عن الوجه الذي نحمله جميعًا..د. زينب توجاني
د. زينب توجاني
أستاذ الحضارة الإسلامية بكلية الآداب جامعة منوبة بتونس

أقوى ما في المقال هو تردده. هذا التراوح بين الذاتي والجمعي، بين الفتاة الطفلة والباحثة الواعية، بين صوت الأسرة وصوت الدولة، بين اللحظة الأولى للنقاب وما تلاها من صراعات داخلية. هذه القوة في الاعتراف بتعدّد التجربة لا تُقدّر بثمن. لكنها أيضًا تحمل في طيّاتها نوعًا من القهر، من الألم المكتوم، من صراع مرير لم يُفصح عن شدّته إلا لمن مرّ بتجربة مماثلة. القارئ الذي يعرف الألم – مثلي – يلتقط هذا بسهولة.
في النص المؤثر “من يحمل عني هذا الوجه؟” كتبت سماء معاوية شهادة ممتدة تُمزج فيها التجربة الشخصية بسياقاتها الدينية والاجتماعية والسياسية، وتُغزل فيها خيوط النقاب بما هو أكثر من مجرد قطعة قماش. هو، عندها، ما يختزل أجيالًا من الخوف، والسلطة، والانتماء، والتهميش، والهوية. ومقالها، بهذا المعنى، لا يُقرأ فقط كنص، بل كـ نصّ حامل لندبة.
لكن، في لحظة انتهائي من القراءة، شعرتُ بشيء ما ينقص: لم أجد موقفًا واضحًا، لم أجد نهاية. هناك تراكم رائع في السرد، نعم، وهناك حفر تاريخي- سياسي عميق، وتحليل اجتماعي مهم، لكنه انتهى حيث كان يمكن أن يبدأ.
الذات والظاهرة: خيط القوة والتردد
أقوى ما في المقال هو تردده. هذا التراوح بين الذاتي والجمعي، بين الفتاة الطفلة والباحثة الواعية، بين صوت الأسرة وصوت الدولة، بين اللحظة الأولى للنقاب وما تلاها من صراعات داخلية. هذه القوة في الاعتراف بتعدّد التجربة لا تُقدّر بثمن. لكنها أيضًا تحمل في طيّاتها نوعًا من القهر، من الألم المكتوم، من صراع مرير لم يُفصح عن شدّته إلا لمن مرّ بتجربة مماثلة. القارئ الذي يعرف الألم – مثلي – يلتقط هذا بسهولة.
تجربة والدتي مع النقاب، مثلًا، كانت مليئة بالدموع الصامتة. لم يكن قرار ارتدائه تعبديًا صرفًا، بل كان مركّبًا من خضوع، وتديّن، وخوف، وتماهي اجتماعي، وألم شخصي. وحتى حين نزعته عن وجهها فقد كان تجربة مريرة لكنها ممتزجة بالتحرر، لكنها لم تُروَ يومًا بهذه اللغة. لهذا، حين قرأت نص سماء، أدركت أنه – وإن كان لا يحمل موقفًا فقهيًا – فهو يحمل ما هو أثمن: حقيقة أنّ النقاب في مجتمعاتنا لا يرتبط فقط بالفقه، بل بالعنف الصامت الموروث، العابر للأجيال وبالرغبة المجتمعية منذ سحيق الثقافة الأبوية في التحكم في أجساد النساء وقهرهن.
هل كانت لنا وجوه فعلًا؟
في سنة 2015، وقفتُ في مواجهة تلفزيونية على قناة تونسية شهيرة في بلادنا مع فتاة منقبة. قلتُ لها، بكل عنف رمزي: “أنتِ بلا وجه.”
صفّق لي الجمهور الحداثويّ بحرارة، وكانت الترويكا هي الحاكمة أي كنت في مواجهة حكم شبه ديني في تلك اللحظة، حيث كانت النهضة في الحكم تعتبر النقاب حرية شخصية، ولكن السجال في تلك الأيام كان عنيفا وداميا وأنا – الباحثة الصاعدة، التي تعلمت أن تقارع بالحجّة وتفحم الخصم – ظننت أنني انتصرت وانتشيت بالتصفيق الجماهيري.
لكن أبي، ذلك الحكيم الصامت، قال لي بعبارة موجعة:
“تستقوين على فتاة بسيطة بما تعلمتِ، وهذا أكثر ما أحزنني.”
لم أنم ليلتها. ولم أسامح نفسي سريعًا. فكرت طويلا لسنوات فيما فعلته وما قلته. مع أني لم أقصد إيذاء أي كان وكنت أعتقد أني أحرر الآخرين بكلماتي وأدعوهن إلى الاعتراف بوجوههن واختيار الحرية إلا أني أدركت أنني كنت أمارس عنفًا معاكسًا لما عانيت منه في طفولتي. أنا التي حملت تاريخًا من القمع باسم الدين، صرتُ أنا القامعة، باسم العقلانية.
لكني لم أعد فقط تلك المندفعة التي ترى المنقبة بلا وجه، لقد صرت أرى في النقاب وجوهًا أخرى من بينها نفاق المجتمع التسلطي. فالثقافة البطريركية هي التي بلا وجه. لقد فاتني حين واجهت الشابة المنقبة أن النقاب في تلك اللحظة لم يكن النقاب، بل كان وجهًا آخر من وجوه صراعاتنا المعرفية والجندرية والسياسية.
سؤال الحرية وسقف “تفكير”
أقدّر بشدة أن نص سماء كُتب على منبر “تفكير”، الذي يحاول أن يكون مساحة آمنة للتعبير. ومع ذلك، شعرت أن المساحة – رغم رحابتها – ما زالت تضيق حين يتعلق الأمر بـ الحق في الغضب، في الحزن، في الفضح الصريح للعنف الناعم.
النص كاد يلامس هذا، لكنه تراجع في كل مرة اقترب فيها. ربما احترامًا للمقام، أو حذرًا من ردود الفعل. وربما، وهو الأرجح، لأننا كنساء ما زلنا نرتجف – ولو سرًا – ونحن نكتب عن “الوجه”، بكل ما فيه من خضوع وتمرد ووصم ومقدّس.
تختم سماء مقالها بالسؤال: “من يملك حق الحجب؟ ومن يملك حق النزع؟”
وأنا أقول: لا أحد يملك هذا الحق. ولا أحد ينبغي أن يملكه.
لكننا – نحن النساء – غالبًا لا نحمل حتى وجوهنا بأمان، نمنحها، وننزعها، ونغطيها، ونكشفها، تبعًا لقوانين لا نضعها، ومخاوف لا نعترف بها، ومجتمعات تفتك بنا حين نختلف، ثم تهتف لنا حين نتماهى.
نحو خطاب صادق وواعٍ
إن كان لنص سماء من فضل، فهو أنه فتح بوابة واسعة على حقيقة أن خطابنا عن النقاب ليس فقهيًا ولا أخلاقيًا فقط، بل هو خطاب عن المجتمع نفسه، وعن السلطة والطبقة والجسد والأنوثة الملتبسة.
ونحن، حين نكتب، لا ندافع فقط عن نقاب أو ضده، بل نحاول – مرارًا – أن نستعيد شيئًا من وجوهنا، من الحرية المقهورة في الداخل، من القدرة على قول “نعم” أو “لا” دون أن نخاف أن نخسر الحب أو العائلة أو الاحترام.
لهذا، أنا لا أكتب هذا الرد لأعارض المقال، بل لأقول له:
“شكراً، ولكن… ليتك أكملت. ليتك أخذتينا إلى النهاية. ليتك واجهتِ الألم نفسه، وخرجتِ منه بموقف. ليس موقفًا ضد النقاب أو معه، بل موقفًا من هذا الواقع العنيف الذي لا يترك لنا حتى حق حمل وجوهنا.”


على اليمين صورتي مع مريومة طالبتي بانسانيات قفصة.
على اليسار صورة لهند شلبي كانت تدرس وتبحث بهذا اللباس التقليدي التونسي (السفساري) تشبثا بالحجاب في زمن فرض نزع الحجاب.
(هند شلبي باحثة واستاذة تفسير بجامعة الزيتونة توفيت في سنة2021)
تسجيل مقطع فيديو لدكتورة زينب تتحدث عن الامر تدعو لقانون لمنع النقاب
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
Proudly powered by WordPress
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد