فؤاد زكريا ونقد الشيخ الشعراوي.. بقلم: د. محمد السيد
د. محمد السيد يكتب سلسلة مقالات عن المفكر والفيلسوف فؤاد زكريا وهذا هو المقال الثالث: “فؤاد زكريا ونقد الشيخ الشعراوي”
د. محمد أحمد السيد
أستاذ المنطق وفلسفة العلوم

سأتحدث هذه المرة عن موضوع خلافي، أعتقد أن الآراء ستتباين حوله كثيرًا، ألا وهو السجال الذي دار بين الدكتور فؤاد زكريا (1927 – 2010) والشيخ الشعراوي (1911 – 1998) في ثمانينيات القرن الماضي.
لا ينكر إلا جاحد براعة الشيخ الشعراوي في التفسير وتمكنه ومعرفته بأسرار اللغة العربية، وطريقته الفريدة في تبسيط أعقد القضايا خاصة بالنسبة للبسطاء وغير المتعلمين. الواقع هناك تفاسير متعددة ومهمة قديمًا وحديثًا للقرآن الكريم، لعل من أهمها في القرن العشرين تفاسير الشيوخ محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وطنطاوي جوهري، وحسنين مخلوف، والمراغي والدكتور محمد سيد طنطاوي ومحمد عثمان الميرغني والطاهر بن عاشور، وغيرهم. غير أن تفسير الشيخ الشعراوي يبقى متفردًا وسط كل هذه التفاسير، فهو وفق قول الدكتور شوقي ضيف، رئيس اتحاد المجامع اللغوية العربية الأسبق، (هو نفسه له أيضًا تفسير مهم) “أنار لنا الشيخ الشعراوي دروب الفهم، والتحليل، والتمنطق، والتفلسف، والاجتهاد، والإشراقات الروحانية…” أطلق الشيخ الشعراوي على تفسيره من باب التواضع اسم “خواطر”، فهو لم يكن يفسر القرآن على شاكلة التفسير المنهجي التقليدي، بل كان يقدم رؤى روحية وإيمانية تخاطب الجمهور العريض من المؤمنين، ومن ثم كانت تعكس رؤيته الخاصة للآيات القرآنية.

لقد تحول الشيخ الشعراوي بعد وفاته إلى رمز “مقدس” في نظر قطاع واسع من الجماهير، خاصة في المناطق الشعبية، حتى إن الكثير من الناس ما زالوا يتباركون بصورته ويضعونها في المحلات والبيوت وعلى التوكتوك وسيارات النقل والميكروباص.
غير أن المعضلة تكمن في الخلط بين التفسير والفتوى السريعة المتعجلة عند الشيخ الشعراوي. فمن يتولى أمور الإفتاء (من قبيل المرحوم الشيخ عطية صقر “الذي يمت بصلة قرابة بعيدة لزوجتي الدكتورة سحر”، والذي كنت أحبه، رغم بعض فتاويه التي لا تناسب العصر) يحتاج، خاصة في القضايا العويصة، إلى روية ورجوع إلى المصادر، أما إطلاق الأحكام السريعة فيمثل مشكلة كبيرة تسيء إلى تاريخ قائل الفتوى، وتؤثر على مكانته وعلى جهده الكبير في مجالات أخرى.
لا تُعتبر فتاوى وآراء الشيخ الشعراوي دقيقة بشكل مطلق، بل هي اجتهادات شخصية تختلف في بعضها عن آراء العلماء الآخرين، خاصة في القضايا الفقهية المعاصرة أو تلك المتعلقة بالفقه الاجتماعي مثل عمل المرأة واختلاطها. ورغم شهرته، إلا أن بعض العلماء والمفكرين انتقدوا بعض آرائه، مشيرين إلى أنه قد يكون قد أعاد إنتاج أفكار قديمة تتطلب معالجة مناسبة في سياق العصر الحالي.
وليس عليك إلا أن تراجع فتاوى الشيخ الشعراوي، على سبيل المثال، في استتابة تارك الصلاة (كسلًا وليس إنكارًا) ثلاثة أيام ثم قتله بعد ذلك، وتأمل معي ملايين القتلى لو طبقنا هذه الفتوى في بلادنا، بل وتأمل معي كيف تتعارض تلك الفتوى من الحكمة من الصلاة التي تمثل لقاءً روحيًا بين الإنسان وخالقه، وضرورة أن تكون هي وسائر العبادات طوعية بدافع الحب والرغبة في التقرب من الله.
من بين الفتاوى المثيرة للخلاف أيضًا قول الشيخ في أحد الفيديوهات، إن المرأة لا تخرج للعمل إلا لأمرين، أولهما أن تكون ليس لها عائل، وفي هذه الحالة “تبقى معذورة”، والثانية أن تخرج على قدر الضرورة، لافتًا إلى أن مهمة المجتمع المؤمن ألا يترك المرأة هكذا، بل يقضى لها حاجتها حتى تعود لمنزلها سريعًا. ليس من شك في أن هذه الفتوى “الرجعية” تعود إلى زمن سحيق يتعارض حتى مع دور المرأة في صدر الإسلام حين كانت تشارك في العمل في الحقل ورعي الأغنام والتجارة (السيدة خديجة كانت سيدة أعمال)، وتشارك في الحرب، بل وتتصدر منابر الفتوى للنساء والرجال.
أيضًا هناك فتوى أخرى للشيخ الشعراوي تناولها الدكتور فؤاد زكريا، كما سنبين، عرض فيها رأيه في أخلاق المرأة، والعلاقة بينها وبين الذي ترتديه، بالقول: “المرأة يجب أن تكون مستورة حتى لا يشك الرجل في بنوّة أبنائه منها”، أي أن المرأة المستورة أو المحجبة هي وحدها التي تنجب لزوجها أبناء يكون واثقًا من أنهم أبناؤه، على حد قوله. هل هذا كلام معقول؟ وهل الحجاب أو النقاب وسيلة مأمونة ومضمونة للثقة في المرأة، أم أن الواقع العملي يقول لنا إن الثقة والأخلاق الحميدة لا علاقة لها بحجاب أو نقاب.
وأنه كان يستطيع أن يقول إن ارتداء الحجاب قد يكون مخالفًا للشرع عند الكثير من الفقهاء والمذاهب ويتعين على المرأة ارتداء الحجاب حتى لا تقع في شبهة المعصية، لكن الملابس ليست دلالة أو صك مضمون ونهائي للبرهنة على أخلاق من ترتديها.

هناك أيضًا فتاوى أخرى لا أريد الخوض فيها عن معارضة نقل الأعضاء حتى يسارع المرء إلى لقاء ربه، وعن السجود لله عقب هزيمة جيش مصر في نكسة 67، أو دفاعه عن الرئيس السادات ضد المعارضة التي كانت تهاجمه في مجلس الشعب، بقوله: “لو كان لي من الأمر شيء، لحكمتُ لهذا الرجل الذي رفعنا تلك الرفعة، وانتشلنا مما كنا فيه إلى قمة”، وزاد على حديثه بالآية القرآنية “لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون”. مما أثار غضب بعض النواب، فصرخ الشيخ عاشور نائب الإسكندرية آنذاك “مفيش حد فوق المساءلة، لنرع الله فيما نقول”، ورد عليه الشيخ الشعراوي: أنا أعرف بالله منك، وفي نفس الوقت صاح الشيخ صلاح أبو إسماعيل “نائب الجيزة” موجهًا حديثه للشيخ الشعراوي: “لقد كذبت يا رجل، لقد كدت تكفر، فاستغفر الله، فهذه الصفات لا تمنح لبشر إنما اختص بها المولى سبحانه.”
مع كل هذا أنا لست من أنصار وجهة النظر الأحادية التي لا ترى في أي شخص، خاصة لو كان من كبار المفكرين أو القادة، جانبًا واحدً؛ إما شيطانا أو ملاكًا، إما مفكرًا عبقريًا مبدعًا أو أحمقا غبيا، إما قائدًا عظيمًا أو مهرجًا منهزمًا لا يستحق أي تقدير. من هنا فأنا أحترم شخص الشيخ الشعراوي والكثير من تفسيراته العميقة، وعنايته بالتفسير اللغوي والبلاغي، ودقة استنباطاته للمعاني الخفية، ولا زلت أذكر تفسيره العقلاني لمعنى الحسد في القرآن وكيف أن كلمة “شر حاسد إذا حسد” تعني الشر المادي وليس مجرد النظر أو التمني، وإنما إلى جانب ذلك محاولة إلحاق الأذى بالشخص المحسود، لكني رغم ذلك ضد الكثير من فتاويه التي أساءت إليه وإلى فئات كثيرة من المجتمع، وأخشى أن أقول إن لها آثار سلبية على الدين نفسه.
نعود إلى السجال الذي دار بين الدكتور فؤاد زكريا والشيخ الشعراوي، حيث انتقده الدكتور فؤاد دون مجاملة أو خوف من الجماهير التي يغلب عليها التفكير العاطفي لا التفكير العقلاني. كان الشيخ الشعراوي أو “إمام الدعاة” كما يُطلق عليه يمثل، وربما لا يزال عند الكثيرين، خطًا أحمر لا يجوز الاقتراب منه.
وقد رفعه المدافعون المتحمسون إلى منزلة “الولي” المعصوم من الخطأ رغم بعض الأفكار الغريبة واللامعقولة التي كان يدافع عنها ويروج لها كما ذكرنا. وعلى الرغم من مكانة وشعبية الشعراوي التي أخرست ألسنة الكثير من النخبة المثقفة، إلا أن الدكتور فؤاد زكريا دخل عام 1984 في سجال معه، وكتب مقالاً معروفًا بعنوان “كبوة الشيخ”، والغريب أن رؤساء التحرير في مصر رفضوا نشر المقال خوفًا من المكانة الشعبية الواسعة للشيخ الشعراوي، ونشرته جريدة القبس الكويتية. يقول الدكتور فؤاد في ذلك المقال: “سأكتفي بضرب أمثلة سريعة، كلها مستمدة مما سمعناه أو قرأناه للشيخ خلال شهر رمضان الأخير. فهو يعرض في أحد أحاديثه التلفزيونية رأيه في أخلاق المرأة والعلاقة بينها وبين الزي الذي ترتديه، فيقول إن المرأة يجب أن تكون مستورة حتى لا يشك الرجل في بنوّة أبنائه منها! وهكذا يقرر الشيخ ببساطة شديدة، أن المرأة المستورة أو المحجّبة هي وحدها التي تنجب لزوجها أبناء يكون واثقًا من أنهم أبناؤه، أما إذا لم تكن كذلك، فإن الأمر يظل موضع شك! وحين يعرض الشيخ شعراوي نظرية أخلاقية كهذه، لا يملك المرء إلا أن يشعر بالألم والحزن على نوع التفكير الذي يوصل إلى مثل هذه النتائج.. وهكذا تُختزل المرأة كلها إلى عنصر واحد، هو الجسد والجنس، وننسى المرأة العاملة والمرأة المشتغلة بالعلم.”
وتناول الدكتور فؤاد زكريا مجالاً آخر من مجالات اختلافه مع الشيخ الشعراوي فقال: “أما في ميدان العلم، فقد كانت للشيخ صولات وجولات، سأكتفي منها بنموذج واحد استمعنا إليه جميعًا، وهو تفسيره للآيات المتعلقة بالسموات والأرض، والنظرية الفلكية التي عرضها علينا عرضًا مفصلاً، وحدّد فيها علاقة السماء الأولى بالثانية، والثانية بالثالثة، وهلم جرا. والأمر الملفت للنظر في هذا الحديث هو حرصه الدائم على الإقلال من شأن العقل والعلم الإنساني، واستمتاعه بتأكيد ضعف النظريات العلمية البشرية وتفاهتها، وأن علوم الفضاء وتكنولوجيا الأقمار الصناعية كلها لا تساوي شيئاً، وأن الكلينكس (المناديل الورقية) “اختراع أهم بكثير لأنه يمسح اتساخ اليدين”، هنا لا يملك المرء إلا أن يتساءل: لمصلحة من يقال هذا الكلام في بلاد تكافح من أجل اللحاق بركب العلم والتكنولوجيا، وماذا يكون وقع هذه الكلمات على أسماع الأجيال الشابة الجديدة، التي تعيش أعداد كبيرة منها في أسر مفتونة بالشيخ ومتقبلة لكل حرف يقوله وكأنه كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ ألا يدري الشيخ أن مستقبلنا مرهون بالعلم” …؟
يرى الدكتور فؤاد أن مشكلة الشعراوي تكمن في أنه انبهر بإعجاب الملايين الذين سحرتهم كلماته ولم يقاوم إغراء الحديث في كل المجالات البعيدة عن الدين، فتحدث في الاقتصاد، وأفتى في الطب، والسياسة وحتى في العلوم الطبيعية التي لا يعلم عنها إلا أقل القليل.
وبسبب تكرار هذا المنحى المعادي لدور العلم في أحاديث وأشرطة العديد من الدعاة، لاحظ الدكتور فؤاد “أن الهجوم على العقل البشري واتهامه بالقصور أصبح سمة من أبرز السمات المميزة للدعوات الإسلامية المعاصرة. ومن الواضح أن الكثير من الدعاة يتصورون أن الوحي الإلهي لن تصبح له مكانته في نفوس الناس إلا على حساب العقل البشري، بحيث يتعين عليهم أن يحطوا من شأن العقل حتى يؤمن الناس بمكانة الوحي. وتلك في رأيي أسوأ أساليب الدعوة، خاصة في هذا العصر الذي أصبح فيه العلم وغيره من منجزات العقل البشري “القاصر” حقيقة لا يملك أن يتجاهلها مخلوق. ألم تكن بعض منجزات هذا العلم هي التي أذاعت شهرة الشيخ، ونقلت أفكاره على أوسع نطاق عن طريق تكنولوجيا الطباعة، والإذاعة، والتلفزيون، والكاسيت؟
ولكن أليس العقل الإنساني قاصرًا محدودًا فعلاً؟ هذا ما سوف نتناوله في الحلقة القادمة مع عرض مواجهات فؤاد زكريا مع الشيخ الغزالي والشيخ القرضاوي.
انتظروا المقال القادم….
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد