لو أعرف للفراق موطنًا، لسعيت إليه .. وفرّقته .. فلان
بقلم: فلان

توقفت عن طرح الأسباب، وهجرت ألوان العتاب، ولم أعد أحفل بالغياب، وقررت أن أصاحب وحدتي وأن أقضي ما بقي من عمري سواء طال أم قصُر في سكون، لكن عقلي الباطن كان له رأي آخر .. ليست سوى أشهر قليلة مرت في سكون بعد سنوات لا تسع حياة واحدة أحداثها، هاجرت ونجحت وأحببت وفارقت، حاربت وهادنت، تشاجرت وصافحت، اخطأت وعانيت، فررت وواجهت، فزت بما فزت وخسرت أكثر ما خسرت نتيجة الاندفاع والحمق .. فكتمت ما رأيت، وبغرور أفصحت، فأُجبرت على جمع ما فرّقت، ودفن ما أعلنت، ففرّقت ما جمعت وتركت ما غنمت، والتزمت بما عاهدت، عسى أن أعود إلى الجنة التي تركتها لمّا أذنبت ذنب آدم .. كنت في جنة لا أتوه فيها ولا أشقى، ولا أفارق ولا أضحى، لكنني سعيت إلى شجرة الخُلد ومُلك لا يبلى، فهبطت من الجنة إلى غربة خلقت مني لنفسي عدوًا، ولم يأتني فيها هدى.
منذ أسابيع ليست ببعيدة، عدت من العمل إلى المنزل حيث بإمكاني سماع ضجيج الصمت في أنحائه، جلست قبالة النافذة فنظرت نظرة في النجوم فحدّثتني نفسي أني سقيم، فقررت قتل الفكر بالنوم، وبعد شقاء واستجداء للنوم أن يأتي، لم تمض سوى ساعة أو يزيد، استيقظت على ألم قاتل في يدي إذ لكمت الحائط الملاصق لسريري بقوة دون وعي، ومع زيادة الألم الذي لم يمهلني حتى الصباح توجهت للمشفى، فوجد الأطباء شروخ في عدة مواضع واستغرق عمل الجبيرة وقتًا كان كافيًا لأفهم ما حدث، يبدو أن أحلامي اختلطت بذكرياتي وواقعي، رأيت في منامي أنني كنت في محطة قطار أنفاق في مدينة الضباب التي لم أعد أستسيغ نطق اسمها ..

إنها محطة كينجز كروس، أحفظها عن ظهر قلب، كنت أجري كمن يفر من موت يلاحقه، منقطع الأنفاس، لا يوجد غيري على رصيف المحطة، ولا أرى شيئًا سوى آخر عربة القطار الذي انطلق وبها كل من فارقني وكل من فارقته، أسرعت قدر ما استطعت، وقفزت وتعلقت بالعربة الأخيرة، عرفت كل تلك الوجوه التي حمل بعضها نظرة الغضب وبعضها نظرة الأسى، إلا واحد يوليني ظهره، لم أعبأ بالنظرات بقدر ما أردت إزالة الحاجز الزجاجي بيننا، اخذت أطرق الزجاج لعل أحدهم يوقف القطار، لكن لا شيء، فقط النظرات، وفجأة هَم جميع من بالعربة بالانتقال إلى العربة قبل الأخيرة إلا الذي لا أعرفه، فارتقبت، إلى أن التفت، ففزعت ..
إنه أنا، ليست هيئتي لكن قدّرت أنها ملامحي، نفس الندبة في نهاية حاجبي الأيمن والأخرى تحت العين، إنها مزيج بين ملامح وجهي الآن ووجهي منذ أحد عشر عامًا، وبدأ في فصل العربة التي تعلقت بها عن بقية القطار .. فانهمر بكائي المتقطع بالصراخ كطفل فقد أمه في سوق مزدحم .. طفقت ألكم الزجاج بكل ما أوتيت من قوة لكنه لم ينكسر .. وانفصلت العربة وبدأ القطار يبتعد ويغيب .. فلكمت الزجاج بقوة من مزيج الغضب والأسى فانكسر، ومعه يدي التي أيقظني ألمها.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد