في مطبخ نصر أبوزيد… الخطاب والتأويل (١)

280709377_5758375077522788_4038074696299373968_n2 في مطبخ نصر أبوزيد... الخطاب والتأويل (١)

صدر الكتاب عام ٢٠٠٠ بينما معظم مقالاته كتبها نصر حامد أبوزيد بعد شهر يوليو عام١٩٩٥ والقليل منها قبل ذلك. في الكتاب يحاول نصر تعميق منهج تحليل الخطاب من حيث أن الخطابات تتبادل التأثير والتأثر بين بعضها البعض مهما بدت متناقضة؛ لأن الخطابات في سياق حضاري تاريخي تتشارك نفس الإشكاليات، وتجيب على نفس الأسئلة، وتواجه نفس التحديات وأهمها تحدي دخول المستقبل لتعدد الإجابات بتعدد الخطابات.

لكل خطاب سلطة، إما أن تكون سلطة معرفية نابعة من داخله، أو سلطة مُستمدة من خارجه كسلطة العقل الجمعي ورجل الدين والسلطة السياسية. وفي هذا الكتاب يحاول أبوزيد تحليل حضور الخطابات في خطابات أخرى مناقضة لها، أي تحليل علاقات التناص بلغة علم الخطاب. ثم ينتقل لتحليل علاقة أخرى هي الانقلاب من إطار خطاب للاندماج في نمط خطاب آخر. وفي النهاية ينتقل إلى بُعد آخر هو كوْن الخطابات المتصارعة مسجونة في نفس النفق المظلم الذي حصر سؤال النهضة في سؤال الدين وحده.

المثقف هو الإنسان المنخرط بشكل أو بآخر في عملية إنتاج الوعي، بينما السلطة تريد توظيف إنتاج المثقف في تكريس سلطتها وإعطائها مشروعية تتجاوز شرعية الأمر الواقع أو الشوكة بالمفهوم التراثي الإسلامي في سبيل أن تثبِّت جذورها وتستمر وتدوم. وجوهر الصدام هو التعارض بين الوعي والسياسة، حيث يهدف الوعي لاكتشاف الحقيقة ثم تجاوزها في اتجاه المجهول لاكتشافه في عملية مستمرة لا تؤمن بالثبات والاستقرار، بينما السياسة كمحور لنشاط السلطة تستهدف الثبات والاستقرار، فتحتفي بالفكر الذي يحقق لها ذلك، وتضع ما عداه على الهامش في أفضل الأحوال.

ينتج عن ذلك خطابان: خطاب المثقف الحقيقي الذي يتميز بكونه خطاب مفتوح نقدي قادر على تجاوز نتائجه، وخطاب مثقف السلطة الذي يتميز بكونه مغلق إطلاقي دفاعي عن حقيقة مطلقة في شموليتها. والسلطة هنا ليست السلطة السياسية بل السلطة التي يتحول إليها الخطاب في مجال الفكر والوعي.

يستلهم نصر أبوزيد من الشيخ أمين الخولي مبدأ قتل القديم بحثًا لتجاوزه، بعد بحث تحليلي نقدي للقديم يهدف إلى إزالة القداسة التي تراكمت عليه نتيجة الترديد والتكرار وتشويه الأفكار الأخرى، حتى يحل محله الجديد من الأفكار. ويتم ذلك بردها إلى أصولها باعتبارها أفكار لا عقائد. وفي هذا الإطار يحلل أبوزيد خطاب ابن رشد الذي وضعناه على الهامش في إطار خطاب الغزالي الذي استحوذ على مركز تراثنا. والبداية من محاولة ابن رشد تجاوز هذا التهميش ما فرض عليه تقديم بعض التنازلات أو الترضيات.

استطاع الغزالي صياغة خطاب أصبح خطاب السلطة والعامة معًا بسبب بنيته الأشعرية المساندة للسلطة السياسية، والصوفية التي قدمت للخاصة والعامة عزءًا تواجه به سطوة السلطة. وفي مجمله أعطى السلطة السياسية سلاحًا أيديولوچيًا لمواجهة الفكر الشيعي. أصبح خطاب الغزالي هو الخطاب المهيمن، وأسس ما أصبح يُعرف بالوسطية في الفكر الديني، والتي تماهت مع الدين نفسه في شعار الإسلام دين الوسطية لتستمد مشروعيتها من القرآن نفسه كتجلي للآية “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ”.

أصبح الغزالي هو الممثل الرسمي للتصوف السُني الذي يوضع غالبًا في علاقة تضاد مع التصوف الفلسفي، بعد اعتماده على الحلول الوسطية اتباعًا لمنهج الأشعري. احتوي الغزالي الشطح الصوفي -مثل تصوف الحلاج- باستخدام لغة متحفظة يراها أبوزيد همزة الوصل بين حلولية الحلاج ووحدة الوجود عند ابن عربي، منتهيًا إلى نفي الوسطية عنه فهو الذي يرى أن الله هو الفاعل على الحقيقة في كل جزئيات العالم وأحداثه. كما شارك الغزالي في سجال سياسي ضد الشيعة استجابةً لأوامر الخليفة العباسي، مستخدمًا نفس آليات الفكر الشيعي. لينتهي به الأمر إلى إدراك أن نشاطه الفكري لم يكن مرادًا به وجه الله تعالى كما قرر في “المنقذ من الضلال”.

اختار ابوزيد نقض الغزالي لمبدأ الإمامة عند الشيعة لإظهار تناقضه. فقد اعتمد الغزالي على نقد الأخبار التي يعتمد عليها الشيعة للقول بإمامة علي بن أبي طالب “نصًا” وكذلك إبطال قولهم بعصمة الإمام، بينما يؤسس لأحقية الخليفة المستظهر بالله بأنها “اختيار إلهي مباشر”!

بعد أن يقول الغزالي أن الإمامة تنعقد بالنص أو اختيار المسلمين، يتجاوز فكرة الاختيار لما تثيره من إشكاليات مستندًا إلى جواز انعقاد الإمامة ب”الشوكة”، أي بالقوة والغلبة، بمنهج ظاهره الوسطية وحقيقته الانحياز. فالله هو الفاعل على الحقيقة، ولا وجود لفاعلية بشرية أو قوانين اجتماع بشري أو حتى قوانين الطبيعة. يكفي فقط مبايعة شخص واحد يمتلك الشوكة التي تؤدي إلى طاعة الناس له حتى يصبح ذلك اختيار إلهي مرتبط بمشيئة إلهية مطلقة قادرة على مواجهة النص الشيعي.

بعد صلب الحلاج تبنى الفكر الصوفي بنية الفكر الإسماعيلي بشكل شبه كامل، مع تحول الإمامة إلى الولاية والإمام إلى القطب والنقباء إلى أبدال، إلا أن ذلك لم يمنع التقارب بين التصوف والسُنة التي قبلت العرفان الصوفي ورفضت العرفان الشيعي، خاصةً بعد تحول التصوف إلى مؤسسات دينية اجتماعية يديرها شيوخ، وترعاها الدولة لتلتمس منها الدعم الشعبي. ما يؤكد أن الصراع كان سياسيًا أكثر منه معرفيًا.

لا ينكر أبوزيد حيوية منظومة الغزالي الفكرية حيث اجتمع فيها البيان والعرفان والبرهان، بالغياب أو الحضور أو المساجلة، لكنها انتهت إلى تبرير السياسي بالفكري، وجعلت المعرفي تابعًا للسياسي، وسط تراجع اجتماعي وسياسي كامل انتهى بقدوم المغول الذين دمروا كل شئ.

كان الجو في الأندلس مختلفاً، فشاع التسامح وشجعت السلطة على ترجمة كتب أرسطو، إلا أن الوضع تغير كما هي عادة السياسة، فضحى الحاكم بابن رشد. يعتبر ابن رشد أن الفلسفة/البرهان قادرة على حل المشكلات التي تسبب فيها المتكلمون فأصابوا الناس بالارتباك وآذوا الشريعة. واعتبر ابن رشد أن البرهان والشريعة يعبران عن الحقيقة باختلاف لغة التعبير. فاستخدمت الفلسفة لغة ثلاثية الأبعاد فيها اللغة الخطابية للعامة واللغة الجدلية للفقهاء والمتكلمين، ولغة البرهان للفلاسفة. وأرجع ابن رشد هذا الاختلاف إلى اختلاف طبائع الناس.

كان مصدر خوف ابن رشد هو الخوف من كفر العامة بالبرهان والشريعة نتيجة إشاعة التأويلات بين الناس كما فعل الغزالي وغيره. وأدى ذلك تمسك ابن رشد بالبقاء على الهامش بدلًا من المواجهة، لينهى عن تداول كتب الجدل والبرهان بين الناس من غير أهل العلم، وقسّم الناس إلى ثلاثة أقسام تبعًا لنوع الأدلة الملائم لكل قسم. واستند إلى الأية “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ” لتكون الحكمة هي البرهان، والموعظة هي الأدلة الخطابية، والأدلة الجدلية في الفعل “جادلهم”. واعتبر ان هذا الاختلاف ناتج عن الاختلاف الفطري بين الناس.

بدلًا من الغزالي الذي قسّم الناس إلى قسمين، قسّمهم ابن رشد إلى ثلاثة، وهو ما يرى فيه نصر أبوزيد نقطة البداية للتعامل مع ابن رشد الذي يهم عصرنا، لا ابن رشد التراث. ليتجه ابن رشد إلى الوسطية -كما فعل الغزالي- لإبقاء الوضع على ما هو عليه حتى لو أدى ذلك إلى بقائه على الهامش، مدفوعًا بالحرص على عدم إلحاق الأذى بالشريعة وعدم إرباك الناس كما فعل المتكلمون من أشاعرة ومعتزلة.

هذا التوسط الرشدي لا يتماثل مع توسط الغزالي رغم ضغطه عليه، فالتأويل عند الغزالي يبدأ من النص ليصل إلى العالم عبر المعراج الصوفي حيث يتصل خيال الصوفي باللوح المحفوظ في عالم الملكوت لاكتشاف الحقائق المستترة فيه، ويكون التأويل هو فك شفرة النص من أجل فهم العالم. أما عند ابن رشد فاتجاه المعرفة معاكس تمامًا يبدأ من العالم الطبيعي وصولًا إلى ما وراء الطبيعة. والبرهان على وجود الله لابد أن يبدأ من الموجودات للكشف عن الفرق بين الوجود والإمكان وبين المادة والصورة، وصولًا إلى علة غير مادية ضرورية أزلية، محرِّكة غير متحركة.

لكن ابن رشد يقدم الترضيات، فيقترح التركيز على فكرة أن الله نور في تعليم العامة، وهو ما يتشابه مع طرح الغزالي في مشكاة الأنوار وكأنه يقدم له دعاية مجانية ويساهم في زيادة مقاومة العامة للبرهان. كما يختلط العرفان والبرهان عند ابن رشد لدرجة اقترابه من ابن عربي فالله عنده “هو الموجودات كلها، وهو المُنعِم بها والفاعل لها”. ثم يحل معضلة خلق الله للشر بمنهج وسطي يعتبر أن الشر في النهاية خير، ويرجع الاختلاف حول قِدم العالم وحدوثه إلى اختلاف التسمية في منهج مشابه لمنهج ابن عربي الذي اعتبر العالم قديمًا في علم الله، ومُحدثًا من حيث ظهورة الحسي.

ويعتبر أبوزيد أن ذلك كان نتيجة ضغط الخطاب المناقض لخطاب البرهان، فأدى إلى سجن التأويل البرهاني داخل دائرة الخاصة، فلا تتجاوزهم وصولًا إلى عموم الناس.

كما أسس ابن رشد مشروعية النظر الفلسفي على الأوامر القرآنية بالتدبر والتفكر، أسس مشروعه التأويلي على أساس فقهي حيث البرهان هو الوجه العقلي للقياس الفقهي الشرعي. أما إذا ورد في البرهان ما يخالف الشرع، وجب تأويل الشرع ليطابق البرهان لأن كليهما حقيقة، والحقيقة لا تخالف الحقيقة. ويبدو أن هذا المبدأ كان المبدأ الذي رفض ابن رشد تقديم أي ترضية فيه. فالخلاف عن ابن رشد يكون بين البرهان و”ظاهر الشرع”، وهذا الظاهر قابل للتأويل بكل حسم عند ابن رشد.

لكن ابن رشد يعود ليقدم تنازلًا بحصر التأويل في المجاز -كما قال المتكلمون- بما لا يخالف اللسان العربي، ما يجعلنا نسأل عن سبب هجوم ابن رشد على المتكلمين في البداية؟!

يعتبر نصر أبوزيد أن إنجاز ابن رشد هو أن حركة المعرفة عنده تبدأ من العالم الطبيعي استدلالًا إلى ما بعد الطبيعة، ثم نزولًا إلى النص بالتأويل. وهو إنجاز متواصل مع التراث الاعتزالي غير متناقض معه، ليصبح امتدادًا للتراث المهمش. هذا ابن رشد عصره فماذا عن ابن رشد الذي يهمنا في واقعنا المعاصر؟

القضية الأولى التي تهمنا من قضايا الخطاب الرشدي هي قضية التعددية، والثانية هي التأويل. فهم البعض أن محور فلسفة ابن رشد هو نفي الاختلاف بين الفلسفة والشرع، لكن المهم أنه أثناء فعل ذلك كان يؤصل للتعددية والاختلاف بين البشر، ويؤكد أن رفع الاختلاف لا يتم إلا بآليات العقل الإنساني لاكتساب المعرفة البرهانية اليقينية، وتأويل ما يتعارض مع هذه المعرفة. أي أن ما يهمنا من ابن رشد هو آليات تفكيره باعتبارها شئ قابل للحركة والتطور، وليس النتائج النهائية التي وصل إليها.

يعتبر ابن رشد أن اتصال الحكمة بالشريعة ناتج عن تمايزهما في المناهج والأدوات، وفي الوقت ذاته التآلف والانسجام نتيجة احتياج الناس لكليهما نتيجة اختلاف طبائعهم، وهو ما تراعيه الشرائع السماوية، مع الجزم بيقينية المعرفة البرهانية، وظنية المعرفة الجدلية، وتخيلية المعرفة الخطابية.

حرصت الشرائع على التعامل مع التعددية بوصفها حقيقة سابقة عليها، وهو ما ظهر في تعددية بنية خطابها ليصبح مفتوحًا لآفاق الفهم والتأويل. إن ثنائية الظاهر والباطن لا تهدف إلى الإخفاء، بل للسماح لجميع البشر بأن يكونوا مخاطبين بالخطاب الإلهي على اختلاف مستوياتهم. تعدد مستويات الخطاب الإلهي يؤدي إلى تعددية التأويلات، وهنا كان دور ابن رشد في وضع الضوابط المعرفية التي تمنع التشوش وتبعية التأويلات للأهواء، لكن بما لا يلغي التعددية. وهو ما يظهر في موقفه المعارض لمفهوم الإجماع، الذي يبقى ظنيًا لا يرقي إلى مستوى البرهان. ولا يعني ذلك عدم وجود ثوابت عند ابن رشد، فالثوابت يمكن الوصول إليها بمستويات الدلائل المرتبطة بمستويات المعرفة الثلاثة: البرهانية والجدلية والخطابية، وفي مقابل هذه المستويات يميِّز ابن رشد بين ثلاثة مستويات للتأويل تتجاوب مع مستويات المعرفة.

يعتبر ابن رشد أن السعادة الأخروية والشقاء الأخروي من الثوابت المعلومة بالطرق الثلاثة، لذا فالمتأول بإنكارها كافر، لكن تأويل كيفية السعادة وكيفية الشقاء اختلاف مقبول لأنه لا يؤدي إلى نفي الوجود. فاختلاف العلماء وتعدد التأويلات نتيجة طبيعية للتعدد والاختلاف الطبيعي بين البشر، ماينزع عن فكرة الإجماع أي سلطة معرفية أُضيفت عليها في سياق تاريخنا الفكري.

للتأويل في خطاب ابن رشد جانبان: اعتماده على البرهان في تحديد المعنى والدلالة، وعدم مخالفته لقوانين اللغة العربية. ولأن درجات الناس في العلم بالجانبين متفاوتة، يظل التعدد والاختلاف قائمين مهما بُذل من جهود للوصول إلى المعرفة البرهانية اليقينية، أو في محاولة فهم قوانين اللغة. لذلك يرى نص حامد أبوزيد أن انحياز ابن رشد إلى التعددية والاختلاف حتى لو على مستوى التأويل هو القيمة التي تجعلنا في احتياج لاستدعاء ابن رشد من منفاه، لا لنخوض صراعاته بل لنضيف إليها ما حققته البشرية من إنجازات على صعيد المساواة بين البشر، والتي كان أساسها برهان ابن رشد وحرصه على التعددية والاختلاف.

1000044615-211x300 في مطبخ نصر أبوزيد... الخطاب والتأويل (١)

في الفصل الثاني من الكتاب يقدم نصر حامد أبوزيد قراءة نقدية لفكر زكي نجيب محمود باعتبار أن هذه القراءة هي أفضل تكريم لمفكر بحيث يفصل فيها الجوهري والثابت عن المؤقت واللحظي. والسؤال الذي يحاول أبوزيد الإجابة عليه من خلال كتاب حصاد السنين لزكي نجيب محمود هو لماذا كان حصاد التنوير فقيرًا إلى هذا الحد؟

والبداية مع الخطاب التنويري الذي قابله الكاتب في مستهل حياته كصدى للتنوير الأوروبي الذي لخّصه في بعدين: الحرية على مستوى الأفراد والشعوب، والتطور كأساس لفهم الحياة الاجتماعية والطبيعية. واستمر الخطاب التنويري في التقدم ليجد نفسه محاصرًا بتناقضات مع الفكر الغربي الذي انطلق منه، ومع نقيضه السلفي الذي رأي في كل قادم من الغرب قضاءً على الذات وانتهاكًا للهوية. ليعتبر الكاتب أن الأزمة هي أزمة العقل ويربطها بانعدام التفكير العلمي.

في علاقة الخطاب التنويري بنقيضه السلفي يرى أبوزيد أن الهجوم الدائم الذي يتعرض له التنويري يفسر حالة الاستسلام والانسحاب المتكررة. أي أن أزمة العقل نفسها تحتاج إلى تفسير. ولا يمكن تفسيرها بازدواجية المثقف بين فكره وممارسته، التي هي ظاهرة تحتاج إلى تفسير أيضًا. اتصف الخطاب التنويري بالجرأة في نقد الواقع الثقافي والاجتماعي، لكنه عند الاقتراب من التراث كان يلجأ للتبرير والتحسين، فعجز عن إحداث وعي علمي حقيقي بالتراث الديني ينقل الثقافة من حالة إلى أخرى.

ويؤكد أبوزيد أن خطاب التنوير ليس مسئولًا وحده عن الإخفاق، لكنه موضوع الدراسة هنا للبحث عن عوامل الإخفاق في بنيته، دون إهمال العناصر الأخرى. وأول هذه العوامل هو الموقف التبريري للخطاب التنويري من التراث الديني، الذي حوَّل التراث إلى منطقة محرمة لا تخضع لآليات التحليل العلمي، نتيجة وقوع خطاب التنوير بين سندان الخطاب السلفي ومطرقة الخطاب الغربي.

يعتبر نصر أبوزيد أن أول العناصر المكبوتة في خطاب التنوير هو إجابة سؤال كيف حقق الغرب نقلة النهضة من ظلام عصورها الوسطى إلى نور التقدم؟ والإجابة الحقيقية هي نقد الفكر التنويري هناك للتراث والعقائد، ومن هنا يمكن إدراك أسباب عجز خطابنا التنويري. بينما بدأ خطابنا التنويري من ثنائية الماضي ممثلًا في الدين والثقافة والعادات والتقاليد، والمعاصرة ممثلة في العالم القادم من الغرب. ورأي الحل في إضافة الحاضر إلى الماضي، وعندما يجد تعارضًا بينهما يلجأ إلى التلفيق الذي يميل إلى جانب الماضي.

ويرى أبوزيد أن مفهوم تحليل الخطاب قادر على نقل الخطاب التنويري إلى مرحلة جديدة؛ لأنه لا يفرق بين خطاب وخطاب، حيث يتعامل مع الإنسان كوحدة واحدة مهما اختلفت قنوات الإدراك بين العقلي والوجداني. وضع الخطاب التنويري التراث في خانة الوجدان كي لا يخضعه للتحليل العلمي على سبيل التُقية في مواجهة الخطاب السلفي، لكنه حافظ على التمييز بين المعقول واللامعقول، بل وانحاز إلى جانب المعقول ما يؤصل لتاريخية التراث الديني، التي تمكننا في النهاية من طرح كل الأسئلة المكبوتة بلا خوف أو تردد، ويمارس العقل الحرية اللازمة للنقد فيتحول من الإذعان إلى إنتاج المعرفة.

من خلال قراءة خطاب زكي نجيب محمود يجد أبوزيد أزمة المثقف العربي حاضرة في التعارض بين التراث ومعرفته المجمدة والغرب ومعرفته النشطة، ما يجعله ممزقًا بين الاغتراب العاطفي والاغتراب الفكري. وهو موقف نجده بدرجات مختلفة مع رواد مشروع النهضة بدايةً من رفاعة الطهطاوي، إلا أنه مع زكي نجيب محمود اتخذ شكلًا راديكاليًا من نبذ التراث إلى نبذ الحضارة المعاصرة، مدفوعًا بهزيمة ٦٧ والعداء الغربي لمشروعات التنمية والتقدم في العالم العربي.إلى جانب هذا التعارض كانت العلاقة مع السلطة السياسية تلقي بظلالها على مشروع النهضة، وكان رواده من يدفعون الثمن في لحظات الانكسار السياسي. كل ذلك فرض على المشروع معادلة توفيقية تنتهي إلى التلفيق بإخضاع طرف إلى طرف أخر، ففشل مشروع النهضة في إنتاج مركب جديد يستوعب الأطراف المتصارعة داخل بنيته. أدى ذلك إلى اعتماد زكي نجيب محمود على قراءة نفعية للتراث، أي قراءة التراث من خلال منظار القدماء، ما جعلها قراءة لا تضيف جديدًا. ورغم إدراكه أن هذه القراءة لا تصلح لحل مشاكلنا المعاصرة، لم يتوقف أمام ذلك طويلًا، إلا أنه كان خطوة جعلت جيل تالي يحاول تجديد التراث، في انتظار جيل جديد ينتقل من التجديد إلى القراءة العلمية.

ويعرج نصر أبوزيد على دفاع الدكتور محمد عمارة عن الجانب الإسلامي في كتابات زكي نجيب محمود، وهو الدفاع الذي انتهى إلى عدم التزامه بالمنهج الإسلامي بشكل كامل. ليؤكد أبوزيد أن مسألة “الالتزام بالمنهج الإسلامي” هي مربط الفرس في التعامل مع التراث؛ لأنها تضمن عدم إنتاج أي جديد بإلغائها لتعددية التراث الفكري العربي الإسلامي، واعتمادها تفسيرًا واحدًا للإسلام تعتبره التفسير الوحيد الصحيح للحكم على كل فكر وإبداع. عاب محمد عمارة على زكي نجيب محمود اعتباره التراث كتراث عقلي، في محاولة متكررة للتوحيد بين التراث والوحي، ونفي لتعددية التأويلات في التراث الإسلامي نفسه، والهدف هو اغتيال الرجل بإخراجه من دائرة الإسلام.

في هذا التناول لموقف د. محمد عمارة نسخة السبعينات مقابل موقف د. محمد عمارة نسخة التسعينات لكتاب الإسلام وأصول الحكم الذي كتبه الشيخ علي عبدالرازق، يوضح نصر حامد أبوزيد كيف يمكن أن يغلب الأيديولوچي على المعرفي لنفس الشخص عند تغيّر السياق. احتفى محمد عمارة نسخة السبعينات بالكتاب وكاتبه واعتبره كتاب في السياسة وامتداد لمشروع محمد عبده الإصلاحي، ولم يعتبر أنه يخوض في شأن ديني أو عقائدي. ورأى أن القضية التي ثارت ضد الكاتب كانت سياسية وليست دينية بدليل تراجع الأزهر عن موقفه من علي عبدالرازق بعد زوال الأسباب السياسية التي أدت للموقف الأول. ومع هذا الاحتفاء بالجانب السياسي للكتاب، وجّه عمارة عدة انتقادات فكرية للكتاب مع تأكيد أنها لا تقلل من قيمته الفكرية وأهمية ما أثاره من نقاش.

أما محمد عمارة نسخة التسعينات فتحولت من الحماس للعقلانية اليسارية إلى الحماس لمشروع الإسلام السياسي، ونادت بقيام الدولة الإسلامية وهاجمت خطاب النهضة. وكان من الطبيعي أن تعيد النظر في قيمة كتاب علي عبدالرازق، بل وتوظفه في سياق المعركة التي تخوضها نسخة محمد عمارة الجديدة، متجاهلة سياق كتابة الكتاب، لتقوم السياسة بتوجيه الفكر، وتسيطر الأيديولوچيا على المعرفة. بعد أن كان الكتاب يتناول قضية سياسية، أصبح يهدف إلى علمنة المجتمعات الإسلامية بتفريغها من محتواها الحضاري والثقافي؛ لتصبح تابعةً للمشروع الثقافي الغربي.

أصبح الكتاب من وجهة نظر عمارة نسخة التسعينات يتعامل مع الإسلام على أنه عقيدة بلا شريعة، ودين بلا دولة، مستدعيًا التنوير الغربي العلماني إلى الواقع الفكري الإسلامي. هذا فيما يتعلق بالمضمون، أما فيما يتعلق بالشكل فقد حاول عمارة نسخة التسعينات الفصل بين الشيخ علي عبدالرازق والكتاب، بإثبات تراجعه عن آرائه في الكتاب، ثم نسبتها إلى أخر يتم توجيه أصابع الاتهام إليه وهو طه حسين عبر حبكة بوليسية سخيفة ينقلها عن روايات آحاد، ويكتنفها المكر والتآمر، وكأنه عبدالله بن سبأ الشخصية التي اخترعها رواة التاريخ الإسلامي؛ لتبرير كل اختلاف وثورة على الوضع القائم في حينه.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات