“وَلِيُّ النِّعَم” سيناريو مسرحية وثائقية بطلها محمد علي… بقلم: د. محمد عيسى

محمد-عيسى "وَلِيُّ النِّعَم" سيناريو مسرحية وثائقية بطلها محمد علي... بقلم: د. محمد عيسى

عديدة هي كتب التاريخ والتراجم التي قرأتها سواء كانت تلك التي تحتَّمَ عليّ قراءتها أثناء الدراسة والتخصص، أو تلك التي قرأتها اختيارا. لكن كتاب “وليّ النِّعم” للدكتور خالد فهمي كان أقرب إلى سيناريو مسرحية وثائقية منه إلى ترجمة لحياة ودور محمد علي الذي كان يلعب دور البطل، كوال لمصر في العصر العثماني وكمؤسس للأسرة العلوية التي تناوبت حكم مصر بألقاب بدأت بلقب الولاية سنة 1805 وانتهت بلقب ملك حتى زال حكمها سنة 1952.

والكتاب في نصه العربي يبدو في ظاهره أنه ترجمة لكتاب Mehmed Ali: From Ottoman Governor to Ruler of Egypt الصادر سنة 2008 للمؤرخ الشهير خالد فهمي، لكن ترجمته العربية أكثر توسعا، ويبلغ عدد صفحاته ضعف النص الإنجليزي تقريبا. ويلفت النظر أن كلمة “تحرير” قد أضيفت إلى كلمة “ترجمة” قبل اسم المترجم، الأستاذ محمد هُوجْلا-كَلْفَت، مما يشير إلى أن ما بين يدي القارئ هو نص عربي به إضافات وتعليقات اشترك في تحريرها وصياغتها كل من المؤلف والمترجِم، ولا توجد في النص الإنجليزي المترجَم. وقد تأكد ذلك في الحوار الذي جرى مع الكاتب والمترجِم، والذي أداره الأستاذ حسن حافظ وكان لي شرف حضوره في القاهرة. 

وأقبلت على قراءة الكتاب باهتمام شديد لأتبين كيف اختلفت الترجمة العربية عن النص الإنجليزي. وجذبني السرد الذي كان أقرب إلى سيناريو مسرحية وثائقية مكتملة الأطراف، تلعب فيها الشخصيات والأحداث التاريخية أدوارا تتداخل مع بعضها، ويصعب عليك الفكاك من متابعتها بشغف لا يقل متعة عن متابعة عمل فني غاية في الجودة والإتقان. والقارئ هنا يعرف أنه يطالع سيرة لأحد أعلام التاريخ المعاصر وهو محمد علي، يعتمد كاتب السيرة على الوثائق التي أتيح له الاطلاع عليها، ويتعامل معها كمؤرخ محترف، ضمن إطار تخصص وهب له حياته في الحقل الأكاديمي. لكن تعامل الدكتور خالد فهمي مع وثائقه ليس تعامل مؤرخ يهتم بسرد الوقائع، والربط بينها وبين الشخصيات. إنه يتعايش مع شخصياته، ويتعمق في فهم وثائقه وتحليلها، وفي الربط بين الأحداث واستنتاج دلالاتها، وما ترتب أو قد يترتب عليها من نتائج. كل ذلك بعقلية مؤرخ فنان يستطيع بمهارة ربط خيوط الأحداث التاريخية الموثقة، بأسلوب يشبه الخيال الفني الأدبي، في سرد سلس يستريح إليه القارئ غير المتخصص، بينما لا يتجافى مع أساليب المتخصصين، ولا يهبط بقيمتها وتراكيبها. ولا شك أن “وليّ النِّعَم” هو ثمرة تلاقح فكري ولغوي بين المؤلف، الذي يجيد العربية كتابة وقراءة وتذوقا، وبين المترجم الذي عاش داخل النص الإنجليزي الأصلي، واستوعبه واستساغه ثم أعاد سرده بالعربية. 

وكما ذكرنا، فالنص العربي يضم فقرات، بل ربما فصولا لا توجد في النص الإنجليزي، لكن القارئ للنص العربي لـ “وليّ النِّعَم” يشعر أنه يقرأ عملا متكامل الأبواب والعناصر متتابع السرد، وليس ترجمة. 

وبعد تسعة فصول استعرض فيها المؤلف أحداثا تاريخية فاصلة، وتطورات مرت بها مصر في الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتعليمية، على مدى سبعة عقود من حياة محمد علي، يطرح المؤلف في الخاتمة أربعة أسئلة تتجاوز الحدود التاريخية لزمن الباشا (محمد علي): 

1. كيف تستطيع مصر التحول من بلد زراعي إلى بلد صناعي؟

2. هل يجب على الدولة أن تقود قاطرة التنمية الاقتصادية؟

3. أي دور يجب أن يسند إلى الدين في عملية الإصلاح الحديث؟ 

4. والسؤال الأكبر هو: أين يكمن الخطأ في ذلك الماضي؟

ويرى المؤلف أن هذه أسئلة سياسية بقدر ما هي أسئلة بحثية. كما يرى أن هذه الأسئلة ترجع في النهاية إلى سؤال واحد: ما الخطأ الذي أفسد تجربة محمد علي؟ ويرى أن هذا سؤال مغلوط لسبب بسيط هو أن فرضية حدوث خطأ هي فرضية خاطئة من الأساس. لا خطأ هناك ولا فشل، بل نجح محمد علي في أنه أصبح حاكما منفردا وشرعيا لمصر التي وصلها بلا مال ولا جاه، ولا حسب ولا نسب، بلا مجد عسكري ولا معرفة باللغة العربية، بلا راع في إسطنبول يشمله بحمايته. إنه قد حول نفسه في عقده السابع ليلعب دور رجل الدولة العالمي، وينجح في توريث مصر إلى أسرة حاكمة أقرت بشرعيتها كل القوى الكبرى آنذاك.

وللأكاديميين، أؤكد أن “وليّ النِّعَم” كتاب أكاديمي معاصر، تتوافر له كل عناصر التميز الأكاديمي بالمقاييس المعاصرة، وبما يتميز به أي بحث تاريخي علمي، يوظف كل أدوات البحث التاريخي الأكاديمي الحديثة في عرض الشخصيات، وتوثيق الأحداث، واستخلاص النتائج. 

كتاب “وليّ النِّعَم” من نشر دار الشروق بمصر، يقع في 291 صفحة، ويضم تسعة فصول وخاتمة، كما يتذيل بفهارس للمراجع والمصادر، وقائمة باللوحات، وفهرسا كشافا.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات