قعدة حشيش.. عودتي إلى الوطن الذي لم يعد حلقة 10.. بقلم: محمود عماد 

man sitting on a couch holding a spliff

هذه سلسلة مقالات عن تجربة ذاتية لمغترب بعد العودة إلى مصر ورصد التغيرات التي حدثت وتحدث على مدار السنوات، وقد تتشابه تلك التجربة مع تجارب ملايين المصريين المغتربين في شتى بقاع الأرض!

محمود عماد

d985d8add985d988d8af-d8b9d985d8a7d8af قعدة حشيش.. عودتي إلى الوطن الذي لم يعد حلقة 10.. بقلم: محمود عماد 

المكان: داخل شقة في ميدان العتبة.
الزمان: التاسعة مساء يوم الأربعاء من صيف يونيو عام 2024.

في غرفة كبيرة يملؤها الدخان الكثيف تحتوي على تلفاز مغلق وأريكتين باللون الذهبي المطعم باللون البني ومنضدة زجاجية مستطيلة لها أرجل خشبية ومروحة بيضاء تستند على عمود بارتفاع نصف متر عن الأرض وجدران الغرفة بلون أخضر شاحب ولا يمكن تمييزه من كثافة الدخان المتصاعد من الجوزة الموجودة على المنضدة.

artworks-000080000186-s69y79-t500x500-1-edited قعدة حشيش.. عودتي إلى الوطن الذي لم يعد حلقة 10.. بقلم: محمود عماد 

حول المنضدة يجلس 5 شباب يشربون الحشيش ويتبادلون أطراف الحديث وتعلو ضحكاتهم عنان السماء ويتمايلون كما يتمايل الدخان من جوزتهم ويغنون ألحان الحياة والمرح.

الأبطال:

حازم صاحب الشقة
محمود صديقه الأول
سامح  صديقه الثاني
أدهم صديقه الثالث
علي صديق أدهم 

حازم 
شاب مصري عادي مواليد التسعينات كان يحلم أن يصبح ظابط شرطة حيث كان يملك مقومات جسدية ممتازة ومهارات شخصية جعلته يتقلد منصب قائد الشرطة المدرسية طوال سنوات المدرسة في كل السنين، رغم ذلك فقد فشل في اختبار الهيئة، ليدخل كلية لم يحلم بدخولها رغم تفوقه فيها وتخرجه منها منذ 5 أعوام ولا يزال يتنقل من عمل لآخر ولم يجد الوظيفة التي تناسب مؤهله العلمي ويعمل حالياً في إحدى سلاسل المطاعم الكبيرة التي انتشرت بشكل واسع في مصر بدون تأمينات ولا حوافز وبأقل من الحد الأدنى للأجور.

حازم هو صاحب الشقة الذي دعى هؤلاء الشباب في شقته كما هي العادة، لكن اليوم صادف حادث سعيد، فقبل عدة ساعات من هذا اليوم قابل حازم محمود بعد أن علم بزيارته إلى مصر وأصرَّ حازم أن يأخذه إلى شقته على الفور، لقد قرر حازم الاحتفال بزيارة محمود على طريقته الخاصة. 

محمود 
شاب مصري عادي كان يحلم أن يصير معيد بالكلية بعد أن تخرج بتقدير امتياز لكنه فشل في تحقيق هذا الحلم لوجود بعض التضيقات الأمنية نظراً لخلفيته السياسية المعارضة فسافر لدراسة الماجستير خارج مصر وعاد من يومين في أول زيارة له بعد مدة كبيرة قضاها في الخارج. 
وهو صديق حازم تعرف عليه في الكلية حيث جمعتهما علاقة قوية بعد ثورة يناير وما تلاها من أحداث سياسية فهما من المهتمين بالمشاركة في الأنشطة داخل الكلية رغم خلافاتهما الفكرية في جوانب عدة.

pexels-photo-8139194-300x200 قعدة حشيش.. عودتي إلى الوطن الذي لم يعد حلقة 10.. بقلم: محمود عماد 

وبعد أن دخل الشقة تفاجأ محمود بوجود أشياء غريبة على المنضدة فسأله محمود:

– محمود: إيه الحاجات دي؟ 

= حازم: اقعد بس، وبدأ يخرج مادة بُنيَّة ويشعل بها النيران 

– محمود: دا حشيش؟! سأله باندهاش. 

= حازم: أيوا مالك مخضوض كدا، عاوز تجرب؟

– محمود: أنت من إمتى بتشرب؟ وليه يا حازم؟! 

= حازم: يابني أنا بشرب من زمان من قبل ما أعرفك بس الفترة اللي كنا فيها في الكلية كنت محترم ومبطــّـل.

– محمود: وإيه اللي رجعك تاني؟ وقد وقف وهمّ بالانصراف.

= حازم: وهي دي بلد حد يعرف يبطل فيها، اقعد بس، إنت عارف مين جاي كمان شوية؟ واستنشق نفس عميق من الجوزة.

– محمود: مين؟ 

= حازم: سامح.

– محمود: سامح مين! سامح صاحبنا الإخواني.

=حازم: طب ما انت كنت إخواني وأنا كنت ماشي مع السلفيين، عادي، اقعد بس أنا مجهزلك مفاجأة.

سامح 
شاب مصري عادي تخرج من الكلية منذ عدة سنوات متزوج ولديه طفلة رقيقة عمرها سنتين ويعمل مهندس في إحدى المؤسسات المملوكة لدولة الإمارات على الأراضي المصرية، كان  سامح ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين أيام الجامعة وبعد تخرجه ترك الجماعة بعد أن تم اعتقال أخويه الأكبر والأصغر وقد سافر الأصغر فور خروجه من السجن إلى الخارج خوفاً من التهديدات المستمرة بالاعتقال أما الأكبر فقد مكث 7 سنوات ولا يعلم أحد متى ينتهي هذا الكابوس.

رن الجرس فقام حازم ليفتح الباب وما إن رأى سامح محمود إلا وصعق من هول المفاجأة وهرع إليه يحتضنه في سعادة غامرة وظل يحدق إليه كثيراً، لا يصدق أنه رأه مرة أخرى حتى قاطعهما حازم ليجلسوا.

سامح: عامل إيه؟ وأخبار بلاد الفرنجة إيه على حسك؟

محمود: الواحد محسش بطعم الغربة غير لما رجع وقعد وسط أهله وأصحابه، أنا كنت خلاص عودت نفسي على الوحدة.

سامح: ليه معندكش صحاب هناك؟

محمود: لا عندي زملا ومعارف وعلاقتي بيهم كويسة بس محدش وصل أنه يبقى صاحبي.

سامح: أكيد محدش حيفهم دماغك، إذا كان احنا صحابك من 10 سنين ومش بنفهمك.

حازم: خخخخخ هاهاهاهاهاههه ضحك ومد يده ليسلم على سامح. 

محمود: هاهاهاهاههه أنت بتقول فيها، فعلا مقدرتش أكون صحاب، ياااه يا جدعان وحشتوني ووحشتني قعدتكوا.

سامح: الله يخليك يا حبي، أنت كمان وحشتني أوي. إيه يا حازم أنا شايفك عمال تشد بقالك ساعة مش الدور بيلف بردو.

حازم: ما أنا سايبك لحنين الذكريات بتاعكو.

سامح: وهي يعني الذكريات هتقول لا محدش يسترجعني وهو بيحشش هاهاهاهاها.

حازم: هاهاهاهاهاههه خلاص الرصة دي بتاعتك. 

محمود: أنا مش مصدق عيني يا سامح إنت إزاي تسمع كلام الواد البايظ دا ويخليك تشرب البتاع دا.

حازم: متغلطش في البتاع دا، عاوز تغلط اغلط فيا وأنا هقوم أعمل معاك الصح.

سامح: لا متفهمش غلط أنا مش بشرب، دا تفاريحي كدا بس لما بنزل أجازة، أنا أصلا طول الشهر مدعوك في الموقع وبنزل 5 أيام وساعات كمان مبنزلهومش وبلحم شهرين فبعض.

محمود: يااه للدرجادي! 

سامح: اه والله الواحد طلعان ميتينه بس الحمد لله يعني أحسن من مفيش وبعدين هما متمسكين بيا وقريب هبقى مدير المشروع.

محمود: طب مش بتفكر تسافر؟

سامح: فكرت طبعاً وكنت هسافر فعلاً، فاكر الواد مصطفى اللي أكبر مننا بدفعتين؟

محمود: فاكره اه، ماله؟ 

سامح: جابلي شغل معاه في السعودية برقم كويس وأنا وافقت وروحت قولتلهم في الشغل إني ماشي خلاص، قاموا قالولي لأ ومسكوا فيا وزودولي مرتبي بنفس الرقم وخلوني كبير مهندسين الموقع وجابولي استراحة لوحدي بعيد عن سكن المهندسين، وجبت مراتي وبنتي معايا هناك، ف بيني وبينك قولت كدا احسن من السفر والبهدلة. طالما مراتي وبنتي معايا ف مش بتفرق بقى نزول الأجازة بتاعت كل شهر.

محمود: تصدق صح، كدا أحسن من الغربة فعلاً. كويس والله، وبنتك اسمها إيه؟

سامح: ليان. 

محمود: ربنا يخليهالك يا حبــــ… إيه ليام دي!

سامح: ليااااان ليان بالنون. 

محمود: إيه يابني الأسامي الغريبة دي.

سامح: أنا عارف بقى، أمها هي اللي سمّتها. 

حازم: أيوا على اسم أنثى السلطعون في موسم التزواج.

محمود: على اسم محاق الليل الحزين في ليالي شتاء المحيط الهادي عند الحضارة السيكسوفونية.

ضحك الثلاثة حد الموت وسقط سامح على الأرض وبلل الأرض بدموع ذرفها من كثرة القهقهة وبينما هم مستغرقون في نوبة الضحك رن الجرس بصوت عالي أسكتهم جميعاً.

قام حازم يفتح الباب وقام بترحيب كبير ليدخل أدهم وعلي ومعهما بعض الأدوات والمستلزمات في أكياس سوداء.

بعد السلامات والتعارف المقتضب جلس أدهم وبدأ توضيب المسائل وأخرج بعض قطع الحشيش الملفوف بالسلوفان ووزعها عليهم كما أخرج بعض زجاجات المياه الغازية المثلجة وزجاجة أخرى مختلفة الشكل. 

وسأل الجميع: حد هيشرب براندي معايا؟ 

لم يجبه أحد. 

فقال: حلو أوي الكلام دا.

سامح: مش تقول يا حازم إن الكبير جاي.

حازم: ما أنا قولت أعملهالك مفاجأة. أدهم بقى دا يا محمود هو اللي علمني الكيف وهو كان أكبر منّي لما عرفته وأنا ف ثانوي، بس راجل تمام وصاحب صاحبه عشان كدا مسمينه البروف.

سكت محمود ولم يعلق لكنه حمل في قلبه اللعنات للبروف، هذا الشيطان الذي استدرج هؤلاء الشباب لطريق الضياع، من المؤكد أنه يستغل الحمقى لتستمر تجارته ويصبح المورد الوحيد للشباب الساذج الذي يخدعهم بصداقته.

سامح: معرفتناش يا بروف مين اللي معاك؟

أدهم: دا علي، راجل جدع مايتخيرش عنك يا أخويا، جاي من محافظة الشرقية الشقيقة وكنت هاخده معايا الخُوّن بتاعي بس لما حازم قالي أجيله انهارده، جبته وجيت.

حازم: على راسي يا صاحبي، ضيوفك ضيوفي.

سامح: منورنا يا علي.

علي: تسلم يا ريس.

محمود بنبرة حدة وغضب سأل الجميع: إنتو إيه اللي يخليكوا تشربوا البتاع دا؟!

علي: أنت شوفت فيلم ثرثرة فوق النيل؟

محمود: شوفته اه بس من زمان مش فاكره أوي.

علي: طيب روح اتفرج عليه تاني وأنت تفهم.

71NZI444QvL-208x300 قعدة حشيش.. عودتي إلى الوطن الذي لم يعد حلقة 10.. بقلم: محمود عماد 

بدأت دورة الجوزة تأخذ مسارها الطبيعي وبدأ الشباب الأربعة يتناوبون على شد الجوزة حجر بعد حجر. غمز حازم إلى أدهم فقام بإخراج سيجارة من جيبه وأعطاها له.

نظر حازم إلى محمود: مش قولتلك اني عاملك مفاجأة.

محمود: في دهشة إيه دا؟!

حازم: امسك بس وهتدعيلي.

محمود: سامح قوله يسيبني ف حالي ده.

سامح: سيبه يا حازم ملكش دعوة بيه.

حازم: يابني أنا عاوز أنعنشه، دا بقاله سنين غايب، ودي حاجة جديدة لازم تجربها عشان تعرف الدنيا، أنت هتفضل قفل لحد إمتى.

محمود: أنت تعرف إن العيال في الجيش اتلموا عليا وكانوا عاوزين يشربوني سجاير بالعافية ومعرفوش.

حازم: لا ما أنا مش هخليك تشرب بالعافية، الجوب قدامك أهو عاوزه خده مش عاوز براحتك بس دا معمول خصوصي وبطعم الفراولة كمان زي بتاع البنات عشان تعرف تشربه عشان عارف إنك مش هتستحمل تشرب من الغرقانة بتاعتنا.

محمود: إيه الغرقانة دي؟!

حازم: اللي أنت شايفنا بنشرب منها دي اسمها الغرقانة، ومش هتعرف تشد منها عشان لسه صغير وصدرك ميستحملهاش.

محمود: لا يا حبيبي أنا أقدر أعمل أي حاجة بس أنا اللي مش عايز.

تجاهله حازم وسحب نفس طويل من الجوزة وأعطاها لأدهم ثم شرب من المياه الغازية وشعر بالجوع فقام إلى المطبخ ليحضر الطعام.

ظل محمود يفكر ونار الفضول تأكل صدره ليعرف ما شعور هذا الدخان الذي يتسرب إلى الجسد ثم يخرج سريعاً، وتزاحمت الأفكار في رأسه حتى خرج عن صمته.

وقال: ولَّعلي السيجارة يا حازم.

ابتسم حازم ابتسامة مليئة بالثقة لأنه كان يعلم أن اليوم لن ينتهي بدون احتفاله بمحمود كما خطط من البداية، علَّمه كيف يفعلها وبعد عدة محاولات صاح حازم: أيوا هو دا، شد تاني، كمان، كمان، حاسس بإيه؟

حاول محمود التحدث لم يستطع ولم يتمكن من تحريك جسده فاستلقى على قفاه وأغمض عينيه وتخدرت أطرافه وبدأ يستمع إلى الأصوات من حوله كأن حاسة السمع هي الوحيدة التي مازالت تعمل.

pexels-photo-4786131-683x1024 قعدة حشيش.. عودتي إلى الوطن الذي لم يعد حلقة 10.. بقلم: محمود عماد 

ارتبك حازم وشعر بالخوف على صديقه ونظر لأدهم: هو كويس؟!

أدهم: دا هو كدا زي الفل، هو عشان أول مرة ف بيوصل بسرعة، أما نشغل أغاني عشان نوصل  احنا كمان.

يستمع محمود إلى هذا الحديث وهو مغمض العينين ولا يقدر على تحريك جسده وبينما هو يستمع إذا باللحن الصادر لحن مألوف ناااا نانانا   نانا نن نن   نانانااااااا 

لحظة واحدة إيه دا!!

فتح محمود عينيه ونظر للجميع.

أدهم ممسكاً بالموبايل ويرقص على أغنية يا الميدان.

الميدان-300x220 قعدة حشيش.. عودتي إلى الوطن الذي لم يعد حلقة 10.. بقلم: محمود عماد 

أدهم
شاب مصري مواليد الثمانينات، من أسرة ميسورة الحال، خريج كلية الأداب قسم الفلسفة وعضو سابق في الجوالة والمسرح والأسر الاجتماعية أيام الدراسة، اشترك في عدة أحزاب سياسية قبل الثورة ولم يستمر في أي منها، أثناء ثورة يناير تعرض لحادث سبب له عاهة مستديمة في قدمه تظهر عليه أثناء المشي، متزوج ولديه بنت وولد ويعمل في مجال المبيعات الطبية رغم عشقه للفلسفة.

حالة الذهول تستقر على وجه محمود

استطاع أن يجاهد نفسه ويضغط بكل قوة حتى يعتدل في جلسته وسأل أدهم: أنت ليك في الثورة بردو؟!

أدهم: ليا في الثورة! يابني إنت أكيد ملكش في الثورة زي اللي ليا فيها.

محمود: أوبا دا أنت طلعت مناضل بقى وأنا اللي كنت فاكرك ديلر.

أدهم: هاهاهاها ديلر إيه بس، يابني أنا بجيب للرجالة دي معايا بالحب.

محمود: بس أنت عارف اللي بتعمله دا غلط.

أدهم: وإنت مبتعملش حاجة غلط.

محمود: محدش مبيغلطش.

أدهم: طيب قول لنفسك.

محمود: صح عندك حق.

حازم: بس الحشيش مش حرام يا بروف الخمرة هي اللي حرام.

محمود: أنت كدا بتخرف بقى.

أدهم: لا حرام، حشيش، خمرة، أي حاجة تذهب العقل تبقى حرام.

محمود: صح يا بروف.

أدهم: إنت عارف أنا عندي قانون أشرب في أي مكان خلقه ربنا إلا شقتي، عشان مش عايز عيالي يشوفوني وأنا كدا، وناوي إن شاء الله لما بنتي تِكبر وتفهم أبطل الضرب خالص.

محمود: صح يا بروف والله برافو عليك.

أدهم:  بعد لحظات من الصمت، رغرغت الدموع من عينيه وانتحب صوته وتسائل مستنكراً “أنت عارف أنا بغيب عن الوعي ليه؟”

محمود: ليه؟

أدهم: عشان أتعامل مع البهايم ولاد الوسخة اللي ماشين في الشارع تحت، دول. وأنا فايق مبعرفش أتعامل معاهم بيحسسوني إني مجنون ببقى عاوز أقتلهم، وأنا مش عاوز أخش السجن وأسيب عيالي عشان كدا بشرب صبح وليل.

استفاض أدهم في الحديث وكأنه كان يريد أن يلقي محاضرة في قاعة المؤتمرات، ينصح الشعب فيها بضرورة التغيير وأهمية التنوير وظل يطوف على مدارس الفلسفة ويشرح للشباب أهمية الوجودية والعبثية وما إن وصل إلى المدرسة الرواقية حتى قال: إنتو عارفين الرواقية دي تعريفها إيه؟ دي باختصار

وفتح أغنية “اه لو لعبت يا زهر” ووقف يرقص على أنغامها فقام محمود وسامح يشاركاه الرقص وتعالت الأصوات واهتزت الأرض من تحت أقدامهم، حتى تعبوا وجلسوا مكانهم مرة أخرى.

pexels-photo-9005485-1024x682 قعدة حشيش.. عودتي إلى الوطن الذي لم يعد حلقة 10.. بقلم: محمود عماد 

رجع سامح يجلس بجوار علي وبعد أن التقط أنفاسه سأله: وإنت يا علي إيه اللي خلاك تشرب حشيش؟

علي 
شاب من مواليد الثمانينات من عائلة متوسطة في ريف مصر بمركز من مراكز محافظة الشرقية، درس اللغة الفرنسية في كلية الألسن ويعمل مدرس فرنساوي في ذات المركز ويعيش من الدروس الخصوصية لأن مرتب المدرسة زهيد جداً، كان يحلم أن يسافر إلى فرنسا لكن بعد أن تزوج وأنجب طفل تلاشى هذا الحلم في دوامة المسئوليات والالتزامات التي تجبره أن يواصل الليل بالنهار في دروس لا تتوقف حتى يستطيع أن يسد مصاريفه الشهرية.  

حازم: هو إيه اللي ليه يا بني؟ حد عايش في البلد دي ويسأل السؤال دا، أنت المفروض تسأل أي حد مبيشربش لغاية دلوقتي مبيشربش ليه.

علي: بص يا سيدي، أنا عصبي جداً وشغلانة التدريس دي تعصب أي حد هادي أصلاً، يعني أنت لو مكنتش عصبي بعد أول شهرين حتشد في شعرك.

سامح: هاهاهاهاههه.

علي: ف أنا كل يوم الصبح قبل ما أنزل من البيت لازم كوباية القهوة والجوب.

سامح: يعني بتشرب قبل ما تشرح للعيال؟! ومش بتلغبط في الكلام ولا حاجة.

علي: لا بالعكس دا أنا ببقى هادي جداً وأي عيل غبي ولا متعب بعرف أتعامل معاه بهدوء.

سامح: يا سلام، جديدة دي!

علي: وبليل بقى أنت بتبقى راجع تعبان ومش قادر ومراتك عايزه ترغي ولازم تسمعها ف الجوب بتاع بليل دا بردو بيظبط المسائل.

سامح: اه وياسلام بقى لو هتعمل واحد.

علي: أنت متجوز؟

سامح: اه وعندي بنت.

علي: ربنا يخليهالك، طيب يبقى فاهم بقى بيكيف إزاي وأنت مع مراتك.

سامح: ايوا أنا بالنسبالي الحشيش أعلى من أي نوع فياجر.

أدهم: فهمان.

حازم: يا رجالة ما تغيروا السيرة دي وراعوا إن أخوكو متجوزش لسه.

محمود: إيه يا نوغّه شوفت بقى مين اللي لسه صغير!

سامح: وأنت بقي يا علي ليك في الثورة بردو؟

علي: لا ماليش. أنا عمي كان مع الحزب الوطني وهو يعتبر كبير المركز بتاعنا وأي حد بيعوز حاجة بيكلمه ويخلصهاله ومحدش من نواحينا نزل في الثورة بس لما الحزب اتحل أنا الصراحة كنت فرحان في عمي هاهاهاهاهاه عشان يبطل الأنعرة الكدابة، بس بعد ما جم الإخوان بقى أحمد زي الحج أحمد لحد ما جه ابن العرص التاني وجاب دُرَفها. ف كدا كدا كسمها يعني مفيش فايدة على رأي عم سعد زغلول الصغير هاهاهاهاهاهاها.

artworks-000090293829-qe40cx-t500x500-300x300 قعدة حشيش.. عودتي إلى الوطن الذي لم يعد حلقة 10.. بقلم: محمود عماد 

محمود: بقولك إيه يا بروف ما تشغلنا حاجة تانية لكايروكي.

أدهم: بس كدا، من عينيا، اسمع دي.

نظر حازم إلى الغرفة وهي معبئة بالدخان وظل يتأمل في وجوه الحاضرين ويظن أنه في خيال، يحسب نفسه في حلم سيفيق منه على واقع مختلف، حتى أنه استغرق في خياله وقام من نومه ليجد أمه تمسك بكوب من اللبن الدافىء وتنصحه بقراءة سورة الكهف قبل الذهاب إلى امتحان كشف الهيئة بعد أن اجتاز الاختبارات البدنية والنفسية بنجاح، ومر الامتحان على خير ودخل كلية الشرطة وتخرج بحماس الشباب وأخلاق الفرسان حتى إذا جاءت لحظة الاصطدام مع الشعب وقف موقف الشجعان ورفض أوامر القادة والرؤساء وأمر جنوده بعدم التعرض للشعب الثائر وقام بتحيتهم قبل أن يفتح لهم مسار المرور إلى ميدان التحرير ويهتف فيهم “احنا إيدينا تتقطع قبل ما تتمد على المصريين”

ثم شعر بسخونة على خده فإذا بها دمعة تسيل ببطىء تعود به إلى الغرفة مرة أخرى فينظر إلى محمود الذي سيسافر بعدة عدة أيام هارباً من جديد، وإلى سامح الذي خسر أخوته وعائلته ويعيش منكب على أسرته الصغيرة يحميها من المصير الذي تعرض له في الماضي، وإلى أدهم صديقه الجدع الذي كفر بالثورة وأمَن بالتخدير المستمر للألم، وإلى علي الذي لا يكترث لشىء لأنه لم ينتمي من البداية لأي شىء.

يبكي
يبكي بكاءً مريراً وفي الخلفية يسمع غناء أمير عيد:

ناس بترقص وناس بتموت .. وأعلى صوت في الحفلة صوت السكوت 
ناس بترقص وناس بتموت .. وأعلى صوت في الحفلة صوت السكوت 

يلتفت إليه الجميع ويسألوه: مالك يا حازم؟ أنت كويس؟ في إيه ياض؟ 

لا يجيب ويظل يبكي والدموع تنهمر بصمت وصوت الأغنية يرن في أذنه:

ناس بترقص وناس بتمووووت .. وأعلى صوت في الحفلة صوت السكووووت 
………

انضم مع 3 مشتركين

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات