في مطبخ نصر حامد أبوزيد… فلسفة التأويل عند ابن عربي (٢)
بقلم: عمرو عبد الرحمن

في المقال السابق استعرضنا مراتب الوجود عند ابن عربي لفهم تصوره عن الله والعالم والإنسان. وفي هذا المقال نعرض هذا التصور بشكل أعمق، وكذلك التأويل عند ابن عربي كأداة لرفع التناقضات.
يقوم تصور ابن عربي للإنسان على أساس ثنائية ذات بعدين متعارضين، باطن جامع لحقائق الأسماء الإلهية، ليكون خليفة الله والموجود الأول. وظاهر على صورة الكون جامعًا لحقائقه من حيث طبيعته الجسمية، ليكون موجود اخير مخالف لله وإنسان حيوان. ولأن العالم بكل مراتبه ليس إلا مجال ومظاهر لحقائق الألوهة، فلا يوجد تعارض بين ثنائية الإنسان. التعارض يوجد على المستوى المعرفي عندما يتجاهل الإنسان أحد جانبيه ويركز على الجانب الأخر. فإذا نظر إلى جانبه الكوني أصبح معرض للكفر والنزول إلى مرتبة أدنى من الحيوان، وإذا نظر إلى جانبه الإلهي أصبح معرضًا للكبر وادعاء الألوهة. وعلى الإنسان تقع مهمة حل هذا التعارض بين باطنه وظاهره، لتحقيق هدفه النهائي وهو معرفة الله معرفةً مغايرة لمعرفته بذاته. فيكون التركيز فيما هو قادم على دور الإنسان المعرفي، من خلال موقعه الوجودي، وصولًا إلى حقيقة الوجود الباطنية.
الإنسان والعالم
الإنسان هو أخر مراتب الوجود، الآخرية هنا ليست زمنية، فلاوجود للزمن في تصور ابن عربي الدائري للكون. الآخرية هي اجتماع كل حقائق الكون واكتمال دائرة الوجود. فكما كان القلم هو المبدع الأول، كان الإنسان أخر هذه المراتب من الناحية الوجودية. الآخرية هنا إذا نظرنا من جهة الكون، أما إذا نظرنا من جهة الألوهة فهو أول في الوجود. وكما هو أول وآخر، فهو ظاهر وباطن. ظاهر بآخريته الكونية، وظاهر بأوليته الروحية. هذه الأوصاف كذلك يمكن إطلاقها على العالم. فهو قديم وباطن في العلم الإلهي، ومُحدَث وظاهر من حيث الوجود العيني.
تقوم العلاقة بين الإنسان والعالم على نوع من التماثل كما تقوم على نوع من الاختلاف. فحقائق العالم توجد بكاملها في الإنسان، لكنها توجد مجتمعة، بينما توجد متفرقة في العالم. هي علاقة يمكن التعبير عنها بثنائية الروح والجسد والمركز والدائرة. كما يمكن التعبير عنها بعلاقة توازي يتوسط فيها الإنسان العلاقة بين الله والعالم. وهي موازاة لا تقوم على تطابق، بل على نوع من التشابه. حيث الإنسان والعالم صور للحقيقة الإلهية، وتعدد الصور ناتج عن اختلاف المرايا وتعدد طبائعها. فالإنسان ليس الله وليس الكون. والكون هنا يشمل الإنسان، بينما الإنسان المقصود في علاقة التوازي هو الإنسان الكامل الذي تمثلت فيه الحقيقتان الإلهية والكونية على الكمال. بدءًا من آدم خليفة الحقيقة المحمدية ثم الأنبياء والعارفين. أما باقي البشر فهم مراتب مختلفة تقترب وتبتعد من الكمال تبعًا لقدرتهم على حل التعارض القائم بين جانبيها الإلهي والكوني.
الإنسان وعالم الأمر
الإنسان مكوَّن من روح وعقل ونفس وجسد. يستمد روحه من روح الحقيقة المحمدية السارية في الوجود كله، ويستمد عقله من العقل الأول الذي هو المبدع الأول في العماء. ويعتبر ابن عربي العقل وزير الروح، يستمد علومه منها رغم أنه لا يدري أين يصرفها. النفس بعض الروح، محل التطهير والتغيير ومقر الأمر والنهي. هي محل الانقسام بين الروح والعقل من جهة والشهوة والهوى من جهة حيث يمثلان قوى النفس الكلية الباطنة التي تمتد عنها فتكون الطبيعة. النفس واقعة بين نقيضين: ظاهر الإنسان الجسدي ومطالبه، وباطنه متمثلًا في الروح والعقل. وهي إما أمارة بالسوء أو مطمئنة تبعًا لاي جهة تختار. أما الجسد فتوجد موازاة بينه وبين عناصر الوجود الحسي. وكما في العالم ماء وهواء وتراب ونار، يوجد ذلك في الإنسان ومنه خُلق. يقول الله (والذي خلقكم من تراب)، ثم قال (من طين) وهو امتزاج التراب والماء، ثم قال (من حمأ مسنون) وفيه الهواء، ثم قال (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) وفيه النار.فكما قام باطن الإنسان على التربيع، قام ظاهره على التربيع.
يحاول نصر أبوزيد تعليل الأساس الرباعي الذي يتصور ابن عربي عليه الإنسان والعالم. وقيام الرباعية في كل مراتبها يقوم على أساس ثلاث مستويات فاعلة ومستوى منفعل وقد سبق إخوان الصفا ابن عربي إلى هذا التصور الرباعي متأثرين بالفلسفة الفيثاغورثية التي اتخذت من الأعداد رموزًا ودلالات لتصورات فلسفية عن الوجود والكون. ذهبت هذه الفلسفة إلى أن الواحد ليس عددًا بل هو أصل كل الأعداد، منه تبدأ وإليه تنحل. هم يلاحظون أن أكثر الأمور الطبيعية تقوم على أساس رباعي مثل الطبائع من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، والأركان من ماء وهواء ونار وتراب، والفصول والاتجاهات وغيرها، لكنهم يردون السبب إلى حكمة إلهية لا يستطيع العقل الوصول إليها. يوازي ابن عربي بين الألوهة والواحد، فالألوهة أصل العالم لكنها لا تنتمي للعالم. كما أن خلو العالم من حقائق الألوهة يعني انعدامه. وهي نفس علاقة الواحد بالأعداد. كما يفصل ابن عربي بين الذات والألوهة، أو بين الأحدية التي هي نسب الذات الإلهية والوحدانية التي هي وصف، فصلًا معرفيًا لا وجوديًا. والوصف لا يؤدي إلى أي تعدد في الذات.
كيف صدر العالم عن الواحد؟
يخالف ابن عربي إخوان الصفا والفيثاغورثيين الذين تصوروا أن الكثرة تصدر عن الواحد بالإضافة، وأن الموجودات تصدر عن الله بنفس الطريقة. يقيم ابن عربي الوجود على أساس التفاعل لا الإضافة. فالاثنان وحدها لا تنتج أي كثرة، والكثرة تبدأ من العدد ثلاثة. فاعل ومفعول وانفعال، ذكر وأنثى ونكاح، مقدمتين وواسطة تؤدي إلى نتيجة. والناتج عن ثلاثية التكوين ينتهي إلى التربيع، لذا فقد قام الوجود كله على التربيع.
الإنسان والله
يعتمد ابن عربي والمتصوفة عمومًا على حديث ينسبونه للنبي (إن الله خلق آدم على صورته)، فإذا عاد الضمير على الله كان المقصود بصورته حقائق الأسماء الإلهية، وإذا عاد على آدم كان المقصود صورة آدم في علم الله. وما يهم أبوزيد هنا هو التغاير بين الصورة والأصل المفترض، والذي يعود بنا إلى مرتبة الخيال المطلق. وآدم من حيث هو تجلي الحقيقة المحمدية يمثل الخليفة لله، وأتباعه من العارفين خلفاء بالتبعية، وكل هذا ينفي التوحيد بين الله والعالم والإنسان. هي علاقة أشبه بالميزان عندما يتكافأ الذهب والحديد في الوزن، لكن يظل الذهب مغايرًا للحديد. وهو ما ينفي وهم الوحدة. التماثل بين الله والإنسان هو تماثل بين حقائق الإنسان وحقائق الألوهة. تماثل لا يلغي الثنائية في فكر ابن عربي، التي ينكرها كثير من الباحثين لحساب وحدة الوجود الشاملة. علّم الله آدم الأسماء الإلهية، وفي نسله يمكن ان تتحقق الصورة بمعرفتهم لحقيقتهم الباطنية.
ظهرت حقائق الألوهة في العالم متفرقة وفي الإنسان مجتمعة، لكنه ظهور يختلف فيه معناها في الله عن الإنسان لأنه صورة. هذه الحقائق تكتسب معناها ومغزاها بالإضافة للإنسان والعالم. فالألوهة لا تُعقل إلا بوجود المألوه والربوبية لا تُعقل إلا بوجود المربوب. هذا التلازم هو تلازم ذهني لا يعني ان وجود الإنسان والعالم هو من أكسب الذات الإلهية أسماءها وصفاتها وحقائقها، لأن العالم والإنسان لهما وجود علمي سابق على وجودهما العيني كأعيان ثابتة في العدم. علاقة الظاهر والباطن بين الله والإنسان لا تعني احتياج الله للإنسان، فالذات ظاهرة لنفسها أزلًا، وحاجتها للإنسان هي إظهار حقائق الألوهة في صورة غيرية تُعرف من خلالها معرفة مغايرة لمعرفتها بذاتها.
الباطن والظاهر
إن ثنائية الظاهر والباطن في الألوهة تظهر بشكل مغاير في الإنسان، يتجلى في تنوع الباطن وثبات الظاهر. أما الحق فالظاهر له التنوع والباطن هو الثبات. وأساس ذلك هو التماثل الناتج عن النظر للمرآة حيث يصبح اليمين يسارًا واليسار يمينًا. وإذا كان الغرض من إظهار حقائق الألوهة هو المعرفة، فيجب أن يكون التماثل قائم على الاختلاف حتى يكون للمعرفة طريق ومعنى. المعرفة هنا طريق للتحقق بكمال الصورة. يمكن القول أن العلاقة بين الله والإنسان تقوم على أبعاد ثلاثة: المماثلة والخلاف والضدية. مماثلة من حيث أن الإنسان على صورة الله. وخلاف نابع من أنه صورة فيجب أن تغاير الأصل. وضدية ناتجة من علاقة الذات الإلهية بالذات الإنسانية فلا يكون العبد ربًا أو الرب عبدًا. الإنسان الكامل من حيث مماثلته للحق يماثله معرفيّا لا وجوديًا، فهو مدرك لحقيقة عبوديته، لكنه يصل إلى معرفة أنه على الصورة. فالضدية تمنع التوحد، والمماثلة تخلق الرابطة، والخلاف يؤدي إلى المعرفة.
الأسماء الإلهية أصلية في الألوهة، مستعارة في الإنسان. هي العلة الفاعلة في كل مراتب الوجود، وإن احتجبت في الكون وراء العلل المباشرة، حتى ما يوهم منها بالتشبيه كالفرح والمكر. فالأسماء كلها لله بالأصالة، والخلق قد ظهر بها. تظهر الأبعاد الثلاثة في العلاقة بين الله والإنسان في الأسماء الإلهية. فالتماثل يظهر في الرحمن الرحيم، والخلاف يظهر في الرحمن الصبور، والضد يظهر في الضار النافع. فيظهر حرص ابن عربي على المماثلة الكاملة مع حرصة على المغايرة والاختلاف، لرغبته في إقامة الوحدة مع الحفاظ على الثنائية من خلال فكرة الوسيط البرزخي. ويعتبر نصر أبوزيد أن ابن عربي نجح في تجاوز الثنائية معرفيًا لا وجوديًا، لأن هذا هو التجاوز الوحيد المتاح حين يتلاقى معرفيًا الطريقان اللذان ميز بينهما ابن عربي صعودًا من الإنسان وهبوطًا من الله.
التأويل والمعرفة
طبيعة المعضلة المعرفية
المعضلة هي قيام الوجود الإنساني على ثنائية الباطن والظاهر. باطن الإنسان هو حقائق الألوهة الذي قد يصيبه بالكبر، وظاهره هو جانبه المادي الكوني الذي قد يغرقه في حاجاته المادية وشهواته. وحل المعضلة لا يكون إلا يكون إلا بالتوفيق والتناغم بين طرفيها. وتمثل الشريعة عند ابن عربي دواء لتضخم الجانب الإلهي في باطن الإنسان، فترده إلى عبوديته، ليدرك ضعفه ويعرف أصله الوجودي. الشريعة لها ظاهر وباطن، مُحكَم ومتشابه، تشبيه وتنزيه. وإدراك جانب واحد منها لا يؤدي إلى المعرفة الكاملة. المعضلة هنا هي معضلة معرفية لا وجودية. يحلها الإنسان بتجرده من جانبه الظاهر وطاعة النفس للروح، ليكون في أحسن تقويم، ويصل إلى حالة الإنسان الكامل. بينما إذا أطاعت النفس الهوى والشهوة، وصل إلى حالة الإنسان الحيوان، الذي يشبه الإنسان في الصورة الظاهرية دون الحقيقة الباطنية. هذا الكمال الإنساني لا يعني تجرد من الإنسانية -أو العبودية- بل هو حالة من الفناء يصل إليها الصوفي في معراجه المعرفي. الفناء هو حالة من الموت الاختياري، يتصل فيها الإنسان بعالم البرزخ ليستمد منه المعرفة، ويكون نائبًا عن الحق. الفناء هو نتاج رحلة الإنسان من ظاهره الكوني إلى باطنه الإلهي. هي رحلة خيالية برزخية يصل فيها العارف إلى حقائق الوجود، وتأويل مظاهره وصولًا لمعناها الباطن. ويلتقي فيها تأويله الوجودي بتأويله للوحي في تناغم كما يلتقي جانباه الباطن والظاهر.
الخيال عند ابن عربي هو أحد الأبعاد التي يتماثل فيها الله والإنسان، فالإنسان يمتلك قوة الخيال المعرفية التي يتميز بها عن باقي المخلوقات، ويمكن للإنسان الكامل أن يخلق من الصور البرزخية كما يشاء، والفارق بين الإيجاد الإلهي في الخيال والإيجاد الإنساني، هو دوام الأول وفناء الثاني. وحين تتحقق المعرفة، تنتفي ثنائية الظاهر والباطن، وتكتمل دائرة المعرفة بالإنسان كما اكتملت به دائرة الوجود. خلال رحلته يحتاج الصوفي إلى قوة أخرى تنقذه من اختلاط المعنى والصورة بداخله، حتى يصل إلى العلم الصحيح. هذه القوة هي القلب، لأن المتصوفة وخصوصًا ابن عربي لا يثق بالعقل الذي انطلق منه الفلاسفة والمعتزلة. لذلك يجب أن ينطلق من تحققه التام بأوامر الشريعة وتكاليفها الظاهرة، ليعود من رحلته مزودًا بالمعرفة الحقيقية فيكون قادرًا على تجديد الشريعة وإدراك جانبها الباطن.
رحلة الصوفي المعرفية هي رحلة خيالية تستهدف الكمال الإنساني من جهة، وتحقيق الهدف النهائي من إيجاد الكون -وهو معرفة الله معرفة غيرية- من جهة أخرى. ويتم ذلك بتجاوز ظاهر الكون وصولًا إلى باطنه، بالتخلص من عناصر الكون المتداخلة فيه، وذلك لا يتم إلا في الخيال عن طريق التجرد والزهد. الرحلة أشبه بالموت الاختياري، حيث يصل فيها الصوفي إلى المعرفة التي يصل إليها الناس بعد الموت. وهي معرفة ناتجة عن العمل بالشريعة، فللوصول للباطن (المعرفة) لابد من المرور بالظاهر (الشريعة). ويحذر ابن عربي من الوقوف عند مرتبة معينة من مراتب الوجود؛ لأن ذلك يؤدي إلى معرفة ناقصة تؤدي إلى نقص في درجة التجلي.
خلال رحلة الصوفي يحتاج إلى تنقية باطنه من ظاهره الكوني للوصول إلى باطنه، ويكون وسيلته في ذلك هي القلب. يصبح الخيال مرآة عاكسة لما في القلب، وينتقل من العلم إلى المشاهدة ثم المكاشفة عند الفناء.
الوجود عند ابن عربي عبارة عن صور خيالية منصوبة، فالحديث يقول “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا” فعندما يتجلى الله على القلب، يمكن تأويل الوجود الخيالي وفهم حقيقته الباطنة. الخيال ظاهر والقلب باطن. بالخيال الإنساني يعبر الإنسان الظاهر الحسي الوجودي، والقلب هو الأداة القادرة على التأويل. والعبور والتأويل وسيلتان لغاية واحدة هي المعرفة الصحيحة.
اختلف ابن عربي مع الفلاسفة الذين أخضعوا الخيال للعقل، واعتبروه الوسيلة المثلى للمعرفة اليقينية ومعيار الحكم على الأشياء، وحتى الفلاسفة الذين امتزجت فلسفتهم بالتصوف كابن سينا والفارابي، الذين اعتبروا أن هناك طريقين للاتصال بالعقل الفعّال: طريق النظر ووسيلته العقل، وطريق الإلهام والمخيلة وهو خاص بالأنبياء. لا يعتد ابن عربي بالعقل من حيث اعتماده على القوة المفكرة، بل هو مجرد متلقي عن الروح والقلب. كما لا يرى الخيال قاصرًا على الأنبياء، ولا يقصر دور الخيال على الاتصال بالعقل الفعّال، بل هو وسيلة لعبور كل مراتب الوجود. فلا تتساوى عنده المعرفة التي يحصّلها الصوفي والفيلسوف. أما الحواس فهي تنقل انطباعاتها عن المحسوسات كما هي للمخيلة -إذا لم تكن بها علة ما- ولها جانب ظاهر يؤدي انطباعاته إلى المخيلة، وجانب باطن يؤدي إلى القلب وفي خدمته. يعتبر ابن عربي والمتصوفة أن القوة المفكرة بلاء على الإنسان، ولم يعتمدوا على العقل المفكر المستدِل، بل العقل الذي يستمد من الروح أو القلب. وسبب عدم الثقة في القوة المفكرة أنها تعتمد على مقولاتها الخاصة في التمييز بين معطيات الخيال. وإذا كانت المعطيات خاطئة أدت للجهل. فالخيال هو قوة من قوى النفس تتوسط الحس والفكر. وهو الوسيلة الوصول إلى باطن الإنسان الروحي. للقلب عند ابن عربي جانبان: جانب إيجابي من حيث هو قابل للتجليات الإلهية والمعرفة الصحيحة، وسلبي إذا وقع في الغفلة نتيجة انشغال النفس بأعراض الدنيا الزائلة، فتصدأ مرآته. ويفرق ابن عربي بين التجليات الإلهية على ظاهر النفس وباطنها. تنتج التجليات على ظاهرها العلوم الدنيوية كالفقه والنحو والمنطق، بينما تنتج التجليات على باطنها علوم الباطن والأسرار. وتحتاج العلوم الدنيوية إلى التأويل، ولا يتم ذلك إلا بعلوم الباطن. ولا يمكن الوصول لعلوم الباطن إلا بعلوم الظاهر.
ما هي أدوات القلب في تحصيل علوم الباطن؟
للقلب عند ابن عربي خمس قوى إدراكية ظاهرة هي الحواس الخمسة، وخمس قوى إدراكية باطنة هي الروح الحيواني والخيالي والمفكرة والعقلي ومقرها الدماغ، والروح القدسي ومحلها القلب. كل هذه القوى في خدمة الروح والقلب لا العقل. والحواس الظاهرة والباطنة تدرك الأشياء بنور باطن فيها، والأشياء لها نورها الخاص باعتبارها مجالًا للنور الإلهي. وبالتقاء نور الحواس ونور المحسوسات يحدث الإدراك. فيرد ابن عربي كل إدراك حسي إلى حقيقة روحية هي النور الإلهي المبسوط على الموجودات. وبالتالي أي علم له نسبة إلى الله، يعلم ذلك العارفون، ويجهله المحجوبون. إذن كل مُدرَك قابل للإدراك، وكل مدرِك يستطيع الإدراك، إدراك الأشياء على ما هي عليه، لكن تطرأ على القلب أصداء، وعلى الحواس موانع، تعوق النور الكامن فيها عن الإدراك. ومن هنا كانت الحاجة لتصفية القلب وتقوية الفكر والخيال، وصولًا للمعرفة الحقة. فيصبح القلب مرآة قابلة للتجليات الإلهية المختلفة، ويدرك العلوم الباطنة كما أدركت النفس الأعيان الظاهرة .وهي علوم كالنصوص لا تحتمل الخطأ أو التأويل، بفضل التجليات الإلهية على قلوب العارفين. والعلاقة بين العلوم الظاهرة والباطنة تقوم على التداخل، تُمكِن أهل الفناء من العودة للخلق مجددين للشريعة وارثين للعلم النبوي. إن الوجود بمراتبه المختلفة يمثل حجابّا على الحقيقة الإلهية، لذا يحتاج إلى تأويل عبورًا من ظاهره إلى باطنه، والعارفون الذين تجاوزوا هذا الوجود الظاهر إلى باطنه هم القادرون على ذلك التأويل. تأويل مظاهر الوجود والشريعة معًا. الوجود عن ابن عربي خيال يماثل الحلم، يحجب الحقيقة كما يفسد الحلم المعنى الذي يتضمنه. كلاهما يحتاج التأويل الذي يقوم به العارفون لعبور الصورة إلى معناها الباطن وصولًا إلى العلم الصحيح. الخيال الوجودي والخيال الحلمي يصدران من منبع واحد هو عالم البرزخ. والعارف بحكم تجربة اليقظة قادر على تأويلهما، فماذا عن الإنسان العادي؟
يفرّق ابن عربي بين الحلم والتعبير عن الحلم بألفاظ لغوية. هذا التعبير هو الوسيط بين الرائي والمفسر لرد الصور الرامزة إلى حقيقتها المرموزة. والتعبير قد يطابق صورة الحلم أو يخالفها حسب قدرة الرائي التعبيرية، وعلى حسب ذلك يكون التأويل صحيحًا أو خاطئًا، لأن التأويل هنا يكون للتعبير اللغوي، وليس للحلم مباشرةً. وبذلك يجب أن يقع التأويل على الوجود أيضًا. ويعتبر نصر أبوزيد أن موازاة ابن عربي بين الوجود والقرآن تمكنه من الموازاة بين القرآن والتعبير عن الحلم، مادام الوجود يوازي الأحلام. ومن الضروري أن يساوي القرآن الوجود من حيث هو التعبير الوجودي مساواة تامة. فالوجود كلمات الله المسطورة، والقرآن كلمات الله المرقومة.
التأويل عند ابن عربي منهج فلسفي عام يحكم الوجود والقرآن معًا، لأنهما وجهان لعملة واحدة. والصوفي المتحقق هو القادر على القيام بالتأويل. والتأويل هو رفع التناقض المتوهم بين الوجود والحقيقة من جانب، والشريعة والحقيقة من جانب آخر. ولا يتم ذلك بالعقل أو النقل، لأن الحقيقة ليست في ظاهر النص، بل هي في تأويله بإرجاعه لأصله والكشف عن معناه الأصلي. وهذا لا يعني الإتيان بشريعة جديدة وإلا كانت الشريعة مناقضة للحقيقة، بل بإدراك العلاقة بين ظاهر الشريعة وباطنها، حيث الصورة هي الظاهر والأصل هي الباطن الذي به يتم تفسير الظاهر أو الصورة.
الحقيقة والشريعة
كل الشرائع مستمدة من الحقيقة المحمدية السارية في الوجود كله، وهي في باطنها تُنسب للروح المحمدي، وفي ظاهرها تُنسب للنبي الذي جاء بها. ظهور محمد يعني اكتمال الظاهر وبلوغه غايته، فالنبوة هي المستوى الظاهر للشريعة، والولاية هي المستوى الباطن. وكلاهما مستمدان من الحقيقة المحمدية، والفارق أن النبوة موهوبة والولاية مكتسبة بالسلوك والمجاهدات. ولأن الباطن هو الأصل معرفيًا، فالولاية هي الأصل، والنبوة هي الفرع. بدأت دورة النبوة بآدم وانتهت بمحمد، أما دورة الولاية فهي لا تنتهي، لأن الباطن لا يتوقف عند صورة من صور الظاهر. وكل نبي هو ولي، وليس كل ولي نبي. هناك ولاية عامة تبدأ بآدم وتنتهي بعيسى عند عودته آخر الزمان ليحكم بالشريعة ويقيم العدل. يكتمل بعودته باطن الشريعة، كما اكتمل ظاهرها بظهور محمد. أما الولاية المحمدية الخاصة، فتختص بالعارفين من اتباع الشريعة الإسلامية. دورتها سرية فلا يُعرف ممثلوها، ودائمًا هناك واحد لا يخلو منه الزمان، هو القطب الذي به يستمر العالم. بدأت بمحمد من حيث هو ولي، وختمها هو ابن عربي نفسه. 🙂
الوارث المحمدي هو القادر على تأويل باطن الشريعة، لأنه يستمد الفهم من مصدرها الأصلي خلال معراجه الخيالي. والطرق تختلف باختلاف السالكين، لكن كل سالك يقف عند حدود معراجه الخاص، ليعبر عن مدى معرفته التي تعكس المدى الذي وصل إليه في معراجه. الولاية هي الوصول إلى غاية المعراج الصوفي، والعلم بالأسرار الإلهية، فهي نبوة تحقيق لا تشريع، أما النبوة على العكس فهي تجمع بين التحقيق والتشريع. لا يأتي الولي بأحكام جديدة أو ينسخ أحكامًا قديمة، بل يأتي بفهم جديد مستمد من المصدر الأصلي الذي استمد منه النبي ذاته.
لا يقنع المتصوفة بمنهج النقد التاريخي للأحاديث، ولا بالمنهج العقلي في القياس وتقرير الأحكام؛ لأن الصوفي الولي قادر على تصحيح الحديث أو تضعيفه بالعودة إلى منبع الحديث وهو روح النبي. فهو يعاين العصر النبوي ويعايشه، ويفهم الحديث ومحتواه فهمًا يقينيًا يقوم على الكشف، بعكس منهج المحدثين والفقهاء الذي يوقعهم في دائرة الاحتمالات والظنون. لذا فنحن مطالبون بالتسليم بصحة ما أورده ابن عربي من أحاديث، وبصحة فهمه لها، وبصحة تصوراته الفلسفية كلها لأنها مبنية على فهم خاص لأحاديث يوردها؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، والعلماء عند ابن عربي هم المتصوفة العارفون. وهم القادرون على تأويل الشريعة وفهمها فهمًا صحيحًا.
كل الحقائق تقوم على التربيع عند ابن عربي، حقائق الوجود والإنسان وكذلك الدين الذي يقوم على الولاية والنبوة والرسالة والإيمان. لها ظاهر وباطن، وتقوم على الحقيقة المحمدية التي كانت أساس حقائق الوجود والإنسان معًا. يؤسس ابن عربي لتشكيل منظم يمثل حقائق الدين الأربعة. يمثل ظاهرها عيسى وإلياس وإدريس والخضر، وهم الرسل الأحياء في نظر ابن عربي. ويمثل باطنها آدم وإبراهيم وعيسى ومحمد. وينوب عن هؤلاء الرسل في عالم الحس والشهادة القطب والأئمة والأوتاد والأبدال. وهؤلاء الأخيرون يستمدون علومهم من اسرافيل وميكائيل وجبريل وعزرائيل. محمد هو القطب الروحي الذي يحفظ الله به كل مراتب الوجود، وآدم وعيسى وإبراهيم هو الأوتاد لهذا القطب. وإذا تعمقنا في تصور ابن عربي لمراتب العارفين سنجد الموازاة بينها وبين تصوره لمراتب الوجود. واحتفظ ابن عربي لنفسه بمنصب القطب وختم الولاية؛ ليعطي نفسه حق التأويل وتبرير مستويات المعرفة والتأويل.
القرآن والتأويل
يحيط بمؤلفات ابن عربي الكثير من الغموض -خاصةً ما يرتبط بتأويل النص القرآني- ففد تثير الآية الواحدة في ذهنه دلالات وجودية ومعرفية متعددة في سياق محدد، ويمكن أن تثير نفس الآية دلالات مغايرة في سياق آخر. ما يجعل فهمها عسيرًا بسبب الحاجة إلى كثير من التأمل والربط بين الأفكار المختلفة وجمعها في نسق واحد. وعلة ذلك فيما يقول انها جاءت نتيجة إلهام رباني. يجد ابن عربي في القرآن كل شئ، ويقرأ فيه الوجود بأسره. وانطلاقًا من الموازاة بين الوجود وحالة النوم التي نحن فيه والقرآن، فكما تؤوَّل الصور في الأحلام والمظاهر المُدركة في الوجود، يؤوَّل القرآن باعتباره رمز دال والوجود مرموز مدلول إليه. والعلاقة بين الرمز والمرموز تتسم بالغموض والتوتر بين عناصر الرموز داخل النص من جهة، وبين ما ترمز إليه في الوجود من جهة أخرى.التوتر داخل النص يمثله تفاعل الآيات المختلفة لتدل على معنى ما في سياق ما، كما يمكن أن تدل على معنى آخر في سياق آخر. هذا التوتر داخل الرموز ما هو إلا انعكاس للتوتر بين عناصر الوجود المرموز إليه. ويقوم الصوفي بالتغلب على هذا التوتر من خلال رحلته المعراجية.
القرآن والوجود
القرآن في تصور ابن عربي يوازي الوجود والإنسان، له باطن من حيث هو قرآن نزل على النبي ومازال ينزل متجددًا على قلوب العارفين. وظاهر من حيث تلاوته باللسان وتحويله إلى أصوات وحروف منطوقة. التفرقة بين جانبي القرآن الظاهر والباطن هي مفتاح ابن عربي لحل مشكلة قِدم القرآن وحدوثه. فالقرآن قديم ومُحدث في آن واحد، قديم من حيث أنه العلم الإلهي القديم، ومُحدث من حيث نزوله على قلوب العارفين وألسنتهم. إنه كالوجود والإنسان، جامع للقدم والحدوث والظاهر والباطن. وهو همزة الوصل بين حقائق الوجود المختلفة والإنسان بجوانبه المختلفة. وبما أن الوجود يقوم على التربيع، فالقرآن وجوديًا يقوم على التربيع فيتكون من ظاهر وباطن وحد ومُطَّلَع. ومعرفيًا تُحل رموزه وإشاراته بالمعرفة الصوفية. بالنسبة للنبي والصوفي العارف هو خالي من الألغاز والرموز، لكن بالنسبة للإنسان العادي هو مجموعة من الرموز يمكن فهمها بمستويات مختلفة من الفهم. يبدأ الصوفي من ظاهر النص، فيتحقق ليكشف له حقيقة الوجود. فيعود للنص مرة أخرى. وفي كل مرة تنكشف له أعماق النص ومستوياته، فيسمع النص من الوجود، والوجود في النص.
مفهوم الرمز والإشارة
يتم استخدام الإشارة بسبب البعد المكاني بين المشير (الله) والمشار إليه (الإنسان)، فلا يبلغه الصوت وتبلغه الإشارة. أو لوجود علة عند المشار إليه تجعله لا يستطيع سماع الصوت (كلمات الوجود). بهذا يكون القرآن إشارة لحقائق الوجود والألوهة للإنسان العادي، بينما العارف ليس بعيدًا ولا به علة، فيفهم القرآن كعبارات لا كرموز، كما يفهم كلمات الله في الوجود. إذن الكلام الإلهي أساسه الرمز والإشارة؛ بسبب البعد المكاني بين الله والإنسان، وعجز الإنسان عن فهم الكلام الإلهي وجودًا ونصًا. والعلاقة بين العبارة والإشارة علاقة الظاهر بالباطن. والعارف ينفذ من ظاهر العبارة ومعانيها المرتبطة بلغة وضعية إلى معانٍ وجودية وإلهية تشير إليها العبارة. الفارق بين الظاهر والباطن هو الفارق بين اللغة الإنسانية واللغة الإلهية. دلالة القرآن ظاهرها العُرف لأنها نزلت بلسان البشر، وباطنها لغة إلهية فيدل على حقائق وجودية وإلهية. واعتمد الصوفية على منهج الستر والإشارة في تعبيرهم عن معارفهم وأحوالهم وذلك لسببان:
- أن اللغة العادية لا تحتمل ما يصلون إليه من معانٕ مرتبطة باللغة الإلهية.
- الخوف من الفقهاء واتهامهم بالكفر والزندقة.
المعضلة عند ابن عربي هي الدلالة المزدوجة للنص القرآني، دلالته على الكون، ودلالته على المعرفة الباطنية التي ترى الوجود والنص معًا. ومعضلة الفهم تشمل معضلة فهم الرموز والإشارات، كما تشمل معضلة فهم العبارات لغويًا في إطار العُرف والتواضع اللغوي، فيكون لدينا دلالات عديدة نتيجة وجود شفرة بين المتكلِم والمخاطَب. وتتوقف الدلالة الإشارية لرموز القرآن على حال المستقبِل، وتتطور مع السياق الزمني الذي تحدث فيه محاولة فهمها، بحسب أحوال المُتجلَّى لهم وعلى قدر علمهم.
القرآن عند الصوفي كالوجود كلاهما كلام الله، لذلك لا يعتبر القرآن مجرد نصًا لغويًا يمكن فهمه بأدوات اللغة، لكنه يهتم بالجانب الوجودي والنصي معًا؛ لأن ما يهمه هو الاستماع إلى المتكلم. الفارق بين الصوفي وغيره من العلماء، هو اتساع فهمه لمعنى الكلام الإلهي ليشمل الوجود وكل كلام لفظي أيًا كان الناطق به، بينما يضيِّق الفقهاء مفهوم الكلام الإلهي ويقصرونه على القرآن. ينقسم الكلام الوجودي عند الصوفي إلى:
- كلام الله المباشر بالأمر والنهي على لسان المرسَل بالوحي، وهو ما يجب الامتثال له.
- الابتلاء وهو كلام كل متكلم في الوجود من البشر وغيرهم من الكائنات. هذا الابتلاء قد يكون خيرًا أو شرًا.
ويميز الصوفي بالفهم بين هذه المستويات. وسبب التوحيد بين الكلام الإلهي وغير الإلهي هو تصور أن الأسماء الإلهية هي الفاعلة على الحقيقة من خلال الصور. إبليس مثلًا يدعو إلى معصية الله، دعوة لا تتم إلا بإرادة الله وإذنه، والإذن نوع من الكلام، وكل شئ يحدث في الكون بإذن الله، فكلام كل متكلم هو بإذن الله. وإذا كان العالم والإنسان يستندان في صدورهما إلى الحقيقة المحمدية السارية في الكون، فمن الضروري أن يصبح القرآن حقيقة محمد ومعرفته التي نالها. وكما أنها حقيقة واحدة تجلت في الكون بصور مختلفة، ابتداء من آدم إلى صور الأنبياء جميعًا. والقرآن هو التجلي الأشمل والأكمل لحقيقة العلم الإلهي، والحقيقة القرآنية (المحمدية) سارية في الكتب التي نزلت على الأنبياء جميعًا، ولكنه مجرد مجلى، ملتبس بالصورة التي هي ألفاظ وحروف وكلمات، مرتبط بالدلالة الوضعية للغة العربية. وهنا تظهر معضلة الفهم.
الكلام عند ابن عربي مستويان -لا نوعان- هما ماهية إلهية واحدة في الوجود والكون، وصور متعددة لكلام كل متكلم بالوحي أو بدونه. والعلم يتعلق بالماهية، والفهم يرتبط بصور الكلام. والفهم هو تحديد دقيق لمراد المتكلم، والمعنى المقصود من اللفظ ضمن محتملاته العديدة في اللغة. بينما العلم يكون في إطار التعميم، للنفاذ إلى باطن الكلام (المعنى) من خلال صورته (اللفظ). الفهم في إطار اللغة الوضعية يتم عبر إدراك معنى شفرة المتكلم في سياقها الذاتي، أما العلم في إطار تلك اللغة فيرتبط بإدراك المعاني والدلالات المختلفة التي يمكن أن تحتملها الشفرة. أما إدراك ماهية الكلام فهو يحتاج توحد السامع مع الكلام لأن الإدراك مباشر من الوجود. الفارق بين العلم والفهم هو الفارق بين الكشف والمعرفة الاستدلالية العقلية. الأولى يقينية تتوحد فيها الذات مع موضوعها، والثانية تتم عن طريق وسائط وتقوم على الثنائية بين الذات والموضوع. مر القرآن عند نزوله من عند الله (مستوى المطلع) بثلاث مراحل:
- لغة الملك جبريل (مستوى الحد).
- لغة الرسول الخاصة (المستوى الباطن).
- اللغة العربية الاصطلاحية (المستوى الظاهر).
كل مستوى من الثلاثة هو شفرة مستقلة وصورة خاصة من صور الكلام حتى الوصول إلى مستوى العلم بالكلام الإلهي المطلق. والرحلة صاعدة نحو الوصول للعلم الإلهي. ولا يعني الوصول إلى مرحلة أعلى إنكار أو رفض الفهم المتضمن في المرحلة الأدنى؛ لأن العلاقة بين المراحل علاقة نمو وتزايد.
يلفت أبو زيد النظر إلى الفارق في مفهوم الظاهر والباطن عند ابن عربي وعند المتكلمين، حيث يعتبر المتكلمون العلاقة بين الظاهر والباطن علاقة تضاد، فيجب تجاوز المجاز (ظاهر العبارة) وصولًا إلى فهم حقيقة المراد منها (باطن العبارة). لذلك يرفض ابن عربي وجود المجاز في القرآن؛ لأن المجاز منفصل عن الحقيقة، أما تعدد مستويات المعنى عند ابن عربي مرتبط بحقيقة واحدة هي الكلام الإلهي، وفهمه مرتبط بتعدد مستويات فهم المتلقين. لذا يقف ابن عربي ضد التأويل. التأويل بمفهومه الذي يرفض الظاهر وينكره، لا التأويل الذي يسلم بتعدد مستويات المعنى وتداخلها وصحة كل منها. يتجدد الوحي ويتنوع بتنوع العارفين، أي يتجلى تجليات مختلفة لا تعني الكثرة، فالنص واحد لكن حال القارئ متغير. العلاقة بين القارئ والمقروء علاقة جدلية يتبادلان فيها التأثير والتأثر. ومع كل تلاوة يمكن أن يجد القارئ معنى جديد. تغير حال الصوفي يغيِّر فهمه للنص، والنص يغيِّر حال الصوفي. في علاقة توتر مستمر متصاعد.
في المرحلة الأولى يتلو الصوفي القرآن، وفي المرحلة الثانية يتحلى به مُستجيبًا لمواطنه المختلفة استجابة تتفق مع كل موطن، فيكون هو عين القرآن كما كان محمد هو القرآن. في المرحلة الثالثة يداوم التلاوة تلاوة كلية تنتظم ظاهر الإنسان وباطنه أي يتحقق بالنص ، وفي المرحلة الرابعة يتوحد العارف مع معرفته، ويتلقى من الله مباشرة (أي يفهم القرآن كما أراده الله أن يُفهم)، وهي حالة الثبات. وحين يعود العارف للنص يمكن أن يتنوع مع صوره لكنه تنوع في الثبات أي تنوع في المعاني مع ثبات حقيقته الرمزية.

اللغة والوجود
بما أن الموجودات وُجدت عن الأمر الإلهي “كُن”، فإنها وُجدت عن تركيب في حروف النفس الإلهي من اتصال الكاف والنون. بهذا توازي اللغة الوجود الذي هو كلمات الله المرقومة، والاثنان يوازيان القرآن الذي تجلى فيه الوجود بمراتبه المختلفة. يقدم ابن عربي تصور وجودي معرفي لا يقف عند الحروف فقط لكنه يمتد ليشمل الحركات الطويلة والقصيرة، وحركات الإعراب، والأسماء بأنواعها المختلفة من أسماء أعلام وأسماء موصولة، ويشمل ظواهر لغوية مثل الإعراب والبناء، والجمع والإفراد، والتأنيث والتذكير، والترخيم. ولا يكتفي بجوانب اللغة الصوتية والدلالية، بل يمتد تصوره ليشمل الشكل الكتابي للحروف والكلمات، مستخرجًا دلالات وجودية ومعرفية هامة لقضية التأويل.
البعد الصوتي
الحروف الصوامت
عند ابن عربي تتوازى الأسماء الإلهية مع مراتب الوجود مع حروف اللغة. كل منها ثمانية وعشرون تتوازى مع منازل القمر الثماني والعشرين. والحروف هنا هي أرواح وملائكة تُسمى بالحروف التي نعرفها، فتكون الحروف هي ظاهر تلك الأرواح وصورها التي تمثل الحروف الإلهية. يقسِّم ابن عربي الحروف عدة تقسيمات حسب بعدها الصوتي، مثل ربطها بمراتب الوجود الأربعة، وربطها بالمراتب الفلكية للموجودات الذي فيه يعتمد ابن عربي على الشكل الكتابي للحرف، وهذه تقسيمات وجودية. وهناك تقسيمات لها أساس معرفي كربط الحروف بمراتب العارفين، وتقسيم الحروف المجهورة وحروف الهمس وتحويلها إلى رموز وجودية، فيرمز الهمس إلى عالم الغيب وجوديًا وإلى اللطف والرحمة إنسانيًا، ويرمز الجهر إلى عالم الشهادة وجوديًا وإلى الشدة والمصادمة إنسانيًا. وفي الحركات توازي الألف الذات الإلهية والواو الصفات والياء الأفعال، وذلك في عالم الخيال المطلق. وفي عالم الأمر تمثل الألف الروح والواو النفس والياء الجسم وهو العرش. وعلى المستوى الإنساني توازي الألف الروح والواو النفس الإنسانية والياء الجسم الإنساني. الواو أو الضمة هي حركة متوسطة بين الفتحة والكسرة لذا هي تمثل النفس التي هي وسيط بين الروح والجسد، وبين عالم الأمر وعالم الخلق. يحوّل ابن عربي مصطلح العلة من معناه اللغوي إلى معنى فلسفي عن طريق الموازاة بين الحركات ومراتب الوجود. فالألف أصل كل الحروف وتمثل التحرر الكامل للهواء في النفس، وباقي الحروف تمثل تجليات مختلفة لهذا الصوت. والواو والياء المعتلتان ما هما إلا ألف انتقلت من حالة الاعتدال إلى الميل بالرفع في الواو والخفض في الياء. والميل هنا هو التوجه إلى إيجاد أعيان الممكنات عن طريق التجليات الإلهية المختلفة. والميل أيضًا هو الرحمة التي أوجد الله بها العالم من نفسه، فاختفت الواو في الأمر الإلهي “كن” للدلالة على الرحمة الباطنة في العالم وحتى يظل سر الخلق محفوظًا، وظهرت في ضمير الهوية “هو” للتعويض عن ذلك الاختفاء ولأن الضمير يدل على الغيب المطلق للذات الإلهية. وإذا كانت الألف والواو والياء حروف علة، فالذات هي علة ظهور الصفات، والصفات هي علة ظهور الأفعال.
الحركات والمعرفة
وبما أن الواو كانت واسطة وجودية بين الألف والياء أو بين الذات والأفعال، فهي معرفيًا تمثل الروح الجبريلي الذي ينقل الوحي إلى الأنبياء وخصوصًا محمد. يحوِّل ابن عربي المصطلحات اللغوية إلى شفرة خاصة ذات دلالات وجودية ومعرفية، فالمد في الواو والياء هو إمداد واستمداد، والواو هي جبريل في ميلها للرفع والمد، ومن حيث شكلها الكتابي هي الإنسان الكامل الذي هو برزخ بين الله والعالم، ومن حيث نطقها مفردة وكتابتها هي ألف بين واوين لتفصل بين الصورة والأصل .يتصور ابن عربي أن الحركات أسمى من الصوامت لذا يربطها بدرجات العارفين. الألف هي القطب. الواو والياء هما الإمامان للعالم العلوي والسفلي على الترتيب. ثم يستكمل الاوتاد الأربعة بإضافة حروف الإعراب وهي ألف الرفع للمثتى، وواو الرفع للجمع، وياء النصب والجر للمثنى والجمع، ونون الرفع في الأفعال الخمسة. ويستكمل الأبدال السبعة بتاء الفاعل وكاف المخاطب وضمير الغائب المنصوب. يعتمد ابن عربي هنا على الإنابة كمصطلح لغوي، فكان الضمير بديلًا للإسم، وكانت الضمائر هي الأبدال. وهو ما يقوم به ابن عربي دائمًا من استخدام مصطلحات لغوية للدلالة على معانٍ صوفية.
الحرف المركب لا ودلالته
يجد ابن عربي في الحرف المركب “لا” دلالة على التعلق بين الله والإنسان، حيث الألف كحركة طويلة توازي الذات الإلهية، واللام كحرف صامت توازي الإنسان. وهنا يشير أبوزيد إلى أن ابن عربي يستخدم حروف مختلفة للدلالة على نفس الشئ، ويعتبر أن هذا التعدد دليل ثراء، وأن الدلالة الرمزية للحروف عند ابن عربي ليست ثابتة، بل هي دلالة متوترة متحركة، كانعكاس للتوتر الدائم في بنية الوجود، الذي هو في حالة خلق مستمر، ونحن البشر العاديون في لبس منه، فلا يدركه إلا العارفون. توتر يتجلى في دلالة حروف اللغة، وتغيرها بتغير ترتيبها وفق نظم مختلفة.
البعد الدلالي
دلالة الكلمة الإلهية الأولى “كُن”
تتكون “كُن” من ظاهر وباطن. ظاهر من كاف ونون يوازي عالم الشهادة، وباطن من كاف وواو ونون يوازي عالم الغيب والملكوت. ويربط ابن عربي ذلك بمخارج الحروف وطريقة رسمها وحذف الواو لالتقاء الساكنين واعتباره وسيط برزخي بين ظاهر وباطن. دلالة الكلمة عند ابن عربي هي مجموع دلالات حروفها وحتى المحذوف منها، لذلك نجده يثير تساؤل حول سبب حذف الألف من .أول كلمات البسملة “بسم”، رغم وجودها في أحيان أخرى “باسم” ويُرجع ابن عربي الحذف لعلاقة التضاد بين الله والإنسان التي تمنع ظهورهما معًا. فظهر العبد في باء البسملة ما أدى لتبطن الذات الإلهية، أما ظهور الألف في أحيان أخرى فيعنى أن العبد هو مجرد وجود ظاهر، وان الله هو الفاعل على الحقيقة.
قضية الدلالة بين الظاهر والباطن
يتعامل ابن عربي مع قضية الدلالة بشكلٍ مختلف تمامًا مع ما سبقه من التراث الديني، حيث قام بنفي كل الثنائيات. تصوره للألوهة نفى ثنائية القِدم والحدوث على مستوى الصفات والعالم معًا. وموازاته بين اللغة والوجود والقرآن تنفي ثنائية القِدم والحداثة على مستوى الدلالة اللغوية والنص القرآني معًا.
من منظور ابن عربي فقيام الدلالة في اللغة الإنسانية على الوضع والاتفاق هو وهم سببه التركيز على الظاهر وإغفال الباطن الذي هو اللغة الإلهية التي تقوم دلالتها على أعيانها ومعانيها الثابتة في علم الله القديم. والإنسان رغم أنه كلمة من كلمات الله الوجودية ، لكنه كلمة جامعة قادر على فهم كلمات الله الوجودية واللفظية. بهذا الفهم يتجاوز إطار اللغة الاصطلاحية وينفذ لباطن اللغة في جانبها الإلهي، حيث العلاقة بين الدال والمدلول تقوم على أساس ذاتي هو علاقة الرمز بالمرموز وليس على العُرف والاتفاق. ولان الوجود (المرموز إليه) في حالة توتر دائم، كانت الرموز في حالة توتر أيضًا.
الدلالة وعلاقة الاشتراك
الاشتراك هنا هو العلاقة بين الظاهر والباطن وتداخلهما، لأن ابن عربي يعتبر أن الأسماء كلها لله بالأصالة، حتى ما يُتوهم أنها أسماء كونية، وذلك نتيجة علاقة الظاهر والباطن. يُفرّق ابن عربي من حيث الدلالة بين أسماء الأعلام والصفات والضمائر، فالأسماء تحدد المسمى وتوازي عالم الحس والشهادة، والضمائر قابلة لتعدد الدلالة بتعدد من تشير إليهم وتوازي عالم الغيب والملكوت، والصفات في منطقة وسط بينهما وتوازي عالم البرزخ والجبروت. ويمكن أيضًا الموازاة بين الضمير والذات الإلهية من حيث هي غيب مطلق، والصفات هي الألوهة التي تعد مجموعة من الصفات والعلاقات المشتركة بين الحق والخلق، والاسم العلم هو الله يعبر عن جمعية الألوهة ووحدتها. لا يمكن أن تكون دلالة الضمير على الذات الإلهية دلالة متغيرة، فالذات ليست محل تغير أو انتقال. التغير والتحول ناتج من علاقة الاشتراك التي تمثلها الألوهة، التي هي علة التغير المستمر والخلق الدائم من خلال تجلياتها المختلفة. من هذا المنطق تدل كل ضمائر المفرد على الذات الإلهية، وتدل ضمائر الجمع على الله والعالم (الأسماء الإلهية).
“ونحن أقرب إليه من حبل الوريد”
“إنني أنا الله لا إله إلا أنا”
يعطي نصر أبوزيد مثالًا على تأويل لابن عربي -يبدو غريبًا- لآية “ثم ذرهم في خوضهم يلعبون” يعتبر أن الضمير “هم” يعود على الأسماء الإلهية، لأن الله هو الفاعل على الحقيقة. وإذا كان هو الفاعل، فهو الموصوف بكل الصفات التي وردت في القرآن، وإن دلت في ظاهرها على فاعلين آخرين.
ينطلق ابن عربي من مفهوم اشتراك الدلالة وتعددها ليحل معضلات كثيرة. فمثلًا بالنسبة للجبر والاختيار يكون الإنسان مُخيَّر من حيث الظاهر، ومُجبر من حيث باطنه وإن لم يشعر بذلك. القرآن عند ابن عربي هو مجموعة من الرموز، تتجاوز اللغة الاصطلاحية لتدل على حقائق الوجود. وبهذا تتسع أدوات التأويل عند ابن عربي اتساع أبعاد اللغة.
قضايا التأويل
مثلما تجلت ثنائية الظاهر والباطن في العالم والإنسان، فإنها تتجلى في القرآن من خلال ثنائيات المحكم والمتشابه والتنزيه والتشبيه والرحمة والعذاب وغيرها. وكما قام ابن عربي بحل الثنائيات في الوجود والإنسان عبر إيجاد وسيط بين طرفي الثنائية لا ينفي أيًا منهما، كان التأويل هو الوسيط في القرآن.
ثنائية التنزيه والتشبيه
لمعضلة التنزيه والتشبيه جانب لغوي سببه تعبير لغة بشرية مرتبطة بالخبرة الإنسانية لجماعة بشرية معينة عن المُطلق، فيكون التعبير بمفاهيم المحدود والمتعين والمحسوس، ويصبح الله بشرًا تنفي عنه كل صفات النقص وتثبت له كل صفات الإطلاق والكمال. وإذا كانت نظرة علماء الكلام للغة بين التوقيف والاصطلاح، فإن ابن عربي ينظر إليها نظرة وجودية أشمل لا تنفي مصدرها الإلهي، ولا تنفي بُعدها الإنساني. الوجود عند ابن عربي لا يقوم على ثنائية أو تعدد. التعدد يكون في الصور لا الأعيان. أي أنها كثرة مُدركة تقوم على وحدة باطنية عميقة. إدراكها لابد ان يؤدي للتشبيه، لكن إدراك أنها تمثل جانب واحد من جوانب الحقيقة وهو الجانب الظاهر سيؤدي إلى التنزيه. إن إدراك الحقيقة هو إدراك الحيرة فيها، تسليمًا بعجز الوسائل كثنائية العقل والشرع التي لا تنجح في حل المعضلات، لأن العقل يعتمد على التأويل لتنزيه الله وإدراكه بالقياس العقلي، والشرع لا يمكن الاعتماد عليه دون العقل لأنه فرع على معرفة الشارع، وهي معرفة نظرية.
القلب قادر على إدراك التنوع في تجليات الحق في الصور المختلفة، أما العقل فهو يضبط ويحصر من خلال مقولاته الخاصة. والشرع يحدد ويضبط أيضًا لأنه يستخدم اللغة، أما القلب فهو القادر على استيعاب الحقيقة في إطلاقها، والجمع بين التنزيه والتشبيه، والعقل والشرع، وكل ثنائيات الظاهر والباطن. ويعتبر نصر أبوزيد أن هذا ليس تلفيقًا، لكنه استبعاد للحصر والتحديد لحساب الإطلاق واللاتناهي، أو هو إلغاء للثنائية عن طريق خلق وسيط قادر على استيعابهما معًا، هو القلب محل المعرفة وعضو التأويل .يعتبر ابن عربي أن الشرع قادر على حل ثنائية التشبيه والتنزيه لأن كلاهما ورد فيه، بينما العقل ببراهينه ونظره لا يسعه إلا التنزيه المطلق لله. الشرع عبّر عن جانبي الحقيقة، “ليس كمثله شئ” ” أينما تولوا فثم وجه الله”، بينما وقف العقل على جانب واحد منها.
يتجاوز ابن عربي القسمة الثنائية للتشريع إلى تنزيه وتشبيه ومحكم ومتشابه، ليرى في القرآن درجات مختلفة من التعبير تناسب درجات البشر المعرفية المختلفة. ويعتبر أن الجمع بين التشبيه والتنزيه ليس مجرد قشرة يجب إزالتها لحل المعضلة كما توهم المتكلمون، بل هي انعكاس لمعضلة المعرفة ذاتها، فنحن لا ندرك من الحقيقة إلا ما ندرك عن أنفسنا، والعارف الكامل يدرك الحقيقة في صورها المتعددة، مع علمه بأن هذه ليست “الحقيقة” وإنما صورة من صورها.
للجانب المعرفي لقضية التنزيه والتشبيه جانب آخر وجودي يتمثل في وجود الإنسان والعالم على صورة الله. والصورة هنا هي مجموع الأسماء والصفات الإلهية وليس الذات نفسها. يفسر ابن عربي قوله “ليس كمثله شئ” على أن الوجود ليس شئ سواه، وما ظهر في الوجود بالوجود إلا الحق.
ثنائية المحكم والمتشابه
يفرّق ابن عربي بين الإنسان الكامل القادر على الجمع بين وحدة الحق وكثرة الصور، وإدراك وحدة المحكم والمتشابه والجمع بين التنزيه والتشبيه دون حاجة إلى التأويل والإنسان العادي الذي يجب أن يقنع بالتسليم بما جاء به الشرع دون محاولة التأويل أو إعمال العقل حتى لا يزيغ. وذلك يفسر موقفه من التأويل والمؤوِّلة خاصةً المعتزلة، فالإنسان عنده إما لا يحتاج التأويل وإما واجب عليه البعد عن التأويل القائم على الفكر والعقل لأنه سيؤدي به إلى الزيغ. فالمؤمن العادي يقنع بظاهر النص الذي يدل على التنزيه والتشبيه معًا، ويفهمه على لغته، لأن القرآن نزل للعامة بلغتهم. بينما الصوفي العارف فيفهم ما وراء ظاهر النص بقلبه واستعداده لتأويل الآيات بردها لأصلها في العلم الإلهي. وهذا هو التأويل الذي يدعمه ابن عربي.
يقوم تأويل ابن عربي للمتشابه على أساس مشابهة العالم والإنسان لله، وأن اللغة الإنسانية ليست إلا مستوى ظاهر مُدرك من اللغة الإلهية، لهذا يرفض وجود المجاز في القرآن، ويناقش القضية من منظور وجودي أشمل من الطرح التقليدي لمعضلة اللغة. الأسماء في ظل هذا التصور لها جانبان: جانب مطلق يدل على الله، وجانب نسبي يدل على الإنسان والعالم. والعلاقة بينهما علاقة اشتراك، فبظهور أعيان الموجودات ظهرت الأسماء الإلهية بعد أن كانت باطنة في الذات الإلهية، وهو ما انعكس في اللغة، ليكون للاسم مدلول مطلق من جانبه الإلهي ومدلول نسبي محدد من جانبه الإنساني. وهذا ينتج تعريفًا للمحكم والمتشابه، يكون فيه المحكم هو ما يتعلق به الفهم الإنساني، والمتشابه هو ما يحتاج في فهمه للتعريف الإلهي، لأن له وجهان: وجه إلى الحق ووجه إلى الخلق، وهذا الاشتراك هو سر تشابهه. ولا يكون فهمه بالميل إلى أحد الجانبين بالتأويل العقلي دون الأخر. وهذا هو التأويل المذموم بنص القرآن. أما التأويل الحقيقي فلا يعلمه غير الله والعارفون الذين تلقوا العلم عنه بالكشف.
المتشابه هنا ليس غامضًا يحتاج التفسير في ضوء المحكم، بل هو بيان للتشابه بين الله والعالم، وجهان لحقيقة واحدة. والعلم بالمتشابه يكون بالعلم بوجهيه ليزول التشابه ويصبح محكمًا. عند المتكلمين فالعلاقة بين المحكم والمتشابه قائمة على التناقض، لذلك احتاجت إلى تأويل عبر ثنائية الحقيقة والمجاز، ما أدى للخلاف حول تحديد المحكم والمتشابه. أما عند ابن عربي فلا تناقض في القرآن، إنما التناقض قائم في الفكر البشري الذي لا يرى من الحقيقة سوى جانب منها. وهذا يذكرنا بحديثه عن الكلام الوجودي الذي لا يفهمه غير العارف، فيكون التأويل عنده برد الشئ لأصله وباطنه في مستوى الوجود، ورد معاني كلمات الله اللفظية إلى معانيها الوجودية. فكل الثنائيات عند ابن عربي ليست سوى انعكاسًا للثنائية الأساسية في فكره وهي ثنائية الله والعالم.
التأويل بين التنزيه والتشبيه والإحكام والتشابه
يتجلى الاشتراك بين التنزيه والتشبيه عند ابن عربي في قوله “ليس كمثله شئ” ونهاية الآية ب “وهو السميع البصير”. فهي تنفي المثلية عن الله وتثبت له صفتي السمع والبصر. النفي تنزيه والإثبات تشبيه أو كما قال ابن عربي “الآية تقتضي عموم الإثبات في عين النفي”. وبينما وقف المعتزلة عند الجزء الأول مستدلين على الإحكام والتنزيه، جمع ابن عربي بين جزئيها، فوجد التشبيه في التنزيه والتنزيه في التشبيه. وقد يقف ابن عربي أحيانًا إلى جانب التنزيه ويرفض التشبيه في مواجهة المُشبّهة أو لتوجيه النصح للمُريد في أول طريقه حتى لا يقع في شبهة التجسيد أو التأويل العقلي، إلى أن يُفتح له باب العلم الإلهي. وأحيانًا يستخدم ابن عربي وسائل التأويل البلاغية كالمثل والمجاز، رغم إنكاره وجود المجاز في القرآن، فيقول في قوله ” وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله” إن كلام الله هو أصوات العباد وحروفهم بواسطة مظاهره الجسمانية، فسماعه لكلام الله مجاز لأن المظاهر الجسمانية ليست منسوبة إلى الله لا لغةً ولا شرعًا.
إن ابن عربي لا يفهم المجاز كما يفهمه المعتزلة، بل هو يؤول تلاوة الإنسان لكلام الله بأن الله هو المتكلم على الحقيقة من خلال المظاهر الجسمانية الحسية. وقوله “واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا” بأن العين اسم لآياته المبصرة، ونسبة البصر للآيات على سبيل المجاز. ويعلل ذلك بالربط مع آيات من القرآن ” إنا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلا*فاصبر لحكم ربك”. وقوله “تجري بأعيننا” أي بآياتنا تنظر بها إلينا، بدليل “اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها”. و”قد جاءكم بصائر من ربكم” والبصائر هي الآيات. يربط ابن عربي في هذا النموذج ونماذج أخرى بين آيات كثيرة من القرآن في سياق تأويله لكلمة واحدة، ويربط بين القرآن والحديث في حركة دائمة تعطي النصوص معاني محددة في سياق خاص، وتتغير هذه المعاني في سياق آخر. ما يؤكد أن المعنى في القرآن ليس معنى محدد ثابت سلفًا، بل هو في حالة توتر دائم تتوقف على سياق المفسر من جهة، والعلاقات التي يمكن أن يقيمها بين الآيات والأحاديث من جهة أخرى.
الجبر والاختيار
على نفس النسق تعامل ابن عربي مع معضلة الجبر والاختيار، فإذا نظرنا للفعل الإنساني من جهة الله وجدنا الجبر، لأن الله هو الفاعل على الحقيقة. هو الروح الساري في الصور الكثيرة التي تمثل أعيان الموجودات. من هذه الزاوية ليس للخلق فعل ولا اختيار. أما إذا نظرنا من جانب الصور (الخلق والعالم) آمنا بالاختيار الإنساني، لأننا ندرك خروج الفعل عن جوارح الإنسان، لكن لا يجب النظر إلى الجانبين بشكل منفصل. يُشبّه ابن عربي علاقة الله بالعالم بعلاقة القلب بالجسد، حيث القلب هو محرك كل الجوارح بحركته، والجوارح هي المُنفِّذة. كذلك الخلق ينفذون مشيئة الله. نجد هنا أن ابن عربي لم يحل معضلة الجبر والاختيار بقدر ما ينفي قدرة الإنسان على خلق أفعاله.
ولكن كيف يكون الله فاعلًا لأفعالنا ثم يحاسبنا عليها؟
الإجابة في عالم ابن عربي الوجودي، حيث حقيقة الإنسان وعينه الثابتة في العدم هي من حكمت عليه بالفعل المُستحِق للعقاب. وتعلق علم الله بالفعل الإنساني على ما هو عليه في عينه الثابتة. فالعلم يتعلق بالمعلوم كما هو عليه، ولا يعني ذلك ان المعصية تحدث ضد إرادة الله، فالمعصية ليست معصية في ذاتها، إنما هي ترتد إلى نزاع الأسماء الإلهية وتعارض معانيها من حيث الظاهر. كل الافعال حسنة من حيث نسبتها إلى الله، كما أن دلالة الأسماء كلها على الله دلالة مطلقة، بينما من حيث نسبة الأفعال للعبد فحكمه مقيّد، كما أن الأسماء الإلهية من حيث علاقتها بالعالم ليست سوى أحكام أعيان الممكنات.
هنا يؤكد نصر عدم نجاح ابن عربي في حل معضلة الجبر والاختيار بنفس قدر نجاحه في باقي القضايا التي تعرض لها، لذلك لا يعتبر أن تأويله للآيات المتصلة بمعضلة الجبر والاختيار على نفس القدر من العمق الذي عليه تأويلاته لآيات أخرى. فيتعامل مع “ما تشاءون إلا أن يشاء الله” على أن مشيئتنا للفعل ناتجة عن مشيئة الله لتلك المشيئة، وهو ما يراه أبوزيد نوعًا من الجبر. ويفسر ابن عربي في ضوء ذلك العصيان بأنه عصيان للأمر التكليفي من الله، لكنه طاعة للأمر التكويني الذي وقعت المعصية استجابة له، لأن مشيئة الفعل من مشيئة الله. فكل فعل ظاهره عصيان باطنه طاعة، ولا يعرف ذلك إلا العارفون.وكان لهذا الموقف المنتهي إلى الجبر تأثير على رؤية ابن عربي بعموم الرحمة الإلهية لكل البشر، والتسامح مع اهل الأديان الأخرى.
الرحمة الإلهية الشاملة
هناك محوران لموقف ابن عربي من هذه القضية: محور وجودي مرتبط بوجود العالم في العماء الناتج في النفّس الإلهي الذي كان تنفيسًا للأسماء الإلهية وشوقها للظهور في أعيان صور الممكات، أي رحمة بها. وإذا كانت بداية الوجود من الرحمة، فليس مُستبعدًا أن ينتهي إلى الرحمة، فرحمته وسعت كل شئ. للرحمة الإلهية -كما لكل شئ في الوجود عند ابن عربي- جانبان: رحمة الوجوب وهي التي كتبها الله على نفسه (الرحمة الخاصة لكل شخص)، ورحمة الامتنان وهي الرحمة الوجودية التي أعطاها الله لكل موجود خلقه على حد علمه به. (الرحمة العامة لكل البشر) ويعبر عنهما الاسمان: الرحمن الرحيم. وورود البسملة في مفتتح القرآن دليل على الرحمة الامتنانية الوجودية، وورودها في مفتتح كل سورة دليل على الرحمة الوجوبية. هذا لا يعني عدم وجود عذاب ، لكنه عذاب مؤقت لتخليص العاصي والمشرك من الشر الذي امتزج بروحه. ويُخلَد المشركون في النار، لكن عذابهم يتحول إلى عذوبة من الاستعذاب بعذابهم. وبذلك انتهى ابن عربي -وجوديًا- إلى اعتبار الثواب والعقاب والخير والشر وكل الثنائيات المرتبطة بوجود الإنسان والعالم وجهين لحقيقة وجودية واحدة هي الرحمة التي بدأ منها في النفّس الإلهي، والتي إليها المآل والنهاية.
أما على الجانب المعرفي، فلا يستطيع البشر العاديون إدراك جوانب الحقيقة في صورها المختلفة، ولهذا اختلفت الشرائع باختلاف النسب الإلهية. “لكلٍ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا” وتتجاوز هذه المعضلة الفرق الإسلامية إلى أهل الأديان الأخرى وإلى المشركين. فالله يتجلى في كل الصور الوجودية والاعتقادية، وهذا يؤدي إلى الحيرة، والحيرة تؤدي إلى الضلال. الحيرة هي الأصل المعرفي، وعلى ذلك يجب ان يرى الإنسان الكامل الله في كل المعتقدات، لأنها جميعًا تستند إلى حقيقة إلهية واحدة من تجلي الله في الصور المختلفة. إن رفع الخطأ عن كل الاعتقادات الموجودة يستند إلى معضلة كثرة الأسماء الإلهية في العالم. وهو يعتمد على الآية “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه”، وقضى هنا بمعنى حَكَم. فكل عابد هو عابد لله على الحقيقة، أيًا كانت الصورة التي عبدها. وبذلك ترتبط جبرية ابن عربي في الفعل الإنساني بجرية اعتقادية واضحة، تؤديان في النهاية إلى الرحمة الإلهية الشاملة. ولهذا يتسع قلب ابن عربي لكل الاديان والمعتقدات:
لقد صار قلبى قابلاً كل صورة * فمرعىً لغزلانٍ، ودير لرهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبة طائفٍ * وألواح توراةٍ، ومصحف قرآنِ
أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ * ركائبه، فالحب ديني وإيماني
حاول ابن عربي طوال الوقت تجاوز تناقضات الواقع وصراعاته، وكانت فلسفته بكل جوانبها -خاصة التاويلي- محاولة لإزالة هذه التناقضات على مستوى الفكر والعقيدة. مع ذلك ظلت حلوله حالمة لأنه أدار ظهره للواقع وبنى عالمًا خياليًا معقدًا مفارقًا لقوانينه، يحكمه الإنسان الكامل. أو كما يقول أبو زيد، يحكمه ابن عربي خاتم الولاية المحمدية الخاصة انتظارًا لنزول عيسى خاتم الولاية المحمدية العامة كي يعيد للعالم توازنه ويرسي قواعد الحق والعدل والحب.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد