نقاش في نادي كتاب تفكير عن روايات “1970، يوميات الواحات، شرف”
نقاش حول عروض روايات صنع الله إبراهيم (1970، يوميات الواحات، شرف)
بقلم: زوم

أكمل صفوت: شكراً للعروض الجميلة. لدينا بعض الأسئلة والتعليقات. دكتور قاسم المحبشي، تفضل.
دكتور قاسم المحبشي: مساء النور. أحيي الأساتذة على عروض كتب صنع الله إبراهيم، الذي يمثل مرحلة تاريخية وإنسانية. لاحظت من خلال العروض أن رواية “شرف” تعتبر من أهم روايات أدب السجن، حيث تحدثت عن مراحل التعذيب والسجن بتفصيل كبير، وهي دراسة مهمة. لدي سؤال للأستاذة منى حول كتاب “يوميات الواحات”: هل هو أدب أم دراسة تقريرية عن الأيام التي قضاها في السجن والصراعات في مصر؟ وشكراً جزيلاً.
أكمل صفوت: شكراً يا دكتور. قبل أن تجيبي يا منى، دعيني أوسع نطاق السؤال لأنه يلامس سؤالاً كنت سأطرحه. لدينا روايات لصنع الله إبراهيم مثل “التلصص” و”وردة” و”بيروت بيروت”، وهي أعمال قصصية متماسكة لها بداية ونهاية وحبكة، رغم احتوائها على جانب توثيقي ضخم. ثم لدينا كتاب مثل “يوميات الواحات” يكاد يكون توثيقاً خالصاً دون جانب روائي تقليدي. وأيضاً رواية “1970”. السؤال هو: أين نضع هذه الكتب في التصنيف؟ هل هي رواية ذات جانب توثيقي؟ أم مجرد وثائق؟ أم شيء مختلف تماماً؟ ابدأي يا منى، ثم نسمع رأي نتاشا.
منى حسنين: بالنسبة لسؤال دكتور قاسم، “الواحات” كان فيها معتقل، وقد ذكرت تنقلاته بين المعتقلات. أما تصنيف “يوميات الواحات”، فأنا نفسي محتارة فيه. هو عبارة عن قصاصات وخواطر كتبها على ورق علب السجائر أو كراسات من شكاير الأسمنت، كان يخبئها. هي ليست رواية بالمعنى التقليدي ببداية وحبكة وذروة ونهاية. إنها أقرب إلى سيرة ذاتية مصغرة وتوثيق أكثر من كونها رواية للأحداث لتلك الفترة الزمنية.
أكمل صفوت: تمام. نسمع رأي ناتاشا في كتاب “1970”.
نتاشا العبادي: طبعاً لا يمكنك أن تقول عن “1970” رواية، إنها شيء تاريخي توثيقي بحت. صنع الله إبراهيم يحكي تفاصيل في الرواية لا نعرف من أين جاء بها (مثل مشهد عبد الناصر في غرفته أو الجنود يعلقون صور جيفارا). يمكنك أن تقول إنه تاريخ محكي، تاريخ شعبي يقوله مواطن من خلال الصحف والأحداث التي أثرت فيه، لكنك لا تستطيع اعتباره تاريخاً أكاديمياً ولا رواية تقليدية. إنه يقدم رؤيته لفترة عبد الناصر، يحاكم السلطة وفي نفس الوقت “يطنش” عليها. القارئ يتعاطف مع عبد الناصر أحياناً ويتضايق منه أحياناً. فهي رواية شعبية لمواطن يروي رؤيته للسلطة. هو أيضاً يدين نفسه كمعتقل سياسي سابق أصبح موظفاً في وكالة أنباء الشرق الأوسط الحكومية، مما يطرح أسئلة عن دوره.
أكمل صفوت: ما رأيك يا أنسام؟ “شرف” تعتبر رواية بالدرجة الأولى رغم الجانب التوثيقي، أليس كذلك؟
أنسام النجار: نعم، فيها جانب توثيقي، لكنها رواية. ومع ذلك، عندما بدأت أقرأها، وجدت نفسي أحياناً أدخل في تفاصيل أسماء شركات عالمية ومنتجات وأدوية وتأثيرها، لدرجة أنني كنت أبحث عن هذه الأسماء على الإنترنت. كنت أقلب الصفحات لأبحث عن الهوامش والمصادر. وتساءلت: لماذا لم يفصل هذا الجزء ويصنع منه كتاباً بحثياً؟ شعرت أحياناً أنني أقرأ لصحفي يعمل بحثاً استقصائياً أكثر من قراءة رواية. الجزء الذي قدم فيه رأياً في كامب ديفيد والحروب والمعاناة في المستشفيات كان مهماً، لكن التكرار وكثرة التفاصيل جعلتني أشعر أنني أخرج خارج الرواية. النهاية بالنسبة لي لم تكن متكافئة مع مدخل الرواية القوي حول مفهوم الشرف.
أكمل صفوت: طيب، نأخذ مداخلة من نهلة.
نهلة هنّو: شكراً لصديقاتي الثلاث على العروض الرائعة. لدي ملاحظتان عن “1970” و”الواحات”. أولاً، لاحظت أن رواية “1970” تستخدم ضمير المخاطب (أنت) بشكل كامل، وهو أسلوب نادر. بعد القراءة، شعرت أن الرواية أشبه بمرافعة نيابة أو محاكمة لعبد الناصر، وكأن الشعب أو كل الشعب العربي هو الذي يحاكمه. فكرة استخدام الضمير المخاطب كانت رائعة ووصلت لي هذا الإحساس. ثانياً، في “يوميات الواحات” و”تلك الرائحة”، رغم أن أسلوبه موجز وجاف، إلا أنه بقدرة ذكية جداً يوصل لجميع حواس القارئ. فأنت لا ترى المشهد فحسب، بل تشم الروائح وتحس بالبرد. أتعلم منه دروساً في التاريخ وفي أشياء كثيرة. لدي ملحوظة أخيرة: قرأت كتاباً بالإنجليزية عن سجينة تحت حكم ملك المغرب، وكان محبطاً لأنه يلعب على وتر شتم العرب لإرضاء الغرب. لكني لاحظت أن صنع الله إبراهيم ذكر “أوفقير” (وزير الدفاع المغربي آنذاك) مرتين في “1970” كتحذير لمحاولة اغتيال.
أكمل صفوت (تعقيباً): أريد أن أعلق على كلام نهلة بأنه لا يصف. هو يصف، لكن ليس بطريقة جمالية معتادة. هو يقول “الشمس صفراء والأرض خضراء والدم أحمر”، لكنه لا يقول “صفراء كأنها عناقيد…”. هو يصف بدقة ولكن بدون تشبيهات جمالية.
أحمد خفاجي: مساء الخير. سؤال سريع لكل من نتاشا وأنسام ومنى: ما هي أجمل رواية قرأتِها وتأثرتِ بها بشدة، بحيث يمكننا مقارنتها سريعاً مع روايات صنع الله إبراهيم لفهم وصفكن أكثر؟ مع احترامي الكبير لصنع الله إبراهيم طبعاً.
منى حسنين: أنا أحب الروايات التي تقدم لي معلومات. آخر رواية شدتني كانت “ميثاق النساء” لحنين الصايغ (المرشحة للبوكر)، التي تعلمت منها الكثير عن الطائفة الدرزية. أنا أحب ما يشغل ذهني ويمنحني معرفة.
نتاشا العبادي: رأيي في الروايات ضعيف، ولهذا اخترت “1970” لأنها تاريخية. أنا أحب التاريخ لأنه يجعلني أرى أشياء موجودة وأشياء قادمة. لا أعتقد أن صنع الله إبراهيم روائي بالمعنى التقليدي، فكل أعماله متعلقة بالتاريخ وبالمعتقلات. هو أكثر من روائي، إنه صاحب وعي. لذلك اختيار “1970” يتماشى مع ميولي.
أنسام النجار (مضيفة): عندما قرأت “شرف” تذكرت رواية “بيت الأموات” لدوستويفسكي، وهو أيضاً دخل السجن ظلماً. لكن وصف دوستويفسكي للسجن مختلف، فهو يكتب من البعد النفسي والفكري الذي أحبه. يصف أدق المشاعر الإنسانية، بينما أسلوب صنع الله إبراهيم مقتضب وجاف وخالٍ من المشاعر تقريباً. دوستويفسكي يتكلم حتى عن أنهم يختلقون معارك لكي “يطبطبوا” على بعض، فهو يرى ما وراء الفعل. أنا أحب الروايات ذات البعد الفكري الفلسفي النفسي.
محمد عوض: استمتعت جداً بالعروض. السؤال الذي طرحه أحمد خفاجي ممتاز، وإجابة أنسام وفرت عليّ الكثير. الفرق كبير بين من يحكي تجربة ويدخل في الأعماق (مثل دوستويفسكي) وبين أسلوب صنع الله. سؤالي هو: لو أن رواية “شرف” وقعت أمامك يا أنسام ولم تكن تعرفين أن كاتبها صنع الله إبراهيم، بل كاتب مجهول، هل كنت ستستمتعين بها؟ هل كنت ستوصين بها؟ بالمقارنة مع روايات أفضل لصنع الله مثل “التلصص” أو “وردة”، هل كانت ستعبر عن كاتب بحجمه ومركزه في الأدب؟ هل أحياناً اسم الكاتب هو الذي يجعل الكتاب يستحق القراءة، حتى لو كان الكتاب نفسه لا يساوي الكثير؟
أنسام النجار: أوكي، أنا صريحة جداً. مع كامل احترامي، لا، لم أكن لأرشح الكتاب. لو قدم هذه الأحداث في شكل كتاب وثائقي عن فترة عبد الناصر أو أزمات معينة، مع اعتماد على وثائق ومصادر قوية، لكان مرجعاً جيداً. لكن كعمل أدبي روائي، فهو خالٍ من الإحساس. ظهر لي صنع الله إبراهيم كإنسان روبوت قليلاً، يرصد وينقل ما يرصده دون مشاعر، ودون أن تختلط الروح بهذه المعاناة التي يسجلها. في روايات أخرى (مثل “ألف شمس مشرقة”) تأخذك التفاصيل. أما هنا، فأنا أمام عمل وثائقي لصحفي في أجزاء، وفي أجزاء أخرى رواية بسيطة عن دخول المعتقل والتعذيب. الملاحظة التي وصلتني أن روح صنع الله إبراهيم كإنسان لم تصلني، وهذا ما جعلني أبحث عنه خارج كتاباته.
أكمل صفوت (معلقاً): تجوز من ليلى عوض، لكن لم ينجب.
الدكتورة زينب التوجاني: مرحباً بكم. استمعت للعروض، خاصة الكتابين الأخيرين. في الحقيقة، استفزني التعقيب على “شرف” ووصف أسلوبها بالثقيل أو الجاف أو الصحفي. أول رواية قرأتها لصنع الله إبراهيم كانت صدمة لي بسبب ذلك الجفاف. لكن بالنسبة لـ”شرف”، التي تهتم بأدب السجون، حين تقرأها في سياقها الزمني (زمن عدم وجود فضائيات أو إنترنت أو حرية تعبير)، تفهم العالم السجني بطريقة لم تكن متاحة. استطاع أديب أن يكتب وثيقة تاريخية يلقي بها الحقيقة في وجوهنا، عارية، ليكشف الفساد الاجتماعي والاقتصادي. الملل قد يأتي من كون الحقيقة أقوى مما نتحمله. أسلوبه الجاف مرتبط أيضاً بتقنية “الرواية السوداء” أو النقد الأسود، وموقفه اليساري. هذا ليس تشاؤماً. بالنسبة لي، هذه الرواية ساعدتني على فهم تجربة والدي الذي سجن (رغم اختلاف الإيديولوجيا)، وساعدت في تخفيف شعوره بالغربة بعد خروجه. لقد أكدت لي أن الآخر المختلف إيديولوجياً يمكنه أن يرى الإنسان فيك. هذه السوداوية هي سوداوية واقعية، تحثنا على رؤية الأمور كما هي والعمل على تغييرها، ليس بالتهور والعودة للسجن، ولكن بطرح القضايا وبناء تكتلات إنسانية وواقع بديل. هذه الرواية وجدت فيها عزاءً وفهماً عميقاً.
أمين اليافعي: مساء الخير. لنا علاقة وطيدة بصنع الله إبراهيم في الجنوب (اليمن)، كان الأديب الشرعي للنظام اليساري هناك. من وجهة نظري، صنع الله إبراهيم اختط أسلوباً معيناً في الكتابة، كان ضد فكرة الزخرفة والبلاغة الزائدة، وأسلوبه تقريري مباشر. هذا أنقذه من ورطات كثيرة كيساري، فلم يدخل الآراء اليسارية بعمق في صلب الروايات، فاستُقبل من كل الفئات. ربما كان الأديب الوحيد في الوطن العربي الذي حظي بتوافق حول قيمته بعد وفاته. أعتقد أن كتاباته تنتمي إلى ما يسمى “التاريخ الجديد” (تاريخ الحوليات)، فهو بين الرواية والتاريخ. السجن عنده ليس موضوع مشاعر، بل موضوع إعطاء صورة كاملة كمؤرخ، لكنه ليس مؤرخاً تقليدياً.
جمال عمر: سعيد بالنقاش. مداخلة أخونا أحمد خفاجي كان فيها “خبث محمود”. موضوع النقاش يأخذنا لمفهومي التاريخ والواقع. بالإضافة لنقطة أكمل عن وظيفة الأدب: هل للأديب دور كمثقف في تغيير الواقع؟ الرؤية اليسارية تقوم على تغيير الواقع، لا فقط فهمه. فكيف ينقل الواقع؟ الواقع ليس جميلاً دائماً، وكثير منا لم يمر بتجربة السجن. فنقلها في زمن ممنوع فيه الحريات يأخذ أشكالاً عديدة. هنا يأتي مفهوم التاريخ: هل التاريخ هو تذكر محاسن الموتى وتجميل الماضي؟ أم هو تفاعل الإنسان مع قوانين الطبيعة؟ الرصد الجاف لصنع الله إبراهيم قد يكون جزءاً من هذه الرؤية الحتمية. الجانب الجمالي ظهر أكثر في “التلصص”. ولكن في نصوص أخرى، جفاف الواقع قد يجعل القراءة صعبة. السؤال الأكبر: ما هو الواقع؟ ما هو التاريخ؟ وما دور الأدب في هذا الإطار؟ صنع الله إبراهيم يقدم لنا واقعاً بلا زخرفة.
أكمل صفوت: شكراً جمال. أنا أريد فتح باب حوار حول الأدب عموماً والذائقة الأدبية واختيارات الكتاب المختلفة. صنع الله إبراهيم اختار أسلوبه الخاص: سرد بجمل قصيرة وصفية دون تشبيهات، وعندما يصف واقعاً قبيحاً يكون وصفه قبيحاً لا يحاول تجميله. لكن فن الكتابة القصصية ليس مجرد جمل. هو يحاول أن يوصل معنى (مثل الاحتياج للقرب تحت الضغط) دون أن يقولها صراحة، بل يجعل القارئ يعيشها. قد ينجح في إيصالها لبعض القراء ولا ينجح مع آخرين. المهم أن نعرف أن للكاتب اختيارات قد لا تعجب الجميع، لكنها تخدم ما يريد إيصاله. سألت نفسي: لماذا لم يصنع من بعض هذه التفاصيل كتباً منفصلة؟ لكن هذه اختيارات الكاتب. الأدب ليس شيئاً واحداً، وكتابة الرواية ليست طريقاً واحداً. قد يحتاج الكاتب منا أن نخرج من تقليد القراءة المعتاد لكي نتواصل مع طريقته. نحتاج لأكثر من كتاب وأكثر من تجربة.
(مداخلات سريعة من الحضور):
- نهلة: أسلوبه متوافق مع شخصيته كإنسان متمرد، فهو يتمرد حتى في أسلوب الكتابة. الأعمال التي تبقى عادة تكون أعمالاً متعبة تحتاج مجهوداً من القارئ.
- أكمل صفوت (معلقاً): هو فعلاً يتكلم كما يكتب، كان صعباً في الحوارات، مقتضباً.
- مها: هو متمرد ومجدد. في رواية “نجمة أغسطس” جرب شكلًا طباعياً جديداً حيث الكلام داخل أشكال مثل حمامة أو سهم، لكن التجربة كانت متعبة للقراء والناشرين فما كملش فيها. وجمله القصيرة قد تكون لأنه صحفي أتقنها. وترتيب مشاهداته يشبه السيناريو السينمائي، فهو يصف المشاهد وراء بعضها وكأنك تشاهد فيلماً.
أكمل صفوت (خاتمة): شكراً جزيلاً للجميع، استمتعت جداً باللقاء وبالتقديم. نلتقي في اللقاء القادم يوم الجمعة لمناقشة ثلاثة كتب أخرى هي: “تلك الرائحة” (تقدمها لمياء النحاس)، و”اللجنة” (يقدمها بهاء الريدي)، و(“بيروت بيروت”تقدمها مها)
جزء المناقشة:
للاستماع للتسجيل الصوتي على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة فيديو للنقاش عبر الرابط التالي
لمشاهدة كل جلسات مهرجان قراءة نادي كتاب تفكير لأعمال صنع الله إبرهيم اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد