في مطبخ نصر أبوزيد… إشكاليات القراءة وآليات التأويل (١)
بقلم: عمرو عبد الرحمن

صدر هذا الكتاب عام ١٩٩١ ويحاول فيه د. نصر حامد أبوزيد استكشاف مجالات العلوم الحديثة التي يمكن من خلالها قراءة التراث، موضحًا وجود أصول لبعضها في تراثنا.
ويبدأ أبوزيد من نظرية تأويل النصوص “الهرمنيوطيقا“، وهي معنية بالأساس بتفسير النصوص بشكل عام. نشأ الاسم ليشير إلى القواعد التي يجب اتباعها عند تفسير الكتاب المقدس، ثم اتسع من علم اللاهوت ليشمل العلوم الإنسانية كلها. تحاول الهرمنيوطيقا التعامل مع ثلاثية المؤلف/النص/الناقد أو القصد/النص/التفسير من خلال محاولة الإجابة عن عدة أسئلة حول العلاقة بين المؤلف والنص، ووجود التطابق بين النص وقصد المؤلف، وإمكانية الفهم الموضوعي لمعنى النص الأدبي أي الفهم العلمي كما يريده المؤلف، والذي لا يُختَلف عليه، والعلاقة بين الثلاثة عناصر والواقع وأثر اختلاف زمن التأليف عن زمن التفسير.
الهرمنيوطيقا ومعضلة تفسير النص
يعرِض نصر أبوزيد تطور نظرة الهرمنيوطيقا للنص، والبداية مع شليرماخر 1والمدرسة الكلاسيكية التي تهتم بالعلاقة بين اللغة وفكر المؤلف. كان هدف شليرماخر هو فهم النص كما فهمه مؤلفه، ووسيلته إلى ذلك وضع قواعد لعملية الفهم. هدف شليرماخر هو أن يتجرد المفسِر من واقعه ويحاول أن يحل محل المؤلف. ثم يأتي فيلهام ديلثي2، الذي بدأ من أن التجربة الذاتية هي أساس المعرفة، وأن الفهم يتم من معايشة التجربة التي يعبر عنها النص، مُتضمَنة في تجربتنا الذاتية. المتلقي هنا له دور في عملية التفسير، والمعنى ليس ثابتًا مع الزمن. النص الأدبي عند هايدجر 3يقوم على التوتر الناشئ بين ما هو ظاهر وما هو مستتر فيه، ولا يفصح عن رؤية المبدع لواقع محدد في لحظة تاريخية معينة، بل هو يفصح عن الوجود بمعناه الفلسفي، وجود الإنسان في هذا العالم وفهمه لهذا الوجود.
انطلق جادامر 4من نفس نقطة انطلاق ديلثي، حيث فصل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، لكنه اختلف معه في تجاوزه لإنتاج منهج لعملية الفهم، لأنه يرى أن أي منهج لن يُنتِج إلا ما يبحث عنه، ولن يجيب إلا عن الأسئلة التي يطرحها. يرى جادامر أننا من خلال تعاملنا مع النص الأدبي أو الفني نستحضر تجربتنا الحياتية ونفهم أنفسنا بشكل أفضل، والحقيقة التي يتضمنها العمل الفني ليست ثابتة، إنها تتغير من زمن إلى زمن طبقًا لتغير أفق المتلقي وتجاربه، لكن الوسيط أو الشكل الفني والأدبي ثابت، وهو الذي يجعل عملية الفهم ممكنة.
التاريخ الإنساني عند جادامر تاريخي ومعاصر في نفس الوقت، فالإنسان لا يستطيع تجاوز أفقه الراهن، ولا يستطيع العودة بالزمن ليعيش التجربة التاريخية. وبالتالي فهمنا للتاريخ لا يبدأ من فراغ، بل يبدأ من الأفق الراهن الذي يعتبر التاريخ أحد مؤسساته الأصيلة. انطلق جادامر من رؤية هايدجر الوجودية، إلا أنه متأثرًا بجدلية هيجل أضاف أساسًا جدليًا في الفن والأدب. نظرته للفن والأدب كوسيط بين المؤلف والمتلقي أهدرت جوانب مثل تجربة المؤلف وتاريخيتها، وأهمية الشكل الخارجي للنص أو الفن.
أما مفكري الهرمنيوطيقا المعاصرين فقد اهتموا بإقامتها كعلم لتفسير النصوص، ليس على أساس فلسفي بل على أساس علمي كنظرية للتفسير. واعتمدوا على رفع أهمية تجربة المؤلف عند النظر إلى النص، وفرّقوا بين المعنى الذي هو ثابت داخل النص، والمغزى الذي هو قابل للتغيير لأنه قائم على العلاقة بين النص والقارئ.
نجد هنا صراعًا بين المعاصرين مثل هيرش 5وبيتي 6في التركيز على النص والمؤلف، وبين جادامر الذي يبدأ من موقف المفسر الراهن باعتباره المؤسِس لأي فهم. هناك مدرستان للتعامل مع الرموز داخل النص:
- الأولى تعتبر النص وسيطًا يمكن من خلاله الوصول للمعنى وهي مدرسة بولتمان.
- والثانية تتعامل مع الرمز كحقيقة زائفة يجب إزالتها للوصول إلى المعنى الذي تخفيه وراءها وهي مدرسة نيتشه وفرويد.
يعتبر نصر حامد أبو زيد أن الهرمنيوطيقا الجدلية عند جادامر هي نقطة أساس للنظر في علاقة المفسر بالنص داخل تراثنا الديني وتفسير القرآن، ومحاولة فهم تعدد التفسيرات وتأثير الواقع المعاصِر على المفسِر.
العلامات في التراث.. دراسة استكشافية
يقيم هنا نصر أبو زيد حوارًا بين علم السيميوطيقا و التراث العربي. السيميوطيقا هو علم العلامات، الذي يحاول دراسة الإنسان من خلال ما ابتكره من علامات لإدراك واقعه وإدراك نفسه.
مفهوم اللغة وعلاقتها بالأنظمة الدلالية الأخرى
اللغة هي أصوات يُعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم، وظيفتها هي البيان عند الجاحظ والإنباء عند المعتزلة وخصوصًا القاضي عبدالجبار. يبيّٓن أبوزيد أن بشارات علم السيميوطيقا موجودة في تراثنا، حام حولها العديد من الشخصيات كالجاحظ والقاضي عبدالجبار وعبدالقاهر الجرجاني. عند الجاحظ آلة البيان أربع: اللفظ والخط والإشارة والعقد. الإشارة هي لغة الجسد والعقد هو حركات اليد تدل على الموافقة أو الرفض. لاحظ الجاحظ أن هناك إشارات ترتبط باللفظ ودلالته أو تنفصل عنه ليكون لها مدلولها الخاص. يرى أبوزيد أن العلامة في السيميوطيقا توازي الدلالة في التراث، حيث لم ينظر العقل العربي للغة بمعزل عن نظم الدلالات الأخرى، وتعامل مع الدلالة اللغوية بوصفها مدخلًا للمنطق الذي هو ميزان التفكير العقلي والاستدلال المؤدي للمعرفة. انطلق العلماء المسلمون في علاقتهم بالاستدلال من أن الإنسان خُلِق ليعرف الله ويعمر أرضه. هناك دلالة عقلية حيث الفعل يوجب وجود فاعل كما أن وجود العالم يوجب وجود خالقه، ودلالة لغوية من الوحي والسمع والشرع. في حين جمع الجاحظ والحارث المحاسبي والباقلاني بين الدلالتين، كاد القاضي عبدالجبار أن يفصل بينهما فصلًا تمامًا، فالإنسان بالعقل وحده قادر على معرفة الله وتحقيق الغاية من وجوده. الدلالة اللغوية عند القاضي عبدالجبار نوعان: المواضعة وهي دلالة الألفاظ، والقصد وهي دلالة العبارة أو التركيب اللغوي.
العلاقة بين الدال والمدلول على مستوى الألفاظ
اتفق العلماء المسلمون على أن الألفاظ لا تدل على معنى بذاتها، إنما هي معاني وضعية اصطلاحية، لكنهم اختلفوا في أصل المواضعة هل هي من الله أم من البشر وهو خلاف حول المواضعة الأولى تحديدًا عندما علم الله آدم الأسماء كلها، وقد ارتبط بطبيعة الإطار الديني الذي دار فيه البحث من حيث الكلام صفة أزلية كما يقول الأشاعرة أم هو فعل مُحدَث كما يقول المعتزلة. الألفاظ عند عبدالقادر الجرجاني هي علامات وسمات دالة على المعنى دلالة اصطلاحية اتفاقية. عبّر حازم القرطاچني عن العلاقة بين الدال والمدلول حيث الرموز الكتابية تدل على صور سمعية للألفاظ تدل على صور ذهنية في عقل القارئ تدل على المدرَك العيني الخارجي.
أما عند المتصوفة فالوجود من أرقى مراتبه إلى أدناها ليس إلا تجليًا للحقيقة الإلهية. نجد ابن عربي قد قسّم مراتب الوجود إلى ثمانية وعشرين بعدد الحروف الأبجدية، وهو ربط ليس على سبيل التوضيح لكنه نابع من إيمان حقيقي بوجوده نتج من التعامل بثنائية الظاهر والباطن مع الوجود بأسره. وبناء على ذلك أصبح للكلمات التي تتكون من هذه الحروف دلالتين: دلالة ذاتية إلهية قديمة، ودلالة بشرية حادثة اصطلاحية. كل ذلك يؤكد أن المفكرين العرب على اختلاف مذاهبهم نظروا إلى اللغة من منطلق سيميوطيقي يتناسب مع معتقداتهم الدينية.
البعد الدلالي للغة
تنبه أسلافنا إلى خاصية الدلالة التركيبية في اللغة حيث تنتظم العلامات لتكوّن جملًا ونصوصًا لها قدرة على التحول في مدلولاتها بحيث تحقق أغراض أخرى غير الإنباء. القاضي عبدالجبار بدأ من حيث التركيب اللغوي لا ينبئ عن مدلوله بمجرد المواضعة، بل لابد من اعتبار قصد المتكلم. كان ذلك منطلقًا مهمًا للمعتزلة حيث قصد الله يمكن الوصول إليه بالاستدلال العقلي وحده. أما عبدالقاهر الجرجاني فقد تنبه لأهمية علم النحو في تأثيره على الدلالات الوضعية للعلامات اللغوية في سياق بعينه، وصاغ نظرية للدلالة في التراث العربي تُعرف بنظرية النظم. كانت دلالة التركيب عنده هي نتاج تفاعل دلالات العلامات والتركيب معًا. يعتبر عبد القاهر أن الفرق بين نظْم ونظْم هو التنوع في استخدام قوانين النحو -التراكيب اللغوية- عند المتكلم؛ لأنه لا يملك الحرية في استخدام العلامات بسبب وضعيتها وعُرفيتها.
يعطي عبدالقاهر الدور الأبرز للمتكلم؛ لأن منطلقه الأشعري كان البحث عن الإعجاز في القرآن، وربَط الإعجاز بمفارقة المتكلم وهو الله مفارقة تامة لما سواه من المتكلمين، لذلك برغم قدرته التحليلية الناتجة عن وعيه اللغوي والبلاغي، إلا أنه لم يتعمق أكثر في مقاربة دور المُتلقي في فهم النص.
عند ابن عربي الكلام على مستوى التركيب يتكون من الذات الإلهية والحدث وهو العالم بكل مراتبه، والرابطة بينهما وهي الحقائق الإلهية أو الأسماء الإلهية، وهو ما يُجمِله ابن عربي تحت مصطلح جوامع الكَلِم. وجوامع الكَِلم قد أوتيها النبي كمعرفة حقة عبر معراجه ورؤيته لربه وكتعبير عنها عبر القرآن الكريم. كان ابن عربي هو الأكثر اقترابًا من معضلة القصد/النص/الفهم حيث أدرك إمكانية تفسير الألفاظ دون القدرة على فهم قصد المتكلم، كما يشير من منطلقه الصوفي إلى دور أهل الكشف في قراءة النص قراءة وجودية في مستواها الباطني العميق تختلف من شخص لأخر.
المجاز والتحول الدلالي في اللغة
تتميز العلامات اللغوية بالقدرة على التحول الدلالي فيما يُعرف بالاشتراك والاتساع والتضاد والمجاز وغيرهم، وهنا يركز نصر أبوزيد على المجاز. تناول القاضي عبدالجبار المجاز في اللغة بالتفرقة بين كلام الله وكلام غيره، فكلام الله لابد من وجود دلالة واضحة له تبتعد عن المجاز. كما فرّق بين الأسماء الأعلام والصفات واعتبر أن الأعلام لا يمكن أن تنتج مجازًا، متجاهلًا مثلًا “لا يفتى ومالك في المدينة” التي أصبح لا يقصد بها مالك لشخصه بل كل مالِك لوظيفته، في تحول الاسم إلى رمز الذي تم عبر تحول مجازي. حرص الجاحظ والقاضي عبدالجبار على الفصل بين طرفي المجاز وعدم الخلط بينهما، وقصرا المجاز على العُرف المجتمعي الذي ينشأ منه، وذلك حرصًا على الوظيفة البيانية للغة.
تطور مفهوم المجاز عند عبدالقاهر الجرجاني حتى وصل إلى أن تدل العبارة اللغوية على معنى وهذا المعنى يستطيع منه المتلقي أن يعقل معنى أخر على سبيل الاستدلال ليصبح معنى المعنى. يرى أبوزيد أن الجرجاني كان على وعي بالداخل الدلالي أو السمطقة في الدلالة اللغوية، كما كان على وعي بارتباط الدلالة اللغوية بالإطار المعرفي العام الذي انطلق منه الفكر التراثي في النظر إلى الدلالة اللغوية. حاول أبوزيد التدليل على أن علم العلامات رغم تكوُّنه في الغرب، إلا أن له أصول في تراثنا من خلال استعراضه لمداخل مختلفة، سواء المدخل اللغوي والبلاغة عند عبد القاهر الجرجاني أو المدخل الكلامي عند القاضي عبدالجبار أو المدخل الصوفي عند ابن عربي. كما يشير إلى جوانب أخرى من التراث يظهر فيها علم العلامات واضحًا مثل تفسير الأحلام الذي يتعامل مع الحلم كعلامة دالة على مخزون ثقافي عند القدماء.

الأساس الكلامي لمبحث المجاز في اللغة العربية
يناقش أبوزيد الإطار الفكري الذي حدد من خلاله المعتزلة والظاهرية والأشاعرة موقفهم من وجود المجاز في اللغة. مفهوم المجاز الذي نشأ عن طريق المعتزلة في إطار سعيهم لتأويل آيات القرآن تأويلًا يناسب أصولهم العقلية. في حين اتخذ المعتزلة المجاز سلاحًا لتأويل النصوص التي لا تتناسب مع أصولهم الفكرية، رفض الظاهرية تأويل الآيات بما يتجاوز ظاهره اللغوي، وأنكروا وجود المجاز في القرآن بل وفي اللغة بأكملها، بينما وقف الأشاعرة موقفًا وسطًا بينهم. يرجع ذلك إلى مفهوم اللغة عند كل فريق، فاللغة عند المعتزلة اصطلاح بشري محض، بينما عند الظاهرية هي توقيف من الله علمها آدم ومنه انتقلت إلى سائر البشر. قضية اللغة هنا هي جزء من قضية أوسع وهي قضية المعرفة هل هي من الله أم من العقل؟
يذهب المعتزلة إلى أسبقية العقل، ويذهب الظاهرية إلى أسبقية النقل، ويحاول الأشاعرة التوفيق بينهما مع الحفاظ على أسبقية النقل. اتفق الأشاعرة مع المعتزلة في موقفهم من الصفات الإلهية بما يرفض التشبيه من حيث أنها تعبيرات مجازية عن حقائق إلهية، لذلك نجد عبدالقاهر الجرجاني يفرق بين الاستعارة التصريحية والاستعارة المكنية. ارتبط نفي المجاز بوهم يقرن المجاز بالكذب، واعتبره ابن القيم تقسيم لا يستند إلى أساس شرعي أو عقلي أو لغوي. هنا ينكر ابن القيم البعد الاصطلاحي للغة، وبالتالي يرفض إمكانية تطورها التاريخي، وهو ما يتناغم مع الموقف من الصفات والكلام الإلهي الذي هو قديم عند أصحاب التوقيف. وإذا تم قبول تطور اللغة والاستناد إلى العقل في تأويل النص اللغوي القابل للتطور، فإن ذلك يهدم تقديم النقل على العقل، بل إنهم ربطوا الاستخدام العقلي بمعصية إبليس الأولى عندما استخدم عقله في القياس ورفض السجود لآدم. فالعقل أداة قاصرة والواجب هو التسليم دون تأويل.
يُمثِّل المعتزلة نقيض ذلك فهو التيار الذي نشأ على الفصل بين الله والإنسان في الصفات والأفعال في ظل ظروف سياسية مرتبطة بالجبر والإرجاء. اعتمد المعتزلة على العقل لأنهم يعتبرون المعرفة ذات مسار صاعد من الإنسان إلى الله. فالمعرفة غايتها التعرف على الله وصفاته وأوامره ونواهيه، والوسيلة الممكنة لذلك هي العقل. ويصبح المجاز واقعًا في الكلام عند المعتزلة إذا وقع تعارض بين ظاهر النص ومعرفتنا العقلية بقصد الله،. قرينة المجاز هنا هي قرينة عقلية، وهي عندهم أشد دلالة من القرينة اللفظية التي اشترطوا وجودها لإثبات المجاز في كلام البشر. أما الأشاعرة فقد أقرّوا بقدم الكلام الإلهي وتقديم النقل على العقل، لكنه تقديم لا يلغي دور العقل، الذي به نستدل على صحة النقل والاستنباط لفهم الشريعة. يُفرِّق الباقلاني بين الدليل الشرعي السمعي والدليل اللغوي، فدلالة الوحي قديمة، بينما الدلالة اللغوية قد تكون قديمة أو طارئة، فقد ذهب متأخروا الأشعرية إلى أن أصل اللغات توقيف من الله، ثم لا مانع من أن يتواضع البشر-من المواضعة- على لغات أخرى بعد ذلك.
يؤكد أبوزيد أن الموقف من اللغة والربط بين المواضعة وقصد المتكلم هو ما صاغ الموقف من المجاز وأقسامه عند الفرق الثلاثة. تبلور موقف الأشاعرة في رؤية عبدالقاهر الجرجاني التي تفرق بين الدلالة اللغوية والعقلية. فالمجاز اللغوي يقع في الألفاظ والمجاز العقلي يقع في التراكيب. يؤكد عبدالقاهر مثل سابقيه على أسبقية الاستخدام الحقيقي على المجازي، ووجود علاقة بين الاستخدام المجازي والحقيقي لألفاظ اللغة سواء علاقة قوية تقوم على المشابهة كالاستعارة، أو علاقة خفية تحتاج للتأمل كالمجاز المرسل. لكن المجاز عنده هو نوع من الحقيقة يعتمد على علاقة لا تخل بالدلالة، وتؤكد المعنى الحقيقي ولا تنفيه. يعتبر أبوزيد أن تقسيم المجاز إلى لفظي وعقلي هي قسمة زائفة، مبررها نفي الأفعال التي لا يمكن نسبتها إلى غير الله كالإحياء والإماتة والشيب، ويستخدم الجرجاني مصطلح المجاز العقلي لنفيها عن غير الله. مما سبق نستدل على أن الخلاف في قضية المجاز يعود إلى التصورات العامة لكل فرقة واختلاف العقل المعتزلي عن الأشعري عن الظاهري، ما أدى إلى إخضاع مفاهيم المجاز واللغة إلى القضايا العقلية الخلافية بينهم.
مفهوم النظم عند عبدالقاهر الجرجاني.. قراءة في ضوء الأسلوبية
اللغة والشعر
يعتبر أبوزيد أن القضية الأساسية عند عبدالقاهر هي التفرقة بين مستويات الكلام بدايةً من الكلام العادي إلى الكلام المُعجِز. لذا يتوقف عند الشعر باعتباره الأكثر تعبيرًا عن خصائص الأدب، ووسيلة لإدراك الإعجاز في القرآن. يرى عبد القاهر أن القرآن والشعر كلام ينتمي للغة، لكنه يتميز بخصائص ومعان تدخله في حدود الفن، ويمكن إدراكها. لا يرى عبد القاهر أن للألفاظ بشكل مجرد جمالٌ خاص، بل تحدث البلاغة عندما تدخل في علاقات تركيبية مع غيرها من ألفاظ. يؤسس عبد القاهر لكون النَظم أو علم النحو -الذي يختلف عن أصول النحو- هو الوسيلة التي بها يحصر الخصائص الفنية والأدبية للكلام. النظم يقترب من مفهوم الأسلوب، وعلم النحو هو علم دراسة الأدب أو علم الشعر.
النظم والأسلوب
يدرك عبد القاهر الفرق بين المعنى الظاهر والغرض الذي يختبئ وراء المعنى والأسلوب الذي يُعبر عنهما، ويربط بين الأسلوب والمتكلم حرصًا على الوصول لدلائل الإعجاز.
يقول عبدالقاهر أن فصاحة وبلاغة المتكلم لا يمكن أن تعتمد على اللغة، لأن المتكلم يكون مقيدًا بألفاظ اللغة التي هي سابقة عليه، كما أن قوانين النحو لا تحدد هذه البلاغة؛ فهي تحدد معايير الخطأ والصواب في الكلام. كما أن الفصاحة لا ترتبط بالنغم في النطق بالكلام، هي ترتبط بالنظم. والذي هو مقدرة عقلية أكثر منها لغوية. وهي مقدرة إلهية في صياغة اللغة وإعادة تشكيلها، مفارِقة للبشر عند النظر للقرآن وإعجازه. ينفي عبد القاهر فكرة الصنعة في تصوره للنظم، فالأسلوب غير قابل للتقليد، هو فقط قابل للاحتذاء أي تبديل الألفاظ بينما يظل الأسلوب أصليًا للمتكلم الأول به. وإذا حدث تغيير في الأسلوب، يتغير المعنى بالتبعية. التفرقة بين المعنى والغرض مهمة عند عبدالقادر، فمثلًا لو أردنا تشبيه زيد بالأسد، نقول زيد كالأسد، ونقول كان زيدًا الأسد. الغرض واحد لكن المعنى مختلف، حيث المعنى هنا ناتج من استخدام الألفاظ والأسلوب المختلف، أو النظم المختلف.
الأسلوب والمجاز
جعل عبدالقاهر النَظم يستوعب المجاز، فهو يقسم الكلام إلى ثلاثة أقسام: قسم يعود حسنه إلى لفظه دون نظمه وهو المجاز العامي المبتذل، وقسم يعود حسنه إلى نظمه دون لفظه، وقسم يعود حسنه إلى لفظه وحسنه معًا. في نَظم المجاز يخضع المعنى لعلاقة استبدالية يُستبدل فيها المعنى بمعنى المعنى، إلى جانب العلاقة السياقية للمعنى في النص. في النهاية يرى أبوزيد أن مفهوم النَظم عند عبدالقاهر قاصر على أن يُكوِّن نظرية مكتملة في النصوص الأدبية، لكن جهوده المهمة تحتاج مزيد من الدراسة والتامل.
إلى لقاء في الجزء الثاني من إشكاليات القراءة وآليات التأويل….
- كان «فريدريك شلايرماخر» لاهوتيًّا وفيلسوفًا مثاليًّا ألمانيًّا، وُلد عام ١٧٦٨م، وأسس الجامعة في برلين مع همبولت فيما بين عامي .١٧٩٨م و١٨١٠م حيث عمل بالتدريس فيها حتى وفاته عام ١٨٣٤م ↩︎
- كان فيلهام ديلثي فيلسوفًا وعالمًا نفسيًا ومعلمًا ومؤرخًا ألمانيًا معروفًا بمساهماته في علم التأويل وفلسفة العلوم الإنسانية. ركز عمله في المقام الأول على فهم التجربة الإنسانية والطرق التي يتم بها التعبير عن هذه التجربة وتفسيرها في التاريخ والثقافة. ↩︎
- كان مارتن هايدغر فيلسوفًا ألمانيًا. وهو من أهم الفلاسفة على الإطلاق. وُلد عام 1889 وتوفي عام 1976. وتشتهر فلسفته بتأكيدها على أهمية الوجود الإنساني ونزعتها الوجودية. ↩︎
- هانز چورچ جادامر هو فيلسوف ألماني (1900– 2002). كان حدثًا فاصلًا في تطور الهرمنيوطيقا الحديثة ذلك الذي وقع عام ١٩٦٠م، حين صدر كتابه “الحقيقة .والمنهج”، حيث وجدت أفكار هايدجر التأويلية الثورية في كتابة جادامر تعبيرًا منظمًا ومكتملًا ↩︎
- كان إي. دي. هيرش ناقد أدبي وكاتب وصحفي أمريكي، ولد في 22 مارس 1928 في ممفيس في الولايات المتحدة. في عام ١٩٦٧م أصدر هيرش أول رسالة مستفيضة ومكتملة عن الهرمنيوطيقا العامة باللغة الإنجليزية، بعنوان “صحة التفسير” في عرضٍ منهجيٍّ منظمٍ وقوي الحجة ناهض هيرش بعضًا من الافتراضات الأثيرة لدى النقاد والتي وَجَّهَت التفسير الأدبي نحو أربعة عقود من الزمن. يذهب هيرش على سبيل المثال إلى أن مقصد المؤلف يجب أن يكون المعيار الذي تُقاس به صحة أي تفسير. ↩︎
- إميليو بيتي (1890 – 1968) كان فقيهًا قانونيًا إيطاليًا ، وباحثًا في القانون الروماني، وفيلسوفًا، ولاهوتيًا . اشتهر بمساهماته في علم التأويل ، الذي يُعد جزءًا من اهتمامه الواسع بالتفسير. وبصفته منظّرًا قانونيًا، يُعتبر بيتي قريبًا من المذهب التأويلي .ويرى أن الهرمنيوطيقا الألمانية الحديثة شغلت نفسها بظاهرة “الفهم” (أي وظيفة المفسِّر الخاصة بإضفاء معنًى على الموضوع) بحيث غدا هذا مساويًا للتأويل، في مستهل كتاب “الهرمنيوطيقا بوصفها المنهج العام للعلوم الإنسانية” (١٩٦٢م) يؤكد بيتي أن غرضه الأساسي هو توضيح الفرق الأساسي بين “التأويل” و”الفهم” ، وأن إغفال هذا الفرق هو بالتحديد ما يهدد الدراسات الإنسانية وينال من قدرتها على استخلاص نتائج صائبة صوابًا موضوعيًّا. ↩︎
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد