أنا وفايزة والدهن… بقلم: جورج فريد 

d8acd988d8b1d8ac-d981d8b1d98ad8af أنا وفايزة والدهن... بقلم: جورج فريد 

 صيف ١٩٦٥

 كنت فاكر نفسي ما بحبش السمين والدهن… طلعت بحبه وماعرفش أو مش واخد بالي.

 روحنا قرية ميت دمسيس “دقهلية” نحضر مولد مار جرجس بعد ما انفض المولد بيوم، وكانت البلد بتفضى، والزوار بتروح، واحنا يادوب داخلين… وعلى مدخل البلد بعد ما ركنا العربية، اصطادنا واحد من الفلاحين اللي بيأجروا أوض من بيوتهم للزوار، و كانت صيدة حلوة للطرفين… الراجل قال عندي مقعد “أوضة يعني” حلو ونضيف ورخيص.

– بكام يا عم؟

– بريال.

– استبينا.

وروحنا نعاين الأوتيل من حيث الموقع والتأثيث.

Screenshot-2025-08-07-at-02.28.59-761x1024 أنا وفايزة والدهن... بقلم: جورج فريد 
صورتي سنة ١٩٦٦

الموقع استراتيجي في زقاق قصير متفرع من شارع القرية الرئيسي… شارع البحر الماشي بحذا النيل والبيت فخم بقياسات المكان والزمان… دورين من جواليص الطين، وقوالب اللبن، وواخد وش بوية جير من بره بس، ولنا أن نختار المقعد اللي يعجبنا في الأرضي أو العلوي. والأثاث بسيط، لكن يفي بالغرض ويتكون من قياسين “حصيرتين يعني” ولمبة صاروخ، وصفيحة ميه، عشرين لتر تملاها أم فايزة من النيل كل ما تفضى انشالله ٣ مرات في اليوم. أول انكلوسيڤ بالريال… أمي اعترضت على اللمبة الصاروخ وقالت إنها بتضيق خلقها وعاوزة لمبة جاز نمرة خمسة على الأقل. ويبدو إن الريس كان مستعد لقبول الطلب، بس أبويا شاف إن كده هنبقى ظالمينه، واننا هانشتري اللمبة نمرة خمسة على حسابنا.

فايزة كانت في سنة خامسة زيي، فصارت صحوبية بيننا، وبقينا نتسامر كتير سوا، ونعمل نفسنا بنفتكر في الدروس ونراجع عليها، آل يعني من كتر الشطارة… ما احنا امتحنا، وخلصنا السنة، وأساسًا ماكناش بنذاكر وقت المدارس.

على المسا، شميت ريحة جميلة، فنزلت من مقعدنا العلوي في الرووف للريسبشن في الأرضي، لاقيت أم فايزة قاعدة على وابور الجاز وبتحمر شيء. لم أتبين كنهه ذهبي اللون، فوَّاح الرائحة شهيها… ودقايق وكانت فايزة ماسكة نص رغيف محشو بالشيء الذهبي، وبتقرب مني، يمكن عشان منزوغش من بعض ونكمل مراجعاتنا أول ما تخلَّص عشاها فانتهزت الفرصة و سألتها أيه ده؟

– ديهن.

– يعني ايه ديهن؟

فتحت العيش، وورتني المكعبات الذهبية الصغيرة، وبرضه مافهمتش حاجة. بس سال لعابي ولاحظت هي بنبهاتها الفطرية، ومن غير كلام، قسمت لقمتها معايا الكريمة بنت الكرما، ويمكن كانت عاوزة تديني النصيب الأكبر، وانا رفضت، وقلت لها اني عاوز أدوق، بس عشان احنا في المدينة ماعندناش ديهن…

وقطمت لقمة مش كبيرة، تحتوي علي مكعب واحد، وبعد ما قرمشت القشرة الذهبية، فوجئت بمحتوى لزج على مطاطي بيعصر سائل شبيه بالزيت، مقرف الطعم، فتبينت على الفور، اني قد وقعت في الفخ وإن الديهن، ماهو إلا الدهن اللي بكرهه من أعماق معدتي وفؤادي. وجريت على بره أتف اللي في بقي ومضمضته كويس، ورجعت أراجع مع فايزة قواعد نطق اللغة العربية السليمة، عشان تاني مرة متقولش على الدهن، ديهن!

لغاية تلك اللحظة، كان عمري ماحطيت حتة دهن، أو لحمة سمينة في بقي، ولا حتى جلد الفراخ المقرمش المحمر في سمنة بلدي. لكن كنت بحب المخ والحلويات -الغدد معرفش انهي الموجودة في أحشاء الدبايح- ومعرفتش غير متأخر، إن دي صور تانية من الدهن. فاحنا مابنحبش أو نكره الشيء في حد ذاته لكن بعض صوره، وتجلياته ممكن تنفرنا. وبعضها الآخر ممكن يجذبنا، والله يمسيكي بالخير يا فايزة، و يديكي الصحة ويسعد أيامك!.

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات