نخل عالي: حين تحكي نساء الصعيد ما لا يُقال… بقلم: محمد رفعت
بقلم: محمد رفعت

رواية تبحر بك في مشاكل الصعيد، ولكن بصورة شيقة جدًا، أتحدى أي شخص أنه يستطيع أن يترك الرواية دون أن يكملها في جلسة واحدة. الرواية تناقش جميع القضايا المسكوت عنها بكل جرأة، ولا تجد فجاجة أو إسفاف في الطرح، وبرغم جدية الأفكار التي تناقش داخل الرواية، إلا أنها لاتفقد المتعة أثناء القراءة.
تخيل أنك تقرأ عن قضايا عديدة منها: رفض تعليم البنات، آلام الطمث، الاغتصاب وزواج الجاني من المغتصبة، رفض إعطاء البنات ميراثهم الشرعي، الختــان، الضعف الجنسي، بلوغ البنت، وصاية العم، زواج الأرملة للمرة الثانية.
نعم كل هذه القضايا وأكثر تفجرها إيمان إسماعيل في وجه القارئ، ومغلفة بمشاعر من عاشها، ومع ذلك لا تفقد متعة القراءة، برغم صعوبة وقسوة القضايا المطروحة.

“نخل عالي” رواية نسوية من الطراز الأول، تبرز تجارب النساء، وتقدم شخصيات نسائية قوية، ومعقدة، بعيدة عن القوالب التقليدية:
- هناء التي تحدت الكل، وذهبت لتكمل تعليمها في القاهرة، وتزوجت من خارج العائلة، خلعت الحجاب، وطلبت ميراثها، ووقفت في وجه أخيها الأكبر.
- سمية التي رفضت سلطة الأعمام على أبنائها، عقب وفاة أبيهم، وتزوجت بعد وفاة زوجها الأول، وتحدت إخوتها وأبناء عمومتها.
الرواية شملت على جميع خصائص الرواية النسوية، السرد غالبًا من وجهة نظر نسائية، التركيز على العلاقات الاجتماعية (العائلة، العمل، المجتمع)، استخدام لغة وصور تُظهر وعي الكاتبة بقضايا المرأة، رد الاعتبار للمرأة.
استخدمت الكاتبة لغة صعيد مصر، وجاءت الرواية في صورة رسائل بين سيدتين، هما في الأصل أبناء عمومة، وإحداهما متزوجة أخو الأخرى. طريقة الكتابة وكذلك اللغة المستخدمة تعيد للذاكرة رسائل حراجي القط لزوجته فاطنة، للشاعر عبد الرحمن الأبنودي.
رواية ممتعة، شيقة للغاية، فيها شيء عجيب جدًا على قدر ماتريد قراءة الرسالة تلو الأخرى، لأنك تريد أن تعرف النهاية، وعند النهاية تحزن أن الرواية انتهت، والمتعة قد ذهبت… رواية مفعمة بالمشاعر الإنسانية الوناسة، تؤنس وحدتك، وتجد نفسك تظهر في خلفية أحد المشاهد من جمال الحكي.
لا يخلو الأمر من الكثير من الدموع. لا تعلم ما سر هذا البكاء؟ على حب هناء الضائع؟ أم على تفريق أحمد عن سمية؟ أم البكاء على حال القارئ، الذي تذكر آلامه في موقف داخل أحد الرسائل.
لغة الصعيد التي تظهر في الرواية بقوة، أعطت لها طابع خاص، يزيد من شهية القارئ، ولكن هناك بعض الكلمات التي كان يجب على الكاتبة أن توضح معانيها في هامش الصفحات، مثل المسدوح، زبدية، القيضي، اتزبلح، ظوبطة، النيرخ.
رواية عظيمة تلخص حال نساء صعيد مصر، وتلقي الضوء على بعض القضايا المسكوت عنها، الكاتبة لا تألو جهدًا في إظهار المشاعر الإنسانية، في كل موقف وقضية، وترسم صورة حية، تجعلك تشعر أنك تقف وتشاهد المشهد أمامك.
انظر إلى هذا المشهد:
“من يوم ما طلعتي على الدنيا وبدأ يبقى لك حس وراسك ناشفة زي الحجر، عنيدة وحاطة مناخيرك في السما، شايفة نفسك بني آدمة وراسك برأس الكل وانتي يادوب حتة بت، طلعتي ولا نزلتي حتة بت، لو بقيتي وزيرة برده حتة بت، هتعيشي حتة بت، وتموتي حتة بت”.
وجه إبراهيم المليء بالاشمئزاز، وسواد قلبه، ومشاعر البغض التي تظهر أثناء كتابة الرسالة تظهر في الكتابة وكأنك تشاهد لقطة في فيلم مصور.
عمل إبداعي رائع، ينم عن ولادة كاتبة مبدعة، سيكون لها شأن كبير..
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد