هل الشفاء خيانة لذاتنا القديمة أم تحرر من سجنها؟… بقلم: مروة هجرس
بقلم/ مروة هجرس

يقولون أن الشفاء حرية. لكنني أحيانًا أراه أشبه بعملية سرقة لشيء ثمين وإن كان مشوّهًا. سرقة هويتي التي صنعتها سنوات من الألم، من جراحٍ خبأتها تحت جلدي حتى صارت هي جلدي ذاته. كيف يمكن أن أُشفى وأنا أعلم أن هذا الألم لم يكن مجرد ضيف ثقيل، بل كان صانعًا لملامحي، نبرة صوتي، وحتى طريقتي في النظر إلى المرآة؟
الشفاء، كما يعرفه علماء النفس، ليس إنكارًا للماضي، بل مصالحة مع أشباحه. ذلك التغير في علاقتك بالألم عندما تتوقف عن الركض منه أو التظاهر بعدم وجوده. يشبه الأمر التوقف عن الفرار من شبح يلاحقك. بدلًا من ذلك، تواجهه بشجاعة وتدعوه للجلوس معك على الطاولة لتناول القهوة. فكرة شاعرية جدًا، لكن ماذا لو وجدت نفسك تحنّ إلى الشبح أكثر من الحاضر؟ ماذا لو كان الانفصال عنه يشبه الطلاق من ذاتك القديمة؟ أيُعتبر الشفاء إذًا حرية… أم جريمة خيانة؟
ماذا لو لم نُرد أن نُشفى أصلًا؟
ماذا لو بدا الشفاء كخيانة لنسخة قديمة منا، تلك النسخة التي تعثرت وسقطت وبكت ليلًا في غرف مغلقة؟ ماذا لو كان الجرح هو الشيء الوحيد الذي يربطنا بذواتنا الماضية؟ كيف نتخلى عنه ونحن نعرف أنه – بكل قسوته – صنع جزءًا من لغتنا الداخلية، من أصواتنا التي لا يسمعها أحد غيرنا؟
يقول كارل يونج: ” لا يصبح المرء مستنيرًا بتخيل النور، بل بمواجهة الظلام”. وأنا صدقته، لكني صرت أتساءل: ماذا لو أحببت ظلامي أكثر؟ ماذا لو صار الظلام هو الشيء الوحيد الذي يجعلني “أنا”؟ أحيانًا نظل نحمل جراحنا كتمائم، كوشوم لا نريد لها أن تلتئم، لأنها ببساطة تُخبر العالم (وتُخبرنا نحن) أن ثمة قصة هنا، قصة تجعلنا أعقد من مجرد بشر عابرين.
أحيانًا نتعامل مع الألم كأنه أثاث قديم في بيتنا المتهالك: نلعنه كل يوم، لكنه أقرب وأحب إلينا من كل جديد نشتريه. يخبرنا نيتشه، بأفكاره الحادة المعتادة أن: “المعاناة العظيمة تصنع إنسانًا عظيمًا.” أتفق تمامًا، ولذا لا يريد البعض منَا التخلي عن هذه العظمة؟ من قال إننا مستعدون لأن نصبح عاديين بمجرد أن تُشفى ندوبنا؟ لعلنا نخاف أن نصبح أقل عمقًا، أقل شاعرية، أن يُسحب منا ذاك اللون القاتم الذي منحنا ظلالنا الخاصة.

الحقيقة أننا لا نخشى الشفاء بقدر ما نخشى الفراغ الذي يتبعه. ذلك الصمت الثقيل حين لا يعود هناك جرح يُفسر دموعنا ولا ماضٍ يُبرر جنوننا. من سنكون حين لا نجد مبررًا لكل ارتباكنا، لكل انكساراتنا الصغيرة؟ ربما سنكتشف أننا مجرد كائنات عادية، وأننا لطالما استخدمنا الألم كدرع عملاق لنبدو أعظم مما نحن عليه.
لكن…
ربما الشفاء ليس محوًا ولا غفرانًا لمن آذانا، بل مجرد استعادة بسيطة لأنفسنا. أن نكف عن العيش في بيت قديم متصدع لمجرد أننا اعتدناه. فالشفاء لا يطلب منك أن تقتل ماضيك، ولا أن تنكره، بل فقط أن تكف عن إعادة تمثيل نفس المسرحية كل صباح. أن تكون قادرًا على العيش لا فوق أنقاض الألم، بل بجواره، كجارٍ مزعج تعلّمت أن تتجاهل ضجيجه.
إذن، هل يحررنا الشفاء أم يفقدنا جزءًا من أنفسنا؟
ربما هو الاثنان معًا. غير أنه لا ينتزع منك إلا ما كان يرهقك، ويتركك في النهاية أكثر قربًا من ذاتك الحقيقية.. فالماضي لا يرحل، لكنه يتوقف عن قيادتك من المقعد الخلفي.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد