فؤاد زكريا: الناقد لعبد الناصر والناصرية.. بقلم: د. محمد السيد

أستاذ المنطق وفلسفة العلوم

د.-محمد-السيد فؤاد زكريا: الناقد لعبد الناصر والناصرية.. بقلم: د. محمد السيد

من الطريف أنني كنت أعتقد في بداية حياتي الجامعية أن الدكتور فؤاد زكريا متخصصًا في مجال المنطق وفلسفة العلم بسبب اختياراته لترجماته، ولطريقته المنطقية الفريدة في عرض أفكاره في أي موضوع والدفاع عنها بالحجج المنطقية، وأيضًا بسبب اكتشافه للمغالطات المنطقية المتعددة في فكر وكتابات الكثير من المفكرين.

والحق أقول لكم إن الدكتور فؤاد زكريا، شأنه في ذلك شأن معظم أعلام الفكر العربي في تلك المرحلة، لم تقتصر اهتماماته على تخصص بعينه، وإنما كان موسوعيًا بحق، فكتب في مجالات عديدة شملت الفكر الغربي والعربي والإسلامي، والقضايا السياسية والاجتماعية والأخلاقية؛ لقد كان أولئك الأساتذة مثقفين قبل أي شيء.

فضلا عن أن الدكتور فؤاد كان يعتبر الفلسفة وسيلة أو بالأحرى رسالة هدفها الأسمى يتمثل في تنوير المجتمع ومحاربة الفكر الرجعي والخرافي بكل ألوانه. كان الدكتور فؤاد يؤمن بأهمية وقيمة العلم والمنهج العلمي وأسس التفكير الناقد، حتى لو لم يذكر مصطلح التفكير الناقد صراحة؛ إلا أنه كان يستخدم ويوظف التفكير الناقد بطريقة يطالب بها اليوم المختصون في هذا المجال، وأقصد ألا نكتفي بتدريس مقرر محدد في التفكير الناقد لطلبة الجامعة كما هو الحال الآن في معظم جامعات الغرب، وإنما أن نكون جميعًا، كل في تخصصه، مفكرين ناقدين. ربما لم يصرح فؤاد زكريا بهذا، لكن فلسفته وشخصيته ومواقفه كانت نموذجًا ساطعًا على هذا التوجه.

المثقف الحقيقي، على شاكلة فؤاد زكريا، هو من يسعى باستمرار إلى تعديل القيم البالية الراسخة في المجتمع، وهو أيضًا الذي يتحدث عن المسكوت عنه من قيم مجتمعية وإنسانية، وهو في هذا لا يمثِل أحدًا بعينه بل يمثل مبادئ كونية مشتركة لا يتنازل عنها، لأنه يمثل نبض الجماهير، من هنا فهو لا يقبل أبدا أنصاف الحلول أو أنصاف الحقائق، كما أنه يعبر عن المثقف الذي يقاوم عبر فكره ونشاطه هيمنة السلطات المستبدة السائدة في المجتمع بمختلف ألوانها المادية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحتكر كل شيء ولا تترك شيئا لبقية الجماهير.

فضلاً عن هذا، كان الدكتور فؤاد شجاعًا لا يهاب أي سلطة عند قول ما يعتقد أنه الحق في المواقف المختلفة؛ فلم يُداهن، رحمه الله، أحدا ولم يهاب الجماهير أو الرأي العام، ولم يجامل أحدا يعتقد في قرارة نفسه أن ما يقوله ليس هو الصواب.

ونحن نعرف كيف تصدى بالنقد والتفنيد لآراء وشخصيات تاريخية مهمة في الماضي والحاضر كانت تحوز على إعجاب الجماهير والرأي العام. لقد هاجم سياسات جمال عبد الناصر (1918 – 1970) كما هاجم الكثير من مواقف أنور السادات (1918 – 1981).

وانتقد أيضا الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل (1923 – 2016) حين كان الجميع يتزلفون إليه، بل وضع كتابا للرد على كتاب هيكل ’’خريف الغضب‘‘، وهو كتاب ’’كم عمر الغضب‘‘، وهو لم ينتقد محمد حسنين هيكل في هذا الكتاب باعتباره كاتبًا أو مثقفًا أو سياسيًا، بل باعتباره نموذجًا يمثل خير تمثيل النظام السياسي العربي، كما أن الدكتور فؤاد فند الكثير من آراء ومقولات هيكل بأدلة منطقية صارمة على الرغم من أن الكثير من المثقفين كانوا يشعرون بالتردد أو حتى الخوف أحيانًا من الرد عليه باعتباره ’’الأستاذ الكبير‘‘ أو ربما ’’الأستاذ‘‘ فقط، وباعتباره الكاتب المرموق الذي يحتكر امتلاك الوثائق والمعلومات، وباعتباره أيضًا كان مُقربا من دوائر الحكم بل وجزءًا منه آنذاك.

لم تكن البراعة وحدها ولا الذكاء الشخصي الذي رفع هيكل، وإنما انعدام الديمقراطية والتكتم، جعل من هيكل هو الوحيد المطلع على ما هو خفي وممنوع. ومن العبارات المهمة التي أوردها الدكتور فؤاد في ذلك الكتاب: “من سمات عهود القمع الفكري وكبت الرأي المعارض، أنها تُنشئ أجيالًا لا تعرف التاريخ إلا في صورةٍ مشوهة، فحين تكون وجهات النظر المتباينة متاحة يستطيع العقل الناضج أن يُكوِّن صورةً صحيحة عن أحداث التاريخ وتياراته، ويُصدر أحكامًا سليمة على السياسات التي تحكمت في صياغته، أما حين يسري الحظر الكامل على وجهات النظر التي تخالف موقف السلطة الحاكمة، فكيف نتوقع من أي جيل لم يتعرَّض إلا لوجهة النظر هذه، أن يفهم أحداث التاريخ ويصدر حكمًا صحيحًا عليها؟

رأى الدكتور فؤاد أن اليسار المصري قد أخطأ عندما شارك في تأليه جمال عبد الناصر، وتحالف معه دون شروط، ووضع نفسه في خدمته مُتغاضيًا عن أخطائه. وأنه يُخطئ في كل وقت حين يستمرُّ في الدفاع عن هذه الأخطاء وتبريرها.

تحدث الدكتور فؤاد عن الانعدام التام للرقابة الشعبية على المال العام في عهد عبد الناصر (لا أدري ماذا كان سيقول لو امتد به العمر حتى اليوم)؛ فقد تدفقت أموال كثيرة، ابتداء من القصور الملكية المصادرة حتى أموال المجهود الحربي، مرورًا بالحراسات وغيرها في مسارب ليست كلها معروفة، وظهرت حالات عديدة من الثراء غير المشروع لدى أفرادٍ لم يكن إيرادُهم أو دخلهم يسمح لهم بأن يكونوا من الأثرياء. والأهم من ذلك أن الوظائف العامة ذاتها أصبحت، خلال فترة طويلة من هذه التجربة، فرصةً للحصول على مغانم، لا لأداء خدمات عامة ومن المؤكد أن أجهزةً كثيرةً كانت تعرف تفاصيل حالات استغلال النفوذ التي كان معدلها يزداد عامًا بعد عام، ولكنها كانت تصمت أو تتستر عليها، ولا تستغل ما تعرفه من معلومات إلا في الحالات التي تريد فيها أن تفضح شيئًا.

غير أن نقد الدكتور فؤاد زكريا لعبد الناصر يختلف عن نقد الانتهازيين الذين كانوا يمجدوا عبد الناصر في حياته ثم تحولوا للهجوم عليه. لقد ارتفع الدكتور فؤاد بمستوى نقد عبد الناصر من لغة المواخير إلى لغة مدرجات الجامعة، وفق تعبير الصحفي المعروف الأستاذ صلاح حافظ، وأنه حوِّل هذا النقد إلى قضيةٍ تستثير التفكير الجاد.

سأحدثكم في المرة القادمة عن معارك الدكتور فؤاد مع بعض رجال الدين وفي مقدمتهم الشيخ الشعراوي. تحياتي وسلامي.

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات