من يحمل عني هذا الوجه؟ .. بقلم: سماء معاوية

سماء معاوية
WhatsApp-Image-2025-08-18-at-00.50.56 من يحمل عني هذا الوجه؟ .. بقلم: سماء معاوية

منذ ما يقرب من خمسة عشر عامًا وفي لحظة صباحية خاطفة في أحد المعاهد الأزهرية بمدينة نصر، التقطت كاميرات الصحافة يدًا ثقيلة تهوي على وجه صغير، تنزع فيه نقابًا أبيضًا بلون الزي المدرسي من على وجه فتاة. كانت تلك اليد لشيخ كبير، لم يحمل في هيبته فقط عمامة الأزهر، بل تاريخ مؤسسة تُصاغ على لسانها شرعية المؤسسة وقوة الدولة، وكان الوجه لفتاة في الصف الثاني الإعدادي تجلس في فصلها، كانت اللحظة أوسع من المدرسة، وأثقل من ستار على وجه، وأعمق من مجرد انتزاع قطعة قماشة، انكشفت في تلك اليد التي انتزعت أكثر مما انكشف في الوجه المغطى. لم تكن هذه اليد تمثل سلطة الأزهر فقط، بل سلطة الدولة حين تعيد تشكيل التدين في كل مرة. ولم يكن النقاب في تلك اللحظة مجرد قماشة، بل رمزًا مشحونًا بتاريخ من التصعيد والتوتر يمتد منذ سبعينات القرن الماضي، حين طُمست به ملامح طفلة استخدمت لتكون امتدادًا لجيل الآباء، حتى أصبح علامة على الهوية، وصراعًا على السلطة، وخطًا فاصلًا بين السنة والبدعة والعادة والعبادة.

بعد تلك الواقعة انعقدت جلسة طارئة لمناقشة قضية النقاب، وتوالت البيانات التي دعت لمنع النقاب، واستخدمت المنابر والوسائل الإعلامية للتأكيد على أن النقاب ليس من الإسلام في شيء وأنه عادة بالية، واستدلوا على ذلك بنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية. وفي المقابل انتفضت التيارات الإسلامية المعنية بشأن تحجيب النساء وتناوبوا الرد على افتراءات الأزاهرة، مستدلين بنصوص أخرى أو حتى ذات النصوص للتأكيد على ضرورة احتجاب السيدات. ثم توالت القرارات الأمنية، بمنعه من المؤسسات الرسمية، لأن الدولة حينها قررت الاستغناء عن دور الجماعات، فكما سمحت بالتوغل والانتشار قبلًا، قررت الحد من ذلك فيما بعد، وتبعه تبرير ذلك فقهيًا من كل طرف.

Screenshot-2025-08-18-at-05.57.37 من يحمل عني هذا الوجه؟ .. بقلم: سماء معاوية


النقاب عادة وليس عبادة

 أصدرت وزارة الأوقاف المصرية كتيبًا نُشر ضمن سلسلة أطلقوا عليها “تصحيح المفاهيم”. ووزع بنسخ هائلة على الخطباء وأئمة المساجد التابعة لوزارة الأوقاف1. واختير العنوان الأساس للكتاب “النقاب عادة وليس عبادة” وبخط أصغر كُتب تحته “الرأي الشرعي في النقاب بأقلام كبار العلماء”. برغم أن لفظ العادة يحضر كثيرًا في كتب الفقه كمصدر للتشريع، باعتبار العادة محكِّمة، إلا أن العادة هنا وفي هذا السياق، لا تبدو محكِّمة على الإطلاق، ليبدو الاستدعاء هنا أقرب إلى توظيفه كمسوغ للحد من انتشار النقاب بنزع صفة القداسة عنه. فحتى لو ارتدته المرأة طلبًا  للثواب وإن مثل لها قيدًا دنيويًا، فنفي صفة العبادة عنه يضعف هذا المبرر للتمسك به والإبقاء عليه.

ضم هذا الكتيب آراء لشخصيات بارزة، استشهد بعضهم بفلاسفة غربيين أعلوا من أهمية بيان الوجه، وأدانوا ما وصفوه بالظاهرة السيئة التي تفشت في السنوات الأخيرة، ورأوا أنها تتنافى مع العقل السليم وتعاليم الدين الصحيحة. وأكد البعض على حرص الشريعة على صيانة كرامة المرأة ورعاية حقوقها. وندد آخرين بالقنوات الإسلامية التي انتشرت كالنار في الهشيم، لتملي علي النساء ما لا طاقة لهن به. واستشهد البعض بآيات2 وأخبار، وأولوا لفظ ” ما ظهر منها”  بالوجه والكفين، وخلصوا إلى أن استثناء الوجه والكفين من خطاب النهي هو دلالة على أهمية ظهورهما. واستشهد أحدهم بقول الإمام النووي في تحديد عورة الأمة والحرة، حيث ذهب إلى أن عورة الحرة جميع بدنها إلا الوجه والكفين بخلاف الأمة. وأشار مفتي الجهورية آنذاك علي جمعة، إلى أن قضايا الثياب مرتبطة بعادات القوم، مؤكدًا على جواز كشف المرأة وجهها وكفيها وأن هذا هو ما عليه العمل والفتوى في الديار المصرية، وهو على خلاف المجتمعات الأخرى التي يتناسب معها مذهب الحنابلة، فلا بأس فيها أن تلتزم النساء بهذا المذهب وفق العادة والعرف عندهم.

النقاب من الإسلام يا فضيلة الإمام

ردًا على هذا الزخم الإعلامي والفقهي المناهض للنقاب، وهذا الهجوم انتفضت جماعة أنصار السنة للرد على ما وصفوه بافتراءات وادعاءات تمس الفهم الصحيح للدين، فأورد رئيس تحرير مجلة التوحيد3 مقالًا بعنوان “النقاب من الإسلام يا فضيلة الإمام” وصف فيه موقف الأزهر بأنه كيد موجه للإسلام المثخن بالجراح في فلسطين، وعدوان على رمزية الحجاب والنقاب في التراث الديني وانتقاص من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة، وأكد أن احتجاب المرأة هو مظهر حياء ورفعة. ورفض كاتب المقال أية احتمالية لدلالة لفظ “ما ظهر منها” على الوجه والكفين، فذهب إلى أن المقصود بها هو الزينة، سواء كانت زينة لا بد لها أن تظهر كظاهر الثياب أو تلك التي تظهر بغير قصد، وبين أن الآية لو أرادت الإشارة للوجه والكفين لكانت ” إلا ما أظهرن منها” إذ أن الفرق قائم بين أن تُظهر المرأة الزينة عمدًا، وبين أن يظهر منها شيء بغير إرادة. ثم قاس بأن لو كانت المرأة منهية عن الضرب برجلها خشية الفتنة فيكون سترها لوجهها من باب أولى، لكونه مدعاة لفتنة أكبر.

يعلو في هذا السياق مفهومان، مفهوم العادة ومفهوم العبادة، فيصرح شيخ الأزهر بأن النقاب عادة لا عبادة، ليبدو وكأنه يسل سيف اللغة ليجرد الخصم من درعه. وحين ترد الجماعات بأن النقاب عبادة لا عادة، فإنها تعيد صوغ السيف في صورة مقدسة لتحرِّم المساس به. وفي هذه المواجهة لا يبدو الخلاف على قطعة من القماش بقدر ما يكون على دلالته وعلى تمثل معناه في ذهنية كل متحارب. فتوصيف النقاب بالعادة يعني نزع صفة القداسة عنه وبالتالي الحد من انتشاره، وتوصيف النقاب بالعبادة يعني إلباسه مزيد من القداسة وبالتالي زيادة انتشاره. فتتحول العبادة إلى جسر تعبر عليه الجماعات نحو مزيد من الغاية والنفوذ. وما إن تأتى اللحظة التي تفيق فيها السلطة الحاكمة لتكتشف خطر توغل وتمدد سلطة الجماعات الثائرة عليها والمنافسة لها، حتى تسرع لتنزلها بالقوة. ثم تأمن جانبها فترخي الحبل، وتعود الراية سيرتها الأولى. ويصبح السؤال هنا ما إن كان لدينا وعي معرفي حقيقي يمكن أن نحاكم له ظواهرنا الاجتماعية، وما إن كانت لدينا القدرة على بناء وعي بمفهوم مثل العادة بمعناها الاجتماعي، بدل أن تصبح ساحة للنزاع، فيكون الاحتكام للعادة مصدر تشريع مرة، ثم يصبح الخروج على العادة هو مصدر التشريع مرة، في دائرة لا تنتهي.

في تلك المرحلة، لا زلت أذكر ارتباكي بين سلطتين متقابلتين، سلطة الأسرة من جهة، وسلطة المؤسسة التعليمية، أو الدولة من جهة أخرى. كان المعهد الأزهري الذي أدرس فيه يوزّع علينا نسخًا من القرآن الكريم مزودة بتفسير شيخ الأزهر سيد طنطاوي. وعند احتدام الجدل حول قضية النقاب، كان بعض الأساتذة المنتمين إلى المؤسسة الأزهرية، والرافضين لتوغل الجماعات، يفتح  مصحف الوزارة، ويشير بإصبعه إلى موضع الآية، معلنًا ابتهاجه لانتصاره الحاسم في النقاش. وفي المقابل، كان أساتذة آخرون داخل ذات المؤسسة، ينتمون فكريًا ومنهجيًا لمذهب الجماعات، وبنفس الحركة السحرية يفتح الواحد تفسير السعدي أو ابن كثير أو غيرهما من الكتب التراثية الموائمة لموقفه، ليعلن انتصاره هو الآخر. ونفس الموقف في المنزل، كنت أعود للبيت ولا أعلم ما أفعل، فأسأل أبي كيف أرد على الأستاذ، فيخبرني ويلقنني، ويشرح لي ويشير، هذه الآية تعني كذا، وهذه الفكرة هي الأساس، وهذا النص هو الدال على تلك الفكرة، فأذهب في الصباح للمدرسة وأفعل. وهكذا وجدت نفسي بين تصورين متباينين، صدى البيت وصدى المدرسة، لكن هل كانت تلك المواجهة الأولى من نوعها بين هذين الطرفين؟.

Screenshot-2025-08-18-at-01.07.18 من يحمل عني هذا الوجه؟ .. بقلم: سماء معاوية

خطوة للخلف

مر نفس الخلاف بنفس ممثليه، على نفس النقطة، قبل عشرين عامًا تقريبًا من تلك الواقعة، ففي شهر ديسمبر من عام ١٩٨٨ دعت جريدة اللواء الإسلامي التي يصدرها الحزب الحاكم، لندوة عن النقاب جمعت فيها نفس الأطراف، أئمة من الأزهر وفي الجهة المقابلة أئمة من أنصار السنة. ولم يكن النقاب في ذلك الوقت قد انتشر في المجتمع بهذا القدر، بل كان يمثل التغيير الاجتماعي في موجته الأولى، حتى أن كل فتاة كانت ترتديه في هذا السياق كانت تمثل به ثورة على محيطها القريب. واللافت في موقف الدكتور محمد سيد طنطاوي، حين كان مفتيًا للجمهورية وقتها، أنه لم يصف النقاب بالعادة، بل أكد على اعتباره حرية شخصية وفضيلة دينية واستدل بالآيات، لكنه أشار لحق الدولة في تقييد تلك الحرية، بمنعه في المؤسسات الرسمية والجامعات. ليبدو لنا في تلك الواقعة، وبعد عشرين عامًا من هذا التصريح، أن الدكتور محمد سيد طنطاوي وهو يمارس عمله في قلب مؤسسة رسمية بصفته شيخ للأزهر وينزع قطعة القماش بيده، وكأنه هو الدولة.

برغم وضوح التباين الفقهي بين موقف الأزهر وموقف أنصار السنة في مسألة النقاب، إلا أن طريقة عرض وجهتي النظر في الندوة التي نظّمتها جريدة الحزب الحاكم لم تكن محايدة؛ فصُوِّرت آراء أو فتاوى أساتذة الأزهر بوصفها صادرة عن “العلماء”، في حين أُشير إلى آراء أو فتاوى أنصار السنة على أنها آراء لجماعة تحمل اسمها. هذا التفريق الخطابي لا يقتصر على التوصيف اللغوي فحسب، بل يعكس تمريرًا مقصودًا لإضفاء شرعية معرفية وسلطة دينية على الأزهر، باحتكار لقب “العلماء”، مقابل نزع الصفة العلمية عن أنصار السنة وحصرهم في إطار تنظيمي. وبذلك يُعاد إنتاج صورة الأزهر بوصفه المرجعية الدينية الرسمية الوحيدة، في محاولة لترسيخ هيمنته في المجال الديني في لحظة معينة.

عادة ما يتمثل وضع النقاب في أذهاننا بصورته الأيديولوجية، فنأتي مسارعين إلى ضرورة فرضه باعتباره علامة على التوغل والانتشار وإبرازًا للهوية الإسلامية التي ضاعت وغابت. أو إلى ضرورة منعه باعتباره إعلان رفض تبعية لتلك التيارات الإسلامية في صراعاتها مع الدولة من جهة والتيارات المضادة لها من جهة، وكأننا نتعامل مع الأجساد تعاملًا أمنيًا، فنجابه الفرض بالمنع والمنع بالفرض، في دائرة لا تنتهي.

لما ارتديتُ نقابي في العقد الأول من الألفية الحالية، مثَّلتُ به ثورة على الاجتماع القائم والعرف أو العادة من جهة، وتحملت في سبيله تبعة الاختلاف عن الأقران. وفي نفس الوقت مثلتُ به تبعية للأسرة، للأب، ولفكرة التمايز الإسلامية بالفهم الصحيح للدين من جهة أخرى. وأنا أحب الحديث عن نقابي، بوصفه واحدًا من نقابات أخرى، أو حجاب ضمن حجابات أخرى، وأحب إضافة ياء التكلم، لأضفي عليه  قدرًا من الخصوصية، خصوصية في الدافع، وخصوصية في الجهاد في ارتدائه، والجهاد في إزاحته، وكأني لما كنت أدافع عنه، أو أهاجمه، كنت أدافع عني، عن وجودي، في كل مرة.

إذا اعتبرنا اليوم أن النقاب فرضٌ، وهذا يعني أن من لم ترتديه مدانة اجتماعيًا. وإن اعتبرناه سنة فهذا يعني أن من لا تفعل قد تتعرض لقدر من اللوم، حتى يأتيها خطاب يغير النفل لواجب، لعلة درء الفتنة. قد نتبنى أن النقاب عادة، وهو بالمعنى الذي ينزع عنه أي قيمة تعبدية آجلة. وإذا وصفناه بالعبادة، هذا يمنحه بعدًا تعبديًا يكفي في ارتدائه محض امتثال لأمر الشارع. أو نعتبر النقاب سلوكًا رجعيًا، فهو علامة على اجتماعنا المتخلف أو المنغلق أو ما شابه من الأوصاف، لكن وسط كل هذه التصنيفات المتباينة، هل اتفقنا على ماهية هذا النقاب في واقع مجتمعنا؟

نقاب ونقاب وبينهما سور

في داخل أسوار الجامعة، تمثل الفتاة الجامعية حضورًا وفاعلية في المجتمع الطلابي؛ ليبدو نقاب فتاة الجامعة دلالة على الهوية وإعلان عن التوجهات السياسية أحيانًا، وقدرًا من الاختيارات والتفضيلات الشخصية بمجرد ظهورها بهذا الزي، فيصبح هذا العزم على إخفاء الوجه دلالة على مزيد من الإعلان والظهور. لكن مع بضعة خطوات خارج سور الجامعة، قد نصادف نقابًا آخر، نقاب ترتديه سيدة أو فتاة تجلس على فرشة صغيره رقيقة، لا تقي من حرارة أو برد، تصُفُّ عليها حزمًا من كشاكيل أو أقلام أو ورود، في عز الحر وقلب المطر تجلس بطول النهار، ثم تعود لبيتها، إن كان لديها بيت، بما قُسم لها من رزق. هذا النقاب لا ترفع به شعارًا على الهوية والمكانة، بل تخفي فيه وجهًا من الانكشاف، تواري به الخجل والقهر والظلم الاجتماعي، وهو بالطبع نقاب لا تعقد لأجله عاجل الاجتماعات، ولا تقام على شرفه المؤتمرات، ولا يعبأ به سادة الأزهر أو الجماعات.

Screenshot-2025-08-18-at-05.49.45-1024x319 من يحمل عني هذا الوجه؟ .. بقلم: سماء معاوية

واقع الخطاب

في بعض قرى الصعيد والدلتا، ترتدي المرأة نقابًا، كعلامة على الشرف، شرف العائلة أو القبيلة أوقبيلة الزوج، تمثل به تبعية ممتدة، من العائلة للمجتمع، هذا النقاب تخفي به المرأة ملامحها عن الدائرة الأوسع، فكلما اقتربت الدائرة يمكن أن تكشف عن وجهها، فتظهر المرأة وجهها لأبناء عمومتها، أو حتى أصدقاء الزوج والعائلة، أو تجلس على عتبة دارها دونه. هناك نقاب ترتديه المرأة بعد الزواج، إشاره لأنها لم تعد بحاجة إلى الكشف عن  وجهها، فقد وجدت ابن الحلال. ونقاب بنت المدينة غير القرية، والبادية غير الحضر. نقاب المرأة الثائرة به على المجتمع والأسرة، الذي تخفي فيه وجهها عن كل أجنبي، وتكشفه للمحارم فقط، وترتديه في أي سن، تجابه به سلطة الأسرة والزوج والمجتمع المحيط، يختلف عن نقاب الموضة، أو نقاب فرنسي أو خليجي ترتديه الفتيات لأن شكلها به أجمل وألطف، تتشابه به مع المسلمات في كل دول العالم المتحضر. يختلف عن نقاب ترجو به الفتاة قدرًا من الخصوصية في مجتمع تحاسَب فيه الأنثى على كل همسة. يختلف عن نقاب تظهر فيه على منصات التواصل تشارك اهتماماتها أو تعلن منتج أو براند، وتُبدي فيه حقها في أن تتواجد هي الأخرى كصوت وهوية ضمن هويات أخرى. يختلف عن نقاب فتاة وجدت نفسها وحيدة منكشفة بعدما احتجبت كل فتيات وسيدات محيطها، فغطت هي الأخرى رأسها أو وجهها، بدافع الحياء والانسجام مع محيطها.

بين الخطاب والواقع

كيف يمكن أن يكون حضور المرأة في الخطاب حضورًا غائبًا إلى هذا الحد، في حين أن حضورها في الواقع الاجتماعي حضورًا كاشفًا لا يمكن إنكاره. كيف نسد هذا الفراغ ونجعل من الخطاب والتنظير المعرفي مقابلًا للواقع، فتصبح الظواهر الاجتماعية مرآة له، وليست مجرد أداة لتوظيف جزءا منه واستدعاء النصوص لتدور في عجلة السياسة. فتتحول الفتاوى إلى ما يشبه التصريحات السياسية، تُصاغ اليوم لتناسب الغاية والتوجه، ثم تُلغى غدًا، لأن الوجهة تغيرت. لأي مدى نحن بحاجة لأن يسير الخطاب جنبًا إلى جنب مع ما يفرزه الاجتماع، لا أن ينعزل عنه، وإلا فإذا كان اجتماعنا مأزومًا، متشظيًا، وسياساتنا استهلاكية، تابعة، فيصبح خطابنا بدوره استهلاكيًا، لا يمثل إلا صوت من ينطق به، ولا يحمل أي قيمة حقيقية في التعبير عن الواقع وبالتالي بناء وعي حقيقي بمشكلاته.

223407-1024x576 من يحمل عني هذا الوجه؟ .. بقلم: سماء معاوية

نقطة بداية

في الثمانينيات، وبعد سياسات الانفتاح الاقتصادي وتحالف الرئيس السادات مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبنت موقفًا حذرًا من التيارات الإسلامية خاصة بعد نجاح الثورة الإيرانية، بدأ الضغط على الدولة المصرية لتظهر في صورة حديثة وعصرية. وفي هذا السياق، استُخدم الخطاب الإسلامي لصالح هذه السياسات، كوسيلة للانفكاك عن نفوذ السوفيت، وتعزيز صورة التوجه الوطني الحديث. ومثلت الطالبة الجامعية آنذاك تلك الصورة، حاملةً عبء تمثيل البلاد أمام الداخل والخارج.

في الوقت نفسه، أدت هذه السياسات الانفتاحية الاقتصادية إلى اتساع الهوة بين طبقات المجتمع، وتحول المجتمع من حالة الإنتاج إلى الاستهلاك، ما أضعف الفاعلية الاجتماعية وحد من تأثير الأفراد في الحياة السياسية. وزاد الفقر، وظهرت عادات مثل التحرش، أو ما كان يُعرف بالمعاكسات، وهي سلوكيات يحاول من خلالها الرجل المتأزم استعادة شعور بالسيطرة أو فرض القوة على الأضعف. وفي ظل تصاعد خطابات تحميل الفتيات مسؤولية فشل السياسة والاقتصاد وضياع الأمة، وإن كان لها جذور تاريخية4، لجأت كثير من الفتيات في تلك الفترة إلى الاحتجاب، كوسيلة للحماية، في محاولة لإعادة ترتيب علاقة الفرد بالسياسة والمجتمع.

زحف طبقي

في تلك الموجة أخذ الزي الإسلامي أشكالًا عدة، لكنه ابتعد كل البعد عن الزي التقليدي في الريف، رغم ما يحمل زي الفلاحات من شروط الحشمة، وأقصد بزي الفلاحات المحتشم في ذلك الوقت الجلاليب الفلاحي، والملس، لكن الجلابية النسائية أصبحت مرتبطة بطبقة الفلاحين الدنيا، فلا يمكن تصور فتاة اجتهدت وترقت لتذهب إلى الجامعة ثم تخرج من الجامعة طبيبة ومهندسة بجلابية بسفرة أو مرتدية الملس، فحتى لبس الملس لا يلائم يوميات الفتاة الجامعية من خروج كل يوم من المنزل وركوب المواصلات. فكأن كل فتاة كانت تختار الاحتجاب عليها أن أن تختار زيًّا لا يعبر عن تلك الطبقة الدنيا وفي نفس الوقت يكون زيًا يلائم طبيعة خروجها لعالم الجامعة، فتمثل بحجابها درجة اجتماعية تنتقل لها، وأحيانا تنقل الأسرة له بعلاقات الزواج والمصاهرة، في مجتمع يقمع ويهدد ويحد من هذه التحركات الطبقية.

قد نلاحظ اليوم أشكالًا عدة للنقاب، فكما يوجد النقاب الخليجي بأشكاله وتنويعاته واستعمالاته المختلفة، هناك النقاب الماليزي والفرنسي؛ إلا أن النقاب الذي ارتدته فتاة الجامعة في الموجة الأولى من التغيير كان نقابًا مصريًا محليًا خالصًا، من قبل أحداث سبتمبر وحتى بعدها. فما حدث بعد أحداث سبتمبر، عادت الدولة لتقييد نشاط الجماعات الإسلامية، وعلى إثر ذلك مُنعت الفتيات من ارتداء النقاب داخل الجامعات. كانت فتيات الجامعات يتحايلن على ذلك بارتداء خمار طويل ساتر، ويجاهدن فيه باعتباره حد أقصى من المسموح في الستر، فكن يغطين أكبر قدر ممكن من الوجه، بسحب الجزء العلوي ناحية الجبهة فتغطي أغلب الحاجبين، ويضفن قطعة قماش أسفل الذقن. ثم ما إن تخرج من الجامعة تعود وترتدي لثمة تغطي بها ما بقي مكشوفًا. وبذلك تكون ارتدت كامل نقابها، هذا النقاب هو نتاج التفاعل مع الواقع في محاولة للتكيف، بالتصارع مرة والتحايل مرة.

كما كان الحجاب أو النقاب دلالة انتماء اجتماعي، فهو أيضًا زي اقتصادي في واقع استهلاكي، يوفر على من ترتديه تتبع الموضه وأحدث الصيحات، يكفي البنت طقم أو اثنين، حتى إذا كان تحديد الألوان في اللبس واعتماد الألوان القاتمة أولى، فيصبح من السهل شراء مترين من قماشة مناسبة، تفصل منها عباءة، وأخرى كريب، أو أي نوع أخف، تصنع منها خمارًا ولثمة، ما أسهل ذلك. 

تذكرة الخروج

قد يُنظر إلى هذا الزي في ظاهره على أنه دلالة على التقليد أو الرجعية5، وهو ما يروّج له بعض المنتقدين. إلا أن الواقع يبيّن أن هذا الزي يمنح النساء مساحة أوسع للحضور في المجتمع العام، والمشاركة في الحياة العملية، وشغل الوظائف في مجتمع يدمج بين الجنسين. دون المساس بالتقاليد الاجتماعية الراسخة، أو الاشتباك معها، ليصبح الزي بمثابة تذكرة عبور فكأنها تقول، اسمح لي بالمشاركة، وسأتقيد بشروطك. وبهذا تتمكن المرأة من أن تصبح موظفة، معلمة، مهندسة، صحافية، وطبيبة، وفي الوقت نفسه تحافظ على القيم التقليدية التي تربت عليها. ربما تظهر دعوات القرار في البيت وترك العمل والانشغال بالأسرة والأولاد، وهو أمر آخر قد تختاره واحدة وترفضه أخرى، أو حتى تضطر أن تقبل به لطاعة الزوج أو الأب أو ما شابه. ومع ذلك، يظل هذا الزي الإسلامي الحديث الزي الرسمي الذي يسمح لتلك المرأة بالمضي قدمًا نحو عالم الحداثة والمشاركة الفاعلة فيه.

أخلاق ولكن

بالنظر لكل الدعوات التي تبدو في ظاهرها عابئة بالفتيات والسيدات ودورهن في المجتمع، سواء المناهضة للحجاب أو النقاب أوالداعية له، نجد أن كل خطاب يحاول أن يفرض رؤيته الأخلاقية بالحديد والنار، بدعوى التحرر إما من قيود الإسلام البائدة أو من قيود الحداثة الفاسدة أو حتى باستدعاء تعريفات بديلة للإسلام المتطرف، واستبداله بالإسلام “الوسطي”. إلا أن كل محاولة فيها فرض للرؤية الأخلاقية بالقوة، لا تمثل إلا إعادة إنتاج لقالب القمع الذي ينسخه، وقتل لكل لحظة اختيار وإحساس الفرد بالمسؤولية، وشعوره الحر بالواجب، في مجتمعات تغيب فيها الحرية، والمسؤولية الفاعلة، وبالتبعية المسؤولية الثقافية تجاه الظواهر الاجتماعية، فتنشأ خطابات هشة تتناحر في الفراغ، ويظهر جهاد من أجل بطولة ترمم فراغات، تنشغل عن دراسة واقع يهيمن فيه الحكام على المحكومين والطبقات العليا على الدنيا والتيارات الغالبة على المغلوبة، والرجال على النساء والأستاذة على الطلاب والآباء على الأبناء.

من يملك اليد؟

يختلف الأشاعرة والسلفيون في تأويل الصفات ويتنازعون في مسألة إِثبات صفة اليد لله، فتتبنى الرؤية الأشعرية، المجاز وتؤولها بالقدرة، بينما يقصد السلفيون تجسيمًا وتشبيها. برغم المقاربات بين التصورين؛ إلا أنها لا تخلو من التعبير عن القوة، ليبقى السؤال، من يملك في الواقع تمثيل تلك اليد؟ أو بالأحرى، من يملك حق الحجب؟ ومن يملك حق النزع؟ 

رغم مرور الزمان وتبدل الحال، إلا أنني لازلت أستحضر أرق تلك الليالي وحيرة الفتاة الصغيرة التي سترتدي نقابها، وهي تعلم بأنه سيأتيها غدًا من ينزعه عن وجهها عنوة، وإلا فأنى لها ألا تعتز به وقد مثلت فيه إرادة الآباء، أذكرها وهي تحاول فك الشفرة وحل اللغز والبحث عن طريقة للتخارج من هذا المأزق. ثم تنظر، فتجد جسدًا مثقلًا محملًا بذنوب لم يقترفها، وأعباء لا قبل له بها، تراه وهو يُقدم قربان لإرضاء آلهة يمشون على الأرض، بأيديهم، ووجوههم، فتتساءل إن كان من الممكن أن نولد بلا أجساد، أو وجوه، ومن يحمل عنها هذا الوجه؟

هوامش
  1. ضم الكتيب آراء: وزير الأوقاف الدكتور زقزوق، وشيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي، والشيخ محمد الغزالي والدكتور عبد الحليم أبو شقة. ↩︎
  2.  وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنََّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31] ↩︎
  3.  مجلة التوحيد/ العدد 455/ السنة الثامنة والثلاثون. ↩︎
  4.  بحث تاريخي لحسام جاد، يشير فيه للجذور التاريخية للعلاقة بين الأزمات وحجب النساء من العصر المملوكي لوقتنا الحالي. ↩︎
  5.  كتاب المرأة والجنوسة، طبعة المجلس الأعلى للثقافة، ليلى أحمد، ترجمة منى إبراهيم وهالة كمال، ص ٢٤٢. ↩︎

انضم مع 3 مشتركين

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات