ لَهِيبِهَا المَسْعُورِ، أرجوكَ، أَتَوَسَّلُ إليكَ ألَّا تُكْرِهَنِي على فِعْلِ هذا!”
أجابني چيري أولاندر بنبرةٍ مُشَبَّعَةٍ بِهدوءٍ تَشْمَئِزُّ مِنهُ النَّفْسُ:
“كلُّ هذا لَمْ يَفْتَقِرْ إلى المَنْطِقِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولَمْ يَتَنَكَّبْ عَنْ مَحَجَّةِ العَقْلِ قِيدَ أُنْمُلَةٍ؛ فَكُلُّ ما تَفْعَلُهُ مُصْطَبِغٌ بتلك الذِّكرياتِ: كَمْ ليلةً بِتَّ تَسْهَرُهَا مُكَابِدًا أَلَمَ أسنانِكَ بَدَلًا مِن الذِّهَابِ إلى طبيبِ أسنانٍ، وذلك لأنَّ عائلتَكَ أَرْسَلَتْكَ إلى ابن خالِكَ فرانكلين تَوْفِيرًا لبضعةِ دولاراتٍ ممَّا يُنْفَقُ على فَوَاتِيرِ عِلَاجِ الأسنانِ؟ كَمْ مِن أسنانِكَ -التي كان في الإمكانِ أنقاذُهَا- اقتلعَهَا فرانكلين؛ لأنَّهُ كان يَتَّسِمُ بِرُعُونَةٍ مُنْقَطِعَةِ النَّظِيرِ تُؤَهِّلُهُ حَتْمًا لأنْ يكونَ جَزَّارًا، لَا أنْ يكونَ طبيبًا للأسنانِ؟ إنَّك لا تَزالُ تخشى أطباءَ الأسنانِ حتَّى يومنا هذا بسببِ ابن خالِك فرانكلين. كَمْ امرأةً -كان في الإمكانِ أنْ تُحِبَّكَ- أَعْرَضْتَ عنها وتَشَاجَرْتَ معها وتَجَاهَلْتَهَا مُعْتَقِدًا أنَّك أفضلَ منها أو أسوأَ وأنَّهَا لا تُلَائِمُ ما تَتَصَوَّرُهُ عَنْ فتاةِ أحلامِك؛ وذلك لأنَّ پيجي مانتل سَخَرَتْ مِنكَ عندما كنتَ في الخامسةِ عشر من عمرِكَ؟ كَمْ مَتْجَرًا تَجاوَزْتَهُ وكُنْتَ راغِبًا في أَنْ تَبْتَاعَ شيئًا مِنْهُ؛ وذلك لأنَّك تَذَكَّرْتَ القَسْوَةَ التي طَرَدَكَ بها العجوزُ كليربورن مِنْ مَتْجَرِهِ عندما كنتَ طِفلًا؟ كَمْ مِنْ الأفعالِ التي تَظُنُّهَا نَابِعةً مِنْ إرادةٍ حُرَّةٍ، هي في حقيقةِ الأمرِ مُجَرَّدِ رُدُودِ أَفْعَالٍ مُبَرْمَجَةٍ لأشياءَ دَفَنْتَها في قرارِ ذاتِكَ: ما هي إلَّا ذكرياتٌ ينْفِرُ مِنْ أطيافِهَا عَقْلُكَ، آلامٌ وإهَانَاتٌ وإسَاءَاتٌ كَابَدْتُها في طفولتِكَ؟ كَمْ يا صديقي؟ أَتَرَى الآن معنًى ومَنْطِقًا لكُلِّ هذا، أمْ لا تزالُ ترى فيهِ عبثًا وجنونًا؟”
أَجْبَرَنِي چيري أولاندر على اجتيازِ الغُرفةِ نحوَ الهاتِفِ.
“لكنني وحيدٌ تمامًا الآنَ وليس لي أحدٌ. وهأنذا بلا زوجٍ، بلا أطفالٍ، بلا أُمٍّ، بلا أَبٍ، أُفَتِّشُ فِيمَنْ حولي ولا أَجِدُ بينهم مَنْ يُمْكِنُنِي أنْ أدعوَهُ صديقًا إلَّا مَنْ رَحَمَ ربِّي. إنِّي وحيدٌ تمامًا، ولا منفذَ في سجنِ وحدتي المُطْبِقَةِ. ألنْ تَهُمِّي بِهَجْرِي في يومٍ مِن الأيامِ يا نانسي!”
شَرَعَتُ في إجراءِ الاتِّصَالِ الهاتفيّ.بدأَ الهاتِفُ يَرِنُّ.هَمَسَ چيري أولاندر بنبرةٍ مُتْرَعَةٍ بالحنانِ:
“لستَ وَحْدَكَ يا صديقي. إنِّي هنا معك، وأَنْعَمُ بذاكرةٍ طويلةِ المَدَى على نحوٍ خارِقٍ.”
رُفِعَتْ سمَّاعةُ الهاتفِ على الطَّرفِ الآخر مِن الاتِّصَالِ وانبعث صوتٌ يقول: “مرحبًا”بدأتْ جِيَفُ الذكرياتِ تنهضُ وتزحفُ خارجةً مِن مقبرةِ النِّسْيَان، جيفةً تِلْوَ الأخرى. العشراتُ منها، اِسْتَدْعَاهَا چيري أولاندر بأنغامِ صَوْتِهِ وبَعَثَتْها ذاكرتُهُ الخَارِقَةُ من مَوْتِ النسيانِ. استبدَّتْ بي رغبةٌ عارمةٌ في أنْ أَصْرُخَ، أنْ أُطْلِقَ حَشْرَجَةً رَهِيبةٍ لاحتضارٍ شنيعٍ، لكنني لَمْ أَجِدْ صَوْتِي، وَوَجَدْتُ أنِّي عاجزٌ عَنِ الصُّراخِ. في السَّنَةِ الرَّابعةِ مِن الحرب التي نَشَبَتْ بيني وبين چيري أولاندر، كان قد بَلغَ مِن إحكامِ قَبْضةِ سُلْطَتِهِ عَلَيَّ، أنْ سَيْطَرَ حتَّى على كلماتِي، وانْهَزَمْتُ وَانْهَزَمْتُ وَانْهَزَمتُ!
:سَمِعْتُ صوتي يقولُ
“مرحبًا يا نانسي. ما رأيُكِ في أنْ نتناول العَشَاء معًا الليلةَ؟”
(إنَّ الحياةَ أقصرُ مِن أنْ نُضِيعَهَا في الانشغالِ بقَتْلِ المقتولِ أكثرَ مِن مرَّةٍ.
توماس هنري هكسلي نحو عام 1861 ميلاديًّا)
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
اترك رد