مخلوقات موسيقيَّة… ترجمة: أنطونيوس نبيل
العنوان الأصليّ: آلة الحفظ
تأليف: فيليب ك. ديك
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

استلقى د. لابرنث على كرسي الحديقة وأغمض عينيه في كمدٍ. سحب البطانية ليلفَّ بها ركبتيه.
“حسنًا؟” قلتُ وكنتُ واقفًا جوار حفرة الشِّواء أُدْفِئُ يديَّ.
كان يومًا صَحْوًا باردًا. تكاد سماءُ لوس أنجلوس المشمسةُ أن تخلو مِن السُّحبِ. ومن وراء منزل لابرنث المتواضع امتدت رقعةٌ خضراءُ مُمَوَّجةٌ حتَّى بلغت الجبال- غابةٌ منمنمةٌ أعطتْ وهمًا بالبَريَّة، في عُقْرِ المدينة.
قلتُ “حسنًا، هل عَمِلَتْ الآلةُ على النحو الذي توقَّعته؟”
لم يُجِبْ عن سؤالي، التفتُ فوجدتُ الرجلَ الهَرِم مُحدِّقًا أمامه كاسفَ البال، يشخصُ إلى خنفساء ضخمة داكنة اللون تتسلقُ ببطءٍ جانب بطانيته. نهضتْ الخنفساء على نحوٍ مُنَظَّم، ولها وجهٌ غُفْلٌ إلَّا من وَقَار. عبرت فوق القمة ثم اختفت في الجانب البعيد. عُدنا مرة أخرى منفردين.
تأوَّه لابرنث ورفع ناظريه إليَّ قائلًا “آه، لقد عَمِلَتْ إلى حدٍّ كافٍ بشكلٍ مقبول.” تعقبتُ الخنفساءَ فإذ بها اختفت تمامًا. دوَّم حولي نسيمٌ خفيفٌ باردٌ ورقيقٌ في شفق ما بعد الظهيرة الآفل. اقتربتُ من حفرة الشَّواء.
قلتُ له “أخبرني عنها.”
كان دكتور لابرنث كَكُلِّ الذين يُكثرون من القراءة ويمتلكون فائضًا من الوقتِ يعتقدُ أن حضارتَنا على خطى روما تسير. أظنُّه قد رأى نفسَ الشقوق التي مزقت العالَم القديم -عالم الإغريق والرومان- تتشكَّلُ الآن من جديد، كان مقتنعًا بأن عالمنا ومجتمعنا الراهنين سيزولان كما حدث قديمًا مع نظيرهما، وأن عصرًا مُظْلِمًا سيعقُبُ ذلك الأفول.
والآن بعدما فكَّر لابرنث على هذا النحو، أخذَ يُطيلُ التأمل في كُلِّ الأشياء الباهرة البديعة التي ستندثرُ في فترة إعادة تنظيم المجتمعات متفكِّرًا في الفن والأدب والعُرف والموسيقى وفي كل ما هو منذورٌ للفناء. ومِن بين كل هذه الأشياء السامية والنبيلة بدت له الموسيقى الأقربُ إلى الزوال والأعجلُ إلى قبر النسيان.
الموسيقى هي أكثرُ الأشياءِ قابليةً للهلاك، هشَّةٌ ومُرْهَفةٌ ومِن اليسيرِ تدميرُها. هذا الأمرُ أقلقَ لابرنث؛ لأنه كان مُتيَّمًا بالموسيقى، ولأنه كان يشمئز من فكرةِ أنه سيأتي يومٌ من الأيام لن يكونَ فيه مزيدٌ من موسيقى برامز وموتسارت، ولن يعودَ فيه مزيدٌ من موسيقى الحجرة المُشَبَّعَةِ بالرِّقَّةِ التي بمقدوره أن يَقْرِنَها في خياله الحالِم بشعورٍ مستعارةٍ تتلألأُ بودرتُها البيضاء وأقواسٍ موسيقيَّةٍ مُمَسَّدةٍ بصمغِ الصنوبر وشموعٍ رشيقةٍ في استطالتها تتلاشى ذَوْبًا في الظلام.
فيا له مِن عالَمٍ مُقْفِرٍ وتَعِسٍ، عالمٌ هَجَرَتْهُ الموسيقى فهو كئيبٌ غليظٌ ليسَ فيه إلا أكفانٌ من غُبَار.
هكذا طَرَقتْهُ فكرةُ آلةِ الحفظِ: ذاتَ مساءٍ كان لابرنث جالسًا على كرسيه الوثير والجرامافون يهمسُ نَغَمًا، فإذ برؤيا تُباغِتْهُ فيبصر بعينِ العقلِ مشهدًا عجيبًا فيه آخرُ نوتة موسيقيَّة لثلاثية شوبرت، آخرُ نسخةٍ منها، مَثْنِيَّةُ الأطرافِ مُهْتَرِئَةٌ راقدةٌ على أرضيةِ بناءٍ مُدَمَّرٍ، قد يكون متحفًا. حلَّقت قاذقة قنابل فوقه مباشرةً. في انهمار القنابل انفجر المتحف واستحال شظايا، انهارت جدرانه في دويٍّ من الحُطَامِ والجبسِ. واختفت آخر نوتة موسيقية بين الأنقاض، توارتْ في النُّفايات لتتحلَّل وتتعفَّن. ثم أبصر دكتور لابرنث في رؤياه النوتةَ الموسيقيَّة تشق جُحْرًا للخروج كحيوانِ خُلْدٍ مدفونٍ. كانت في الواقع سريعةً كخُلْدٍ، لها مخالبُ وأنيابٌ مشحوذةٌ وطاقةٌ ملؤها الهِيَاج.
لو كانت الموسيقى تمتلك تلك القُدْرَة، غريزة البقاء المألوفة والمبتذلة التي تمتلكها كُلُّ دودةٍ وكُلِّ خُلْدٍ؛ لكان الأمرُ حينها مختلفًا أشدَّ الاختلاف. لو كان في الإمكان تحويل الموسيقى إلى كائناتٍ حيَّةٍ، حيواناتٍ لها مخالب وأنياب، لكان مِن الممكن أن تنجو الموسيقى من الفناء. ألا ليتَ في الإمكان صُنْعَ آلةٍ لمعالجة النوتاتِ الموسيقيَّة وتحويلها إلى أشكالٍ حيَّة.
ولأن دكتور لابرنث لم يكن ضليعًا في صُنْعِ الآلات؛ فقد قامَ رَسَمَ بعضَ التخطيطاتِ الأوَّليَّةِ وأرسلها إلى المختبرات البحثيَّة مُفعمًا بالأمل. كانت أغلبُ المختبراتِ بالطبعِ منهكمة في تنفيذ عقود الحرب. لكنه وجد ضالته المنشودة في النهاية. أعربتْ جامعةٌ صغيرةٌ في الغرب الأوسط الأمريكي عن سرورها بتصميماته وبدأتْ مِن فورها في صُنْعِ آلته.
انقضتْ أسابيعُ، وأخيرًا تلقَّى لابرنث بطاقة بريدية من الجامعة. كان صُنْعُ الآلةِ يسيرُ على نحوٍ جيد، بل كاد في الواقع أن يكتمل. وقد أجروا تشغيلًا تجريبيًّا للآلةِ بتغذيتها بأغنيتَيْنِ شعبيَّتَيْنِ. وما النتيجة؟ حيوانان شبيهان بالفئران خرجا من الآلة مُسْرِعَيْنِ واستمرا في الركض حول المختبر في اندفاعٍ وعجلةٍ إلى أن أمسكتْ بهما قطةٌ وأكلتهما. لكن الآلة قد أثبتتْ نجاحَها.
وفي وقتٍ وجيز وصلته الآلةُ، معبأة بعناية في صندوق شحنٍ خشبيّ، ومحصورة بأسلاكٍ تمنع اهتزازها لضمان سلامتها التَّامَّة. وبدا شديدَ الحماسة وهو يبدأ في العمل نازعًا عنها الألواح الخشبية. لا بدّ أنَّ أسرابًا من الخواطرِ الخاطفةِ حوَّمتْ في عقله بينما هو يضبطُ أنظمةَ التحكم استعدادًا لعملية التحويل الأولى وكان قد اصطفى لها نوتةً موسيقيَّة لا تقدر بثمنٍ، النوتة الموسيقية لخُمَاسيَّة موتسارت من مقام صول الصغير. ظلَّ لفترةٍ من الوقت غارقًا في التفكير يُقلِّبُ صفحاتِ النُّوتةِ بذهنٍ شارد وفي النهاية حملها إلى الآلةِ وطَرَحَها فيها.
مضى وقتٌ ولابرنث ينتظرُ واقفًا أمام الآلةِ بقلقٍ وقد أَوْجَسَ منها خِيفَةً إذ لم يكن مُتَيقِّنًا ممَّا قد يواجهه حينما يفتح حُجَيرةِ الآلةِ. بدا له أنه يقوم بعملٍ باهر ومأساويّ حينَ يحفظ موسيقى عظماء المؤلفين الموسيقيين لتبقى أبدَ الدَّهر.
على أيّ صورةٍ ستكون عُقبى عملِهِ؟ ماذا سيجد؟ ما الشكل النهائي الذي سيتخذه كلُّ هذا، قبل أن ينتهي الأمر؟ كان هناك كثيرٌ مِن الأسئلةِ التي ظلَّتْ بلا جواب. وبينما هو يتأمَّل كان ضوء الآلة الأحمر يُومِضُ مُعْلِنًا أنَّ العمليةَ قد اكتملتْ وأنَّ التحويلَ قد تَمَّ بالفعلِ. فتحَ باب حُجَيرةِ الآلة.
قال “يا إلهي، هذا بالغُ الغرابةِ”؛ إذ أنَّ ما انطلق أمامه كان طائرًا وليس حيوانًا. كان طائرُ موتسارت بديعًا رشيقًا، وله ريشٌ كريش الطاووس مُسْتَرْسِلٌ في نعومتِه. انطلق الطائر عبر الغرفة لمسافةٍ قصيرةٍ، ثُمَّ آبَ إلى لابرنث ودودًا مُحِبًّا للاستطلاع، فبَسَطَ إليه الدكتور لابرنث يده وهو يرتجف، دَنَا منه طائرُ موتسارت، ثُمَّ بَغْتَةً اندفع عاليًا في الهواء.
تمتمَ قائلًا “عجيبٌ” وشرعَ في ملاطفتِهِ برقَّةٍ وصبرٍ وأخيرًا هبطَ الطائر مرفرفًا إليه. لبثَ لابرنث وقتًا طويلًا يُمَسِّدُ عليه وهو يُفكِّر متسائلًا: على أيّ شكلٍ ستتجسَّدُ بقيةُ النوتات الموسيقيَّة؟ ولم يكن في وسعه أن يُخَمِّنَ جوابًا. التقطَ بعنايةٍ بالغةٍ طائرَ موتسارت ووضعَهُ في صندوق.
في اليوم التالي كانت دهشتُه أشدَّ، حينما خرجت من الآلة خنفساءُ بيتهوفن حازمةً ووقورةً. إنها الخنفساء التي رأيتها بنفسي منهمكةً في تسلُّقِ بطانيته الحمراء، عازمةً عاكفةً على عملٍ ما يخصُّها. بعد ذلك خرجَ حيوانُ شوبرت. كان حيوانُ شوبرت ساذَجًا، غِرًّا يُشبهُ الحُمْلان، يجري هنا وهناك، كأحمقَ لا يريدُ إلَّا لهوًا. في التوِّ جلسَ لابرنث مستغرقًا في تفكيرٍ مُرهقٌ.
أين هي عوامل البقاء في هذه المخلوقات؟ هل الريشُ المسترسلُ أفضلُ من المخالبِ والأنياب المشحوذة؟ أعياهُ الارتباكُ ولم يَحِرْ جوابًا. كان يتوقَّعُ أن يخرجَ من الآلةِ جيشًا مهولًا من الغُرَيْرَاتِ القويَّة يحفرُ ويقاتلُ (الغُرَيْرُ: حيوانٌ آكلٌ للحومِ حجمُهُ بين الكلبِ والسنَّورِ)، مُسَلَّحًا بمخالبَ وحراشفَ، مهيَّأً للنَّهْشِ والرَّفْسِ.
هل أصابَ في صُنْعِهِ وأدركَ بُغيتَه المأمولة؟ ومع ذلك، مَن بمقدوره أن يقرِّرَ ما هو نافع للبقاء؟ ألم تكن الديناصورات مُسَلَّحةً بما يكفي، ولكن لم يَتَبَقَّ واحدًا منها. على أيِّ حالٍ، فقد شُيِّدت الآلةُ، والآن قد فاتَ الأوان، ولا سبيلَ إلى أَنْ يَنْكُصَ على عَقِبَيْهِ القَهْقَرَى.
واصل الدكتور لابرنث عَمَلَهُ مُغَذِّيًا آلة الحفظ بالموسيقى، التي تنتمي لموسيقيين شتَّى، الواحدة تِلْوَ الأخرى، إلى أَنْ اكتظت الغابةُ التي تقع خلف منزله بأشياءَ زاحفةٍ ثَاغِيَةٍ لا تَكُفُّ طوال الليل عن الصراخ والاصطدام. كَمْ مِنْ غرائبَ جّمَّةٍ أرفدته بها الآلةُ، كَمْ مِنْ مخلوقاتٍ أَذْهَلَتْهُ ورَوَّعَتْهُ!
كانت حشرةُ برامس، التي تمتلكُ كثيرًا من الأرجلِ النافرةِ في كُلِّ اتِّجاهٍ، أشبهَ ما تكون بأمِّ أربعة وأربعين (الحَرِيش) فسيحةٍ ولها شكلُ طبقٍ كبير. وكانت واطئةً مفلطحةً ومكسوةً بِفَرْوٍ مُوحَّدٍ، تُؤثِرُ البقاءَ منعزلةً، وتتعجَّلُ الفرار مِن فورها، متكبدةً في ذلك كُلَّ مشقةٍ، لتتجنَّبَ حيوان فاجنر الذي كان يترصَّدها مِنْ كَثَبٍ.
كان حيوانُ فاجنر ضخمًا مُرَقَّطًا بألوانٍ غامقة، وبَدَا أنُّه شَرِسٌ سريعُ الغضبِ؛ لذا كان الدكتور لابرنث يعتريه بعضُ الخوفِ منه، كذلك كانت تخشاهُ أيضًا حشراتُ باخ، تلك المخلوقات التي تُشبهُ الكُرَاتِ المستديرةَ. قطيعٌ كاملٌ منها، ما بين صغيرٍ وكبيرٍ، تَوَّلدَ عن المقدماتِ والفوجاتِ الثماني والأربعين لباخ. وكان هناك طائر سترافنسكي الذي يتألَّفُ من غرائبِ الشَّظايا وعجائبِ القِطَعِ. وإلى جانب هذا كله كان هناك مزيدٌ من المخلوقات الأخرى.
أطلق لابرنث سراحهم في الغابة ومضوا فيها بعيدًا يَحْجِلُون ويتدحرجون ويقفزون قَدْرَ استطاعتهم. ولكنَّ شعورًا بالخيبةِ كان قد خيَّمَ عليه بالفعل. في كُلِّ مَرَّةٍ يبرز له مخلوقٌ مِنْ الغابة كان يغمرُه الذهولُ، مُدْرِكًا أنَّه لا يملك أدنى سيطرةٍ على النتائج مُطلقًا؛ إذ أنَّ الأمرَ قد خرج عن سيطرتِهِ وصار خاضعًا لقانونٍ مَكْنُونٍ ذي سطوةٍ استطاعَ بدهاءٍ وإتقانٍ أَنْ يستأثرَ بالسُّلْطَةِ وحده. وهذا ما أرَّقَ لابرنث وأذاقَهُ غمًّا مريرًا. كانت المخوقات تنحني وتتغير أمامَ قوةٍ مبهمةٍ مجرَّدةٍ، قوةٍ لم يكن بمقدورِ لابرنث أن يراها أو يفهمها، قوةٍ أرعبتْهُ فطارتْ نفسُه شَعَاعًا.
انقطعَ لابرنث عن الحديثِ، فانتظرتُ لبُرهةٍ من الوقتِ، ولكن لم يبدو يَلُحْ لي أنَّه سيمضي مُجدَّدًا في الكلامِ. اِلْتَفَتُّ إليه، فإذ به يَحْدِجُنِي بنظراتٍ غريبةٍ وكئيبةٍ ثُمَّ قال “حَقًّا لا أعرفُ شيئًا آخر لأخبرك به؛ فإنني لم أزُرْ الغابةَ منذ وقتٍ مديدٍ، لم أعد إليها رهبةً لمعرفتي بأن هناك أمرًا ما يحدث، ولكن…”
قلتُ له “لِمَ لا نذهب معًا لنُلْقِيَ نظرةً عمَّا يدور هناك؟” فتَبَسَّمَ ارتياحًا، “ألن تُمانع، حقًّا؟ إنني كنتُ أرجو أن تقترح ذلك؛ فهذا الأمرُ ما بَرَحَ يغمرُني بالتعاسةِ.” نحَّى بطانيتَه جانبًا وانتصبَ واقفًا نافِضًا نفسَهُ، “إذن فلنذهب.”
مشينا حول جانبِ المنزل ثُمَّ بطول مَمَرٍّ ضَيِّقٍ إلى الغابة. كانَ كُلُّ شيءٍ ضَارٍ فوضويًّا، مُفْرِطًا في النمو ومتداخِلًا، بحرًا من خُضْرةٍ شعثاءَ مُوحِشَةٍ. ذهبَ دكتور لابرنث أوَّلًا، مُنَحِّيًا الأغصانَ بعيدًا عن الممرِّ، مُتَمَايلًا مُتَلوَّيًا ليتمكَّنَ مِنَ العبور.
“يا له مِن مكانٍ استثنائي” هذا ما انتبهتُ إليه. مشينا لبُرهةٍ من الوقتِ وكانت الغابةُ مُدْلَهِمَةً مُخْضَلَّةً؛ إذ كادَ أفولُ الشمسِ أَنْ يكتملَ، وضبابٌ رقيقٌ يهبطُ علينا مُنْحَدِرًا عبرَ الأوراقِ التي تَعْلُونا.
“ما مِنْ أحدٍ يجيءُ إلى هنا.” ثُمَّ فجأةً توقَّفَ الدكتور عن السَّيْرِ وتَلَفَّتَ ناظِرًا حوله. “رُبَّما مِن الأفضل أَنْ نعودَ أدراجنا؛ لنجلبَ مسدسي، فلا أريدُ أن يحدثَ لنا شيءٌ.”
“يبدو أنَّك على يقينٍ بأنَّ الأمرَ قد خرج عن السيطرة.” دنوتُ منه ووقفنا متحاذيَينِ. “رُبَّما الأمر ليس سيئًا كما تظنُّ.”
نظرَ لابرنث حوله ودفع بقدمه بعضَ الشُّجَيْرَاتِ الملتفة إلى الخلف. “إنهم حولنا في كُلِّ مكانٍ يَتَرَصَّدُونَ لنا، أَلَا تشعر بذلك؟”
بذهنٍ شارد أومأتُ إليه برأسي. “ما هذا؟” رفعتُ غصنًا ثقيلًا طالَهُ العَفَنُ وفُتَاتُ الفُطْرِ يتساقطُ منه وأقصيته بعيدًا، كانت هناك كومةٌ طُرِحَتْ مُمَدَّدةً مُشَوَّهةً لا شكلَ لها، ودُفَنَ شَطْرُها في الأرضِ الرَّخوة.
“ما هذا؟” قلتُ مُجدَّدًا. تفرَّسَ لابرنث في الكومةِ مكروبًا وعلى وجهِهِ علائمُ اليأسِ. أخذ يركل الكومةَ بلا هدفٍ ولا غايةٍ. شعرتُ بعدمِ الارتياح، فقلتُ له “ما هذا؟ بالله عليك أَخْبِرْنِي إن كنت تعرف.”
رفعَ لابرنث ناظريه إليَّ ببطءٍ ثُمَّ تمتمَ “إنَّه حيوانُ شوبرت، أو ما كان في يومٍ من الأيامِ حيوان شوبرت، فالآن لم يتبقَّ منه إلَّا النزرُ اليسيرُ.”
حيوانُ شوبرت الذي كان يركضُ ويقفزُ مِثْلَ جَرْوٍ، ساذَجًا لا يشتهي إلَّا اللَّعب. انحنيتُ وتفرَّستُ في الكومةِ مُزِيحًا عنها بعضَ الأوراقِ والغُصَيْنَاتِ. كان ميتًا بالفعلِ، فاغرَ الفمِ، مشقوقَ الجَسَدِ شَقًّا غائِرًا شاسِعًا. كان النملُ والدُّودُ قد بدأ في نشاطِهِ بالفعلِ، ولم يزل يَدْأَبُ في التهامه بلا انقطاعٍ. ورائحةُ النتانةِ قد أخذتْ تفوحُ منه.
“ولكن ما الذي حَدَثَ؟” قال لابرنث وهو يهزُّ رأسَهُ. “ما الذي يُمكنُه أَنْ يقومَ بهذا؟”
باغتنا صوتٌ، فتَلَفَّتنا سريعًا.
لوهلةٍ لم نَرَ شيئًا، ثُمَّ ارتجفتْ شُجيرةٌ، فَتَبَيَّنَا شكلَه للمرَّة الأولى، لا بُدَّ أنَّه كان واقفًا هناك يُراقبُنا طِيلةَ الوقتِ. كان المخلوق هائلًا ماردًا، يَشوبُهُ بعضَ الضمورِ، له عينان حادَّتان بَرَّاقتان، ولاحَ لي أنَّه شبيهٌ بذئب البراري، إلَّا أنَّه كان أثقلَ وزنًا. كان فَروُه مُتَلَبِّدًا ثَخِينًا وكان خَطْمُهُ مُدَلًّى ومُنْفَرِجًا إلى حَدٍّ ما، وهو يتفرَّسُ فينا في صمتٍ، يتفحَّصُنا كأنَّه مذهولٌ لوجودنا في الغابة.
“حيوانُ فاجنر” قال لابرنث بصوتٍ أَبَحَّ، “لكنه قد تبدَّل، قد تبدَّل، أكادُ لا أُميِّزُهُ إلا بجهدٍ جَهِيد.”
تشمَّمَ الهواءَ وقد اِزْبَأَرَّ فَرْوُهُ، وبغتةً تقهقرَ لتبتلعَهُ الظلالُ؛ وإذ به قد اختفى في طرفة عَيْنٍ.
لبثنا لبُرهةٍ من الوقتِ ساكنَيْنِ لا نَنْبِسُ ببنت شَفَّةٍ. وأخيرًا تململَ لابرنث في وقفته قائلًا “إذن فقد عرفنا ما الذي حدث هنا، أكادُ ألَّا أصدَّق هذا، ولكن لِمَ؟ ما الذي…”
قاطعته قائلًا “التكيُّف، عندما تُلقي بقطةٍ منزليَّةٍ عاديةٍ إلى الخارج فإنها تصيرُ بَرِّيَّةً. وعندما تُلقي بكلبٍ”
أومأ برأسِهِ وقال “نعم، الكلب حينها يعودُ ذئبًا؛ كي يتمكَّنَ من البقاءِ حيًّا. قانونُ الغابةِ. هذا ما كان واجبًا عليَّ أن أتوقَّعَهُ، فإنَّه يَطْرَأُ على الأشياءِ جميعها.”
تفحَّصتُ الجِيفةَ بعينيَّ ثُمَّ تطلعتُ إلى الشُّجيراتِ الساكنةِ. رُبَّما هو التكيُّف، وربَّما هو شيءٌ أسوأُ. كانت هناك فكرةٌ تتشكَّلُ في عقلي، ولكنني لم أنبسْ بكلمةٍ عنها، لم أتعجَّلْ أُفْضِي له بها.
قلتُ له “أُريدُ أَنْ أرى مزيدًا منها، بعضًا من المخلوقاتِ الأخرى، فلنواصل النظرَ حولنا”
وافقني لابربث على هذا. وأخذنا نشقُّ طريقَنا ببطءٍ، عبرَ العُشْبِ والحشائش، دأبين في إماطة الأغصان والأوراق عن الطريق. كنتُ قد أخذتُ لي عصًا، ولكن لابرنث كان يجثو على يديه ورُكبتيه يتلمَّسُ ويتحسَّسُ، محدِّقًا مِن كثبٍ، كأنَّه حَسِيرُ النظرِ.
قلتُ “حتَّى الأطفال يتحوَّلون إلى وحوش، ألا تتذكر الأطفال الذئاب في الهندِ؟ (أمالا وكامالا طفلتان هنديَّتان عُثرَ عليهما في وَكْرٍ للذئاب عام 1920) لم يكن في وسع أحدٍ أن يُصدِّقَ أنهما كانا طفلتَيْنِ عاديتَيْنِ.” أومأ لابرنث برأسِهِ، كان مغمومًا ولم يكن من الصعبِ إدراكُ ما بَعَثَ الحزنَ في نفسه. لقد كان مخطئًا، واهِمًا في فكرتِهِ الأصليَّةِ، والآن قد بدأتْ عواقبُها تتجَّلى أمام ناظريه. الموسيقى ستتمكَّنُ من البقاءِ كمخلوقاتٍ حيَّةٍ، لكنَّهُ قد نَسِيَ درسَ جَنَّةِ عدنٍ، الذي مُفَادُهُ أَنَّ الشيءَ بمجرَّد أَنْ يكتملَ خَلْقُهُ فإنَّه يبدأُ في العَيْشِ مِنْ تلقاءِ نفسِهِ؛ وبذلك لا يعودُ مَمْلُوكًا لخالقٍ يصوغُهُ ويوجِّهُهُ كيفما شاء. لا بُدَّ أن الإلهَ وهو يراقبُ تطوُّرَ الإنسانِ شعر بذاتِ الحزنِ، وبذاتِ الخِزْي، كما شَعَرَ بهما لابرنث؛ حين رأى مخلوقاتِه تتغيَّرُ وتتبدَّلُ لتُلبِّي متطلباتِ بقائها.
لم يَعُدْ يكترثُ بعدَ الآن لأَنْ تبقى مخلوقاتُهُ الموسيقيَّةُ حيَّةً؛ إذ أنَّه خَلَقَهم مِن أجلِ الحيلولة دون توحُّشِ الأشياء الجميلة، وهو الشيءُ الذي يراه بأمِّ عينيه الآن يطرأُ عليهم ويَعْتَمِلُ في دواخلهم. وبُغتةً رمقني لابرنث بعينين مُتْرَعتَيْنِ بالأَسَى. لقد أمَّنَ لهم البقاءِ، حسنًا، ولكنَّه بفعلتِهِ هذه قد قامَ بمحوِ كُلّ معنًى فيهم وكُلّ قيمةٍ لهم. جاهدتُ لأبتسمَ له ابتسامةً مُقْتَضَبَةً ولكنَّه سُرعانَ ما أشاحَ بوجهه عنِّي.
قلتُ له “لا تجعل هذا الأمر يُقلقُك كثيرًا؛ فحيوان فاجنر لم يُصِبْهُ تغييرٌ جسيمٌ، ألم يكن هذا طَبْعَهُ على أيِّ حالٍ، مفطورًا على الشَّراسةِ وسرعةِ الهياج؟ ألم يكن لديه نزوعٌ إلى العنفِ…” انقطعتُ عن الحديثِ؛ فقد قفز دكتور لابرنث إلى الوراء مُخَلِّصًا يدَهُ من العُشْبِ بحركةٍ خاطفةٍ، مُمْسِكًا بمعصمِهِ وهو يرتجفُ أَلَمًا. هُرِعْتُ إليه متسائلًا “ما الأمرُ؟” فَمَدَّ يَدًا ضامِرَةً مُتَغَضِّنَةً إليَّ وهو يرتعدُ. “ما الأمرُ، ما الذي حدث؟”
قَلَبَ يَدَهُ فرأيتُ علاماتٍ داميةً على ظَهْرِها بأكمله، جروحًا قانيةَ اللونِ ما بَرَحَتْ تزدادُ تورُّمًا أثناء مراقبتي لها. لا بُدَّ أن شيئًا كامِنًا في العشب قد لَدَغَهُ أو عَضَّهُ. نظرتُ إلى الأسفل وأنا أركلُ العُشْبَ بقدمي.
كان هناك حركةٌ ضئيلةٌ مباغتةٌ، تدحرجتْ كرةٌ صغيرةٌ ذهبيَّةُ اللونِ بعيدًا عنَّا مُدْبِرَةً إلى الشُّجيراتِ. كانت مَكْسُوَّةً بالأشواكِ كنباتِ القُرَّاص.
صاحَ لابرنث “أَمْسِكْ بها سريعًا”
أخذتُ أطاردُها، مُتَصَدِّيًا لها بمنديلي؛ محاوِلًا أَنْ أتجنَّبَ أشواكَها. تدحرجتْ الكرة بشكلٍ مسعورٍ، مثابرةً على الفرارِ، ولكنني في النهاية استطعتُ أن أتلقَّفَها بمنديلي.
حينما كنتُ أنهضُ، حدَّقَ لابرنث في منديلي الذي لم يزل يكافح ثُمَّ قال “أكادُ لا أُصدِّقُ هذا، من الأفضل أن نرجعَ إلى المنزل.”
“ما هذا؟”
“إنَّها إحدى حشرات باخ، لكنها قد تغيَّرتْ…”
لقد مضينا في رحلةِ أوبتِنا على طولِ المَمَرِّ نتلمَّسُ طريقَنا في ليلٍ دَيْجُورٍ. مضيتُ أوَّلًا، أُنَحِّي الأغضانَ جانبًا، وكان لابرنث يمضي في إِثْرِي مغمومًا مُنْطَويًا على نفسِهِ، وبينَ الفَيْنَةِ والأخرى كان يَحُكُّ يَدَهُ.
وَلَجْنَا باحةَ المنزلِ وصعدنا الدرجات الخلفيَّة إلى الشُّرْفَةِ. فَتَحَ لابرنث البابَ ودخلنا المطبخَ. قامَ بتشغيلِ الإضاءةِ وهُرِعَ إلى الحَوْضِ ليُطَهِّرَ يَدَهُ، أمَّا أنا فأحضرتُ مِن الخزانةِ قارورةً لحفظِ الفاكهةِ خاويةً، وأسقطتُ في جَوْفِها حشرةَ باخ بحذرٍ شديدٍ وسارعتُ في إحكامِ غَلْقِها بينما الكُرَةُ ذهبيَّةُ اللونِ تتدحرجُ داخلها بغضبٍ، ثُمَّ جلستُ إلى الطاولةِ.
كان كِلَانَا صَامِتًا، لابرنث عند الحوض يغسل يدَه المَلْدُوغَةَ بالماء الجاري، وأنا جالسٌ إلى الطاولةِ أراقبُ بقلقٍ حشرةَ باخ في القارورةِ تحاولُ العثورَ على طريقةٍ تُمَكِّنُها من الهروب.
قلتُ أخيرًا “حسنًا؟”
دنا لابرنث وجلس قُبَالتي قائلًا “لا شَكَّ في أنَّها تعرَّضتْ لقَدْرٍ من التحوُّلِ، ومِن المُحَالِ أَنْ تمنحَها عمليَّةُ التحوُّل أشواكًا سامَّةً في هذا الطَّوْرِ المُبَكِّرِ، كما ترى، مِن الجيِّدِ أنني قُمْتُ بتمثيل دَورِ نُوحٍ، بحذرٍ بالغ.”
“ما معنى هذا؟”
“لقد خَلَقْتُهُم جميعًا مُحَايدين لا جنسَ لهم، فليس بمقدورهم أن يتناسلوا؛ لذا لن يكونَ هناك جِيلٌ ثانٍ منهم، وحينما يموتون سينقرضون وينتهي أمرهم.”
“يَجِبُ عليَّ أَنْ أُعْرِبَ عن سعادتي؛ لأنَّك فكَّرت في ذلك.”
تمتَم لابرنث قائلًا “إنني أتساءل كيف سيبدو صوتُها الآن وقد تحوَّلت على هذا النحوِ.”
“ما قصدُك؟”
“الكُرَة، حشرة باخ. ذاك سيكونُ اختبارًا حقيقيًّا، أليس كذلك؟ بمقدوري أَنْ أُرْجِعَها إلى الآلةِ. وسوف نرى، أَلَا ترغبُ في التحقُّقِ مِن ذلك؟”
أَجَبْتُهُ “كما تشاء يا دكتور، فالأمرُ عائدٌ إليك، ولكن لا تُطْلِقْ العَنَانَ لآمالٍ كبيرةٍ قد تُضِلُّك”
التقطَ القارورةَ بحذرٍ ونزلنا إلى القبو عبر سُلَمٍ شديدِ الانحدار، رأيتُ عمودًا من معدنٍ لا بريقَ له، منتصبًا في الرُّكنِ جِوَارَ أحواضِ الغسيلِ، فأَلَمَّ بي إحساسٌ غريبٌ. إنَّها آلةُ الحفظِ.
قلتُ “إذن هذه هي.”
“نعم، هذه هي” قامَ لابرنث بتشغيلِ وحدةِ التحكُّم وعَمِلَ عليها لفترةٍ من الوقتِ. وأخيرًا، التقطَ لابرنث القارورة ورفعها فوقَ القادوس (وعاءِ مخروطيّ لتلقيم الآلة)، نزعَ غطاءَ القارورةِ باحتراسٍ، فَهَوَتْ حشرةُ باخ في الآلةِ مُكْرَهَةً، وأغلق دونها القادوسَ.
قال لابرنث “فلنبدأ” ورَمَى بوحدة التحكُّمِ. بدأتُ الآلة في العملِ، فطَوَى لابرنث ذراعيه، وانتظرنا. كان الليلُ المُخيِّمُ بالخارجِ يُخْمِدُ كُلَّ ضَوْءٍ ليَعْتَصِرَهُ ويَمْحُوَهُ مِن الوجودِ. وأخيرًا، أَطْلَقَ مُؤشِّرٌ على واجهةِ الآلةِ، وميضًا أحمرَ. قام الدكتور بإطفاءِ وحدةِ التحكُّمِ، ووقفنا صامتين، وكلانا يَأْبَى أَنْ يكونَ أوَّلَ مَنْ يفتحُ الآلةَ.
قلتُ “حسنًا، مَن مِنَّا سيذهبُ ليرى؟”
تحرَّكَ لابرنث ونَحَّى جانبًا قطعةً تَحْجُبُ فَجْوَةً أَوْلَجَ عبرها يَدَهُ في الآلةِ. خرجتْ أصابعُهُ مُمْسِكَةً بورقةٍ نحيلةٍ، نوتةٍ موسيقيَّة. نَاوَلَنِي إيَّاها قائلًا “هذه هي النتيجة، وفي وسعنا الآن أَنْ نصعدَ ونعزفها”
صعدنا إلى غرفةِ الموسيقى، جلسَ لابرنث إلى البيانو الكبير، فأَعَدْتُ النُّوتةَ إليه. فَتَحَها وأَخَذَ يتفحَّصُها لبُرهةٍ، بوَجْهٍ خاوٍ لا يُعٍرِبُ عن شيءٍ. ثُمَّ بدأ في العزفِ.
أنصتُ إلى الموسيقى. كانت في غايةِ البشاعةِ، لم أسمعْ شيئٍا شبيهًا بها قَطُّ. كانت مشوَّهةً شيطانيَّةً، ليس بها شعورٌ ولا معنًى فيما إلَّا رُبَّما معنًى غريبًا دخيلًا يُورِثُ القلقَ، ما كان يتعيَّنُ عليه أَنْ يكونَ موجودًا. تطلَّبَ الأمرُ مِنِّي مشقًّةً جسيمةً كي أُصدِّقَ بالكادِ أَنْ ما سمعته كان في يومٍ من الأيام لحنًا (في قالب الفوجا) لباخ، جزءًا من عملٍ هو مِن أعظم الأعمال الموسيقيَّة تنظيمًا وتبجيلًا.
قالَ لابرنث “هذا يُنهي الأمرَ”، ونهضَ مُخْتَطِفًا النوتةَ بيديه ثُمَّ مَزَّقَها قُصاصاتٍ ضئيلة.
بينما كُنَّا نمضي في طريقنا إلى سيارتي قلتُ “إنني أعتقدُ أنَّ الصِّراعَ من أجلِ البقاء هو قوةٌ تَفُوقُ كُلَّ الطبائعِ الإنسانيَّة، قوةٌ تجعلُ أغلى أعرافِنا وأنفسُ أخلاقِنا تبدو كأشياءَ هزيلةٍ هشَّة.”
وافقني لابرنث. “رُبَّما ليس هناك سبيلٌ إلى انتشالِ تلك الأعراف والمبادئ الأخلاقية من هاوية الفناء المحتوم.”
قلتُ “ستُبدي لنا الأيامُ ما كُنَّا نَجْهَلُ، فإنْ أخفقتْ هذه الطريقةُ، فهنالك طرائقُ أُخرى قد تَنْجَحُ؛ فلا بُدَّ أن شيئًا ما، يستحيلُ علينا أَنْ نَتَنَبَّأَ بِهِ أو نَتَوَقَّعَ حدوثِهِ، سوف يبرزُ إلى الوجودِ في يومٍ مِن الأيام”
ألقيتُ عليه تحيةَ المساء وركبتُ سَيَّارتي. كانت الشُرفةُ غارقةً في الظلام وقد أَطْبَقَ قبضتَهُ على الدُّنيا تمامًا. أشعلتُ مصابيحَ السَّيَّارةِ الأماميَّة، وانطلقتُ في طريقي أقودُ في ظلامٍ حالِكٍ. لم يكن هناك سياراتٌ أخرى في مرمى البصرِ؛ فكنتُ وحيدًا فريسةً للبرد القارس. توقفتُ عند ناصيةِ الطريقِ، مُبْطِئًا لأقوم بتتغير تروس السرعةِ. وفجأةً تحرَّك عند الرَّصيفِ شيءٌ ما، شيءٌ بجانب قاعدة شجرة جُمَّيزٍ عملاقة، حَمْلَقْتُ نحو الخارج لأتبيَّنَ كُنْهَ هذا الشَّيء.
بجانبِ قاعدة شجرةِ الجُمَّيزِ العملاقة كانت خنفساءُ هائلةٌ تبني شيئًا ما، وتضعُ قطعةً مِن الطِّينِ في مَوْضِعٍ مِنَ ذاك المبنى الغريبِ، الذي له مَرْأًى يُثيرُ في النَّفْسِ القلقَ والاضطرابَ. راقبتُ الخنفساءَ لبُرهةٍ من الوقتِ يَمْلَؤني الذهولُ والفضولُ، إلى أن تَنَبَّهَتْ لوجودي أخيرًا فتوقَّفتْ عمَّا كانت تصنعُهُ. وبُغْتَةً استدارتْ الخنفساءُ ودخلتْ المبنى الغريب، وصَكَّتِ البابَ خلفها بإحكامٍ.
فَقُدْتُ سيارتي مُبْتَعِدًا.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد