في مطبخ نصر حامد أبوزيد… إشكاليات القراءة وآليات التأويل (٢)
بقلم: عمرو عبد الرحمن

التأويل في كتاب سيبويه
يقول أبوزيد أن التأويل الذي يهتم بدراسته هنا هو تأويل اللغة بوصفها نصًا بالمعنى السيميوطيقي، نصًا يحاول سيبويه اكتشاف آلياته للوصول إلى دلالته ومغزاه. يعتبر الخليل بن أحمد الفراهيدي أن غاية الدرس اللغوي اكتشاف حكمة واضع اللغة أو واضعيها، من خلال عدة حقائق كانت كامنة لدى اللغويين القدماء: فاللغة بناء مُحكَم في تصور يتجاوب مع تصور العلوم الأخرى للعالم. والنظام اللغوي نظام تمتلكه الجماعة، تتحدث به على سجِيّتها ويقوم في عقلها الجمعي عِلله. وأن القدماء وعوا أن تفسيراتهم وتأويلاتهم وعللهم اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ، هدفها الوصول إلى تصنيف للكشف عن نظام اللغة وصولًا إلى حكمة واضعها أو واضعيها. وذلك انطلاقًا من رؤيتهم للعالم ومن ضمنه اللغة كمخلوق حادث لعِلة وغاية عليهم اكتشافها؛ لفهم دوره ووظيفته فيه. فالتوقف عند الظواهر الخارجية لا يكفي، ولابد من التعليل سعيًا لاكتشاف الحكمة والغاية.
يرى أبوزيد أن صعوبة علم اللغة تأتي من حيث هي أداة يفهم بها الإنسان العالم بواسطة رموزها، وفهم اللغة نفسها يكون باكتشاف نظامها من خلال رموزها أيضًا. فالرموز بها يفهم الإنسان العالم، وبها يفهم اللغويون اللغة ذاتها.
مثّل النص القرآني صعوبة أخرى للنُحاة العرب حيث تحول إلى النص المعيار للنظام اللغوي. فلم يكن ممكننًا وضع القواعد النحوية دون النظر للنص القرآني، الذي انطلقت منه حركة البحث اللغوي في الأساس لضبط أواخر الكلمات بواسطة أبي الأسود الدؤلي. مثّل تعدد اللهجات واختلاط الثقافات صعوبة في وضع النظام اللغوي، لذلك اتخذوا اللغة البدوية كمعيار في وضع القواعد واكتشاف النظام. في حين ساهمت القراءات المختلفة لبعض أجزاء النص في التخفيف من معياريته. لهذا يرى أبوزيد أن التأويل في النحو أداة أساسية من أدوات بناء العلم ذاته، يعكس ظاهرة هامة وأصيلة في الثقافة العربية، انطلقت من النص القرآني. وهو تأويل وليس تفسير لأنه لا يعبر عن شئ واضح بيّٓن، كما أنه اللفظ الذي استخدمه القدماء مثل الطبري وسيبويه دون الحرج من الوصم المتأخر للتأويل نتيجة الصراعات الأيديولوجية والمذهبية.
اختار أبوزيد للنقاش قضايا العامل والقياس والشذوذ كمفاهيم تحليلية ذات مدخل تأويلي، تفسِّر الأساس النظري العام لرؤية العالم التي انطلق منها النحاة.
العامل
هو تصور ذهني تأويلي للتعامل مع بعض الحالات الإعرابية مثل أن يكون هناك اسم يوجد في جملة مع فعلين، يكون فاعلًا لأحدهم ومفعولًا للأخر، أو وجود أسماء مرفوعة أو منصوبة دون وجود عامل ظاهر في السياق مثل النداء والقسَّم. في الحالة الأولى اعتبر سيبويه أن الاسم يتعلق بأقرب الأفعال إليه، وفي الثانية افترض وجود عامل محذوف أو مُضمَر. وهذه رؤية تعتمد على رؤية أوسع في الثقافة الإسلامية حيث كل فعل لابد له من فاعل وكل معلول لابد له من عِلة. وحتى الخلاف الذي حدث على تحديد هذا العامل، فالبعض يلحق الاسم بالفعل الأقرب والبعض يلحقه بالفعل الأسبق، وهو خلاف شبيه بالخلاف بين الأشعرية والمعتزلة، حيث يلحق المعتزلة الفعل بالفاعل الأقرب وهو الإنسان، ويلحق الأشاعرة الفعل بالفاعل الأسبق وهو الله، وإن احتفظوا للإنسان بدور من خلال نظرية الكسب. لكن إذا كان الفعل الأقرب يجعل الاسم مفعولًا، فإن سيبويه يلحقه بالفعل الذي يجعله فاعلًا، لأن عند سيبويه لا فعل بدون فاعل، بينما المفعول يمكن الاستغناء عنه. في حين أننا نجد ابن مضاء القرطبي يرفض هذا المفهوم الاصطلاحي للعامل، وهو رفض ينطلق من موقف الظاهرية من التعامل مع النصوص حيث هي واضحة مكتفية بذاتها، وهو موقف ينتقل من مجال النصوص الدينية إلى مجال النص اللغوي.
القياس
القياس في العلم اللغوي مشابه للقياس في الفقه، حيث أنهما جزء من كلٕ هو الثقافة الإسلامية. القياس في النحو هو أداة تُحوِّل الكلام إلى لغة، وترد التغاير والتعدد إلى نسق ونظام. وهو يؤكد الطابع التأويلي للمفاهيم والتصورات النحوية. من أمثلة القياس عند سيبويه قياس الفعل على الإسم في العمل خاصة الفعل المضارع، وقياس الصفة على الفعل في العمل. وهو القياس الذي يرفضه الظاهرية لموقفهم الرافض للقياس جملة وتفصيلًا. يعطي سيبويه الأولوية للأسماء ثم الصفات ثم الأفعال، وهو تصور يتجاوب مع التصور الديني لأسماء الله وصفاته وأفعاله، حيث الأسماء تدل على الذات، والصفات تدل على أحوال. وفي حين لم يفرِّق المتكلمون بين الأسماء والصفات، يرفض الظاهرية اعتبار الألفاظ الدالة على الله في القرآن صفات. يخالف القياس في النحو القياس الفقهي، فالقياس الفقهي يستنبط الأحكام من النصوص، بينما القياس النحوي يستنبط بالتأويل والمقارنة أوجه الاختلاف والشبه بين ظواهر اللغة لوضع القواعد.
الشذوذ
إن اللغة سعي لاكتشاف النظام الثابت للكلام، ولأن الكلام سبق اللغة ومنه يتم استنباط القواعد، كان هناك حالات غير خاضعة للنظام الذي تم وضعه. هذه حالات شاذة عن القواعد، ولا يستخدم سيبويه مصطلح الشذوذ بل يستخدم المصطلح الكلامي القبح والحسن من حيث الشيوع وعدمه. وهي مفاهيم أنتجت مفاهيم تأويلية مثل الأصول والفروع، فالاسم أصل والفعل فرع، والنكرة أصل والمعرفة فرع، والمفرد والمذكر من الأصول، بينما الجمع والمؤنث من الفروع. والأصل في الأسماء الصرف كاملًا. التأويل هنا وسيلة لرد النادر الاستعمال إلى النظام اللغوي -طالما استعمله العرب في كلامهم أو وُجد في القرآن- أو وسيلة لاستيعاب ما هو خارج النظام داخله.
ما يحاول أبوزيد لفت النظر إليه هو أن مواقف النحاة التأويلية لم تكن بمعزل عن القضايا الفكرية المُثارة والمواقف المذهبية منها، لكن التأويل كان ذا طابع لغوي بشكل مباشر. كما يؤكد على أهمية التأويل كأداة معرفية في بناء العلم، وفي بناء العلوم الإنسانية خاصةً.
الثابت والمتحول في رؤية أدونيس للتراث
في المحور الثالث من الكتاب يقدِّم نصر أبوزيد قراءته لقراءات متعددة للتراث، يوضح من خلالها كيف يمكن قراءة التراث؟ وهل التراث ينتمي إلى الماضي أم هو يستمر ليساهم في تشكيل الحاضر؟
القراءة الأولى هي قراءة لرؤية أدونيس للتراث. أدونيس هو علي أحمد سعيد إسبر المفكر والأديب السوري العلوي، ومن أهم أعماله كتاب الثابت والمتحول الذي يشتبك معه هنا نصر حامد أبوزيد.

في البداية يقدم أبوزيد رؤيته لدراسة التراث، حيث أن موقفنا الراهن من واقعنا يحكم رؤيتنا للتراث. لا مكان لدراسة موضوعية محايدة للتراث، كما لو كان الماضي شيئًا مستقلًا عن وعينا الحاضر. الماضي وجود تاريخي مستقل بالمعنى الوجودي الأنطولوچي، لكنه بالمعنى المعرفي الأبستمولوچي مستمر يشكِّل الحاضر، كما يعيد وعيَّنا الراهن تشكيله، في علاقة جدلية مستمرة. يعتبر أبوزيد أن رفض وهم الفهم الموضوعي للتراث هو نقطة الانطلاق للتحكم في الأهواء والأغراض ومواجهتها بدلًا من تركها تعمل في الخفاء. في علاقة جدلية بين الباحث وموضوعه. يسلِّم الباحث أيضًا أن الماضي ليس كتلة واحدة، إنما هو اتجاهات تعكس قوى ومصالح مختلفة. إنه لا يتبنى الماضي بالكامل، بل يفتش فيه ليُثبت بعض عناصره وينفي بعضها، لكن عليه الموازنة بين رؤيته وبين حقائق التراث.
أما أدونيس فهو يفرِّق بين الثقافة السائدة التي هي ثقافة الفئة المسيطرة والتي تنتمي للماضي، والثقافة الطليعية التي هي ثقافة طليعة من الطبقة المسُودة، تحلم بالتحرر وتمتلك وعيها الخاص. هذه الرؤية الثنائية رغم وعيّها بتعدد مستويات التراث، إلا أنها تتناوله بغرض هدمه من الداخل. هدم ما هو ثابت بما هو متحول، وهو موقف يتناول التراث كوجود في الماضي انتهى دوره، ويختلف عن موقف جدلية الماضي والحاضر. إلى جانب ثنائية الماضي/الحاضر تُشكِّل ثنائية الاتباع/الإبداع موقف أدونيس كشاعر من التراث، حيث الإبداع هو تجاوز لكل موروث، ونفي لكل صيغة جاهزة. يقف أدونيس موقفًا استعلائيًا من الجمهور حيث تسيطر عليه الثقافة التراثية السائدة. ينفر أدونيس من التراث ويرفض كل ما يرتبط به، لدرجة رفضه للجمهور الذي يخاطبه بشعره. يرفض أن يعتبر الإبداع منتميًا إلى لحظته التاريخية، فالأثر الفني لا يخضع للذوق السائد، بل هو ما يحدد الذوق. الإبداع هنا هو عملية خلق من عدم، والتراث موجود لنرفضه ونتجاوزه ونثور عليه.
دافِع أدونيس للقيام بهذه الدراسة هو علاقة الانفصال التي يعيشها مع الجمهور، والتجاهل النقدي لإبداعاته، فبدأ من وجود حالة عداء عند العربي تجاه كل إبداع وكأنها فطرة لديه، وألحقها بالتراث الديني لديه. حين ينتقل أدونيس للشعر، يكون محور حكمه على الشعراء هو مدى تحررهم من القيم الدينية والخروج على المجتمع، هو هنا يوحد بين السلوك والشعر. وعند تناوله لتراث الشعر يعتبر أن أهمية الشعر في مدى تأسيسه للرغبة والشهوة إلى المُحَرَّم، دينيًا واجتماعيًا. طوال الوقت يقوم أدونيس بتأويل كل عناصر التراث إلى ثابت، جزء من ثقافة سائدة، يجب هدمه والتحرر منه، ومتحول، جزء من ثقافة طليعية تقدمية ثورية، وهو ما يستحق الاحتفاء. على المستوى السياسي، يجمع أدونيس كل ما هو خروج عن السائد من حركات سياسية واجتماعية بتأويل غير منضبط للاحتفاء به.
فالشيعة مع الخوارج مع أبي ذر الغفاري، وعلى المستوى الفكري يجمع المعتزلة مع المتصوفة. كل ما هو خروج على الثبات يُعَد تحولًا، وكل تحوُّل هو تحرك محمود. يشير أبوزيد إلى تعامل أدونيس مع إنتاج ابن الراوندي والرازي في نقدهم النبوة على أساس عقلي، فقد جمعهم مع المعتزلة والمتصوفة بما أنهم خرجوا على الثبات. رغم أن العقل المعتزلي لم ينقد الفعل الإلهي في تفسيره للظواهر الطبيعية، وأنه ينطلق من مقدمات شرعية. أما عند ابن الراوندي والرازي فالعقل بديل للوحي بعد أن كان في خدمته عند المعتزلة. ويرفض أبوزيد وصفهما بالملحدين لأن محتوى معرفة العقل عندهما يظل دينيًا. لكن الإلحاد عند أدونيس هو ذروة الخروج على النسق الديني للمجتمع، ما يستحق الاحتفاء كمتحول هام في التراث. أما المتصوفة فرغم أن جوهر موقفهم هو نقد العقل وبراهينه، لكنه يضعهم في سلة المتحول حيث حرر التصوف الإنسان من الشريعة، وهذا غير حقيقي. فالمتصوف يبدأ من الشريعة رحلته تجاه الحقيقة.
يرى أبوزيد أنها دراسة هامة لكن غرق الباحث في ثنائياته جعله يوحد بين مستويات مختلفة من الفكر والسياسة، ويهمل العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر.
الذاكرة المفقودة والبحث عن النص
كتاب الذاكرة المفقودة هو كتاب يجمع مقالات نقدية لأعمال أدبية تشمل الشعر والقصة والمسرح للكاتب إلياس خوري، وهو كاتب وروائي لبناني مسيحي أرثوذكسي. الذاكرة هنا هي مجموع خبرات الإنسان التي تُشكّل وعيّه، هي الثقافة من حيث هي خلاصة التجربة التاريخية.

الأزمة هي أزمة النقد وأزمة الإبداع، وهي تعبير عن أزمة اجتماعية ثقافية عميقة. ينطلق الكاتب من واقعه اللبناني فيعتبر أن الحرب الأهلية جرت في الذاكرة كما جرت على أرض الواقع. كانت حرب ذاكرة تمحو الذاكرة، فانهارت النصوص والمؤسسات والذاكرة. ينقد الكاتب مشروع الحداثة العربي المستورد من الغرب لأنه كان تحديثًا للدولة لا للمجتمع على المستوى السياسي. صارت الثقافة تنمو في الدولة ومن أجل بناء الدولة ومن الدولة، والدولة لم تصبح دولة إلا بالجيش، ومع الجيش أصبحت نموذجًا يوحد القوى الاجتماعية من الخارج، في سلطة تقع فوق المجتمع. ويُرجِع الكاتب فشل مشروع الحداثة إلى محاولة جمعه بين ماضي العرب الإسلامي وماضي الغرب، فضاع الحاضر وانتهى الأمر إلى فقدان الذاكرة.
يختلف أبوزيد جزئيًا مع هذا التحليل، فهو يرى أن استمرار قدرة اللغة في التعبير عن نص الحاضر، حيث لم تظل خاضعة للماضي ولم تخضع للوافد المحتل، دليل على عدم فقدان الذاكرة المزعوم. يعتبر أبوزيد أن معضلة الكاتب هي المساواة بين مستويات الواقع/الثقافة/الأدب، ويتجلى ذلك في مساواته بين الكتابة الإبداعية والنقدية. فالكتابة النقدية تبدأ من النص لتتجاوزه، تحاول أن تقول ما لا يستطيع كاتب النص قوله، أو ما تعتقد أنه لا يستطيع قوله. ويتجلى أيضًا في “حلمه” بنص يموت فيه المؤلف، باعتبار المؤلف هو المكافئ للسلطة، فالحل الذي يطرحه الكاتب هو سقوط النظام/فقدان الذاكرة/موت المؤلف. حل يراه أبوزيد مستوردًا من حيث هو يعطي الأولوية للنص ويعزله عن سياقه، ويعتبره تكريس للأزمة التي بدأ منها الكاتب ووعدنا بتحليلها وتجاوزها وهي الذاكرة المفقودة. يعتبر أبوزيد أن من الخطأ اعتبار أزمة الواقع/الثقافة/الأدب ذات مستوى واحد، لأن الواقع شيئًا جامدًا، بل هو نتيجة صراع العديد من القوى الاجتماعية، ينعكس على الثقافة والأدب. التعميم هنا تكريس لأيديولوچية الطبقة المسيطرة التي لا ترى فعالية لثقافة إلا ثقافتها، وتريد حجب كل ما يتعارض معها سياسيًا وثقافيًا وإبداعيًا.
أزمة النقد هي أزمة المثقف الذي وضعته الدولة واستخدمته لإنجاح مشروعها الحداثي، وعندما فشل تم استخدامه لتبرير سيطرتها واستغلالها. أي أن الأزمة هي انفصال المثقف عن المجتمع. والحل هو إدراكه لدوره في إنتاج ثقافة تعبر عن الجماهير وتتبنى طموحاتهم. يرى الكاتب أن الديمقراطية هي الحل، وان كان أبوزيد يتفق في اعتبارها مطلب شعبي أساسي، إلا أنه لا يراها حل سحري لكل أزماتنا، ويعتبر ذلك نوع من التبسيط والسطحية.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد